علم الدين عمر يكتب : وللجمعة جمعها.. سرقة (الأمل) لمستنقع (الفشل) !!

حاجب الدهشة..
بينما تتزاحم التحديات الكبرى على صدر الوطن..أبت أشواق بعض (صغار) اللاعبين إلا أن تخربش جدرانه بتسريبات شاحبة عن تعديل وزاري “وشيك” يشمل ست وزارات..وكأن البلاد تعيش حالة رخاء تسمح برفاهية الثرثرة السياسية.. تسريبات منسوبة إلى “مقربين” لا يُعرف مدى قربهم ولا وزنهم.. تكاثرت كالفطر السام في بيئة إعلامية متعبة.. لا هدف لها ولا رؤية سوى إثارة القلق وبث الضباب..مثل هذه الأحاديث لا تصنع قراراً.. ولا تعكس رؤية دولة ولكنها تشبه تهديداً مبطناً أو حرباً نفسية رخيصة ضد وزراء حملوا العبء مع رئيس الوزراء في أحلك الظروف وأعقد الملفات وأقل الإمكانيات..
المشكلة في هذه التسريبات ليست فقط في هشاشتها.. بل في توقيتها البائس..فالبلاد التي تخوض معركة وجود.. حرب.. إقتصاد منهك.. علاقات خارجية معقدة..إعادة بناء مؤسسات..وترميم نسيج إجتماعي مثخن بالجراح..وسط هذا كله..يصبح الحديث عن “من يغادر ومن يبقى” أقرب إلى العبث السياسي منه إلى التحليل..(تغبين) قوائم المغادرين هو الهدف من هذا التسريب الغريب..الاعلام كان ينتظر وضوح البرنامج..وصلابة الإرادة..وكفاءة الإدارة لتتحدث وليس دوائر صغار الصحفيين علي حواف الطاولات وبين أجندات الموظفين و(الأفندية ) البؤساء..
إختزال الأزمة الوطنية في أسماء وزراء هو تبسيط مخل يكشف ضحالة القراءة أكثر مما يشي بنية الإصلاح..
الأكثر إثارة للدهشة — وربما للأسف — هو إقحام إسم وزير الإعلام خالد الإعيسر ضمن قائمة المغادرين..الرجل الذي لم تكد تمر شهور على توليه المنصب حتى نجح في تحريك مياه راكدة منذ سنوات..وفتح مسارات لإستعادة مؤسسية الإعلام الوطني رغم شح الإمكانات وتشتت الكوادر والتخريب الممنهج الذي طال البنية الإعلامية.. بشهادة مجلس الوزراء نفسه.. كان الإعيسر من أكثر الوزراء حضوراً وفاعلية وإنجازاً..فهل يُعقل أن يُكافأ بالتسريب حول الإعفاء؟ دعك من الإعفاء نفسه..
لقد انطلق الإعيسر ومعه فريق صغير.. نوعي..في ترويض “مهر الإعلام الجامح” الذي ظل سنوات بلا لجام ولا بوصلة.. فعل ذلك وسط بحر متلاطم من الأزمات.. لا موارد كافية.. ولا إستقرار مؤسسي.. ولا حتى بيئة مهنية سليمة..ومع ذلك..بدأ الناس يرون ملامح خطاب إعلامي أكثر تماسكاً وحضوراً خارجياً أكثر اتزاناً ومحاولات جادة لترميم الداخل الإعلامي المنهار..بقي الإعيسر أو مضي فإن هذا الرجل قاتل مع الدولة وضمنها وحولها حتي أنكسر السيف في يده و(شال) شيلته كاملة بلا من ولا أذي..وهو يستحق مساحة من سماحة يتوق لها الإعلام ومنسوبيه والشعب السوداني كله ولا أزيد..
وعلى محورٍ آخر..أُثير غبار كثيف حول العميد الدكتور طارق الهادي عقب إنهاء خدمته العسكرية.. وكأن التقاعد في المؤسسة العسكرية تهمة وليس إجراءاً طبيعياً يحدث يومياً.. الرجل — لمن لا يعرف — طبيب عسكري بالأساس إلتحق بالقوات المسلحة كضابط فني وليس ضابط مقاتل تقليدي..ثم أظهرت الحرب ملكاته الإعلامية فبرز كأحد الوجوه التي بثت الطمأنينة في نفوس الناس خلال الأيام الأولى العصيبة.. ظهوره لم يكن إستعراضاً بل إستجابة تلقائية لحاجة نفسية وإعلامية ملحة لدى مجتمع يعيش صدمة الحرب..
إحالته للتقاعد لا تنتقص من قدره ولا من بطولاته..ولا تمحو أثره كمقاتل وجندي.. قد تكون وراء القرار أسباب تنظيمية أو مؤسسية أو حتى شخصية..لكن تحويله إلى قضية رأي عام صاخبة يكشف تعطشاً مرضياً للدراما أكثر مما يعكس حرصاً على الحقيقة..مؤسسة القوات المسلحة تُدار بالقوانين وليس العواطف..والتقاعد نهاية خدمة وليس نهاية قيمة..الغبار الذي أُثير حول الرجل لا يليق بتاريخه ولا يضيف شيئاً للمعركة الوطنية..ففي الأرض مراقم كثيرة وسعة دعوا الرجل يمضي إليها..
الحقيقة البسيطة التي يحاول البعض القفز فوقها هي أن البلاد لا تملك ترف المعارك الإنصرافية.. الأولوية لإنهاء التمرد واستعادة السيادة الكاملة..وتوحيد الخطاب السياسي والإعلامي..وإعادة العلاقات الخارجية إلى مسارها المتوازن.. ثم الشروع في العودة والإعمار..كل ما عدا ذلك ضجيج زائد يستهلك طاقة وطن بالكاد يلتقط أنفاسه.. فلنكف عن مطاردة الظلال..ولنتجه إلى حيث تُصنع القرارات بعيداً عن الشائعات ومحاولات جس النبض وتهديد الإستقرار.



