من الحرب على إيران إلى أزمة الخليج: كيف يُعاد ترتيب الشرق الأوسط؟

الجزء الثاني: الخليج تحت الضغط، من حدود الحياد إلى استهداف قطر

*البعد الخامس*.

*بقلم. صباح المكي*

*أولًا: الحرب واختبار النموذج الخليجي*

لم تعد الحرب على إيران بالنسبة إلى دول الخليج مجرد أزمة إقليمية تدور على تخومها، بل أصبحت تمسّ مباشرة منشآتها وممراتها وأسواقها ونموذجها الاقتصادي نفسه. فالأضرار التي طالت الطاقة والملاحة وسلاسل الإمداد لم تكن مجرد نتائج جانبية لصراع خارجي، بل مؤشرات على أن البيئة التي سمحت للخليج ببناء ازدهاره على افتراض إمكان احتواء الاضطراب الإقليمي لم تعد قائمة بالصلابة نفسها. وحين تقترب الحرب من الممرات والمنشآت والأسواق، لا يعود السؤال فقط عن حجم الخسارة، بل عن مدى قدرة النموذج الخليجي نفسه على الاستمرار في بيئة لم تعد فيها الجغرافيا قابلة للعزل أو التحصين كما كان يُفترض.

ولذلك، لا تكمن خطورة الحرب في أنها فتحت جبهة تهديد جديدة أمام الخليج فحسب، بل في أنها أصابت الفرضية التي قام عليها جزء كبير من ازدهاره خلال العقود الأخيرة: إمكان بناء الاستقرار الاقتصادي والاستثماري في بيئة إقليمية مضطربة، شرط أن يبقى الاضطراب تحت السيطرة، وألا يقترب من المجال الحيوي المباشر. أما اليوم، فقد بات واضحًا أن المسافة بين مركز الازدهار ومسرح الصراع لم تعد مضمونة كما كانت، وأن الحرب لم تعد حادثًا خارجيًا يمكن عزله عن النموذج، بل اختبارًا مباشرًا له.

*ثانيًا: من حدود الحياد إلى ضرورة إعادة التموضع*

لم تكشف الحرب الحالية ضعف الحماية الخارجية فحسب، بل كشفت أيضًا حدود نموذج الحياد والتحوط الذي اعتمدت عليه دول الخليج خلال السنوات الأخيرة. فهذا الحياد لم يكن حيادًا كاملًا بالمعنى الصارم، بقدر ما كان صيغة لإدارة العلاقات المتناقضة، وتأجيل الاصطفاف الحاد، وتخفيف الكلفة، والإبقاء على قنوات مفتوحة مع أطراف متنافسة. لكن هذه الصيغة نفسها بدت أقل قدرة على الصمود كلما اقترب الصراع من البنية التحتية الحيوية والمجال الأمني المباشر. وعند هذه النقطة، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بحدود الوساطة أو بمدى فاعلية الشراكة مع واشنطن، بل بما إذا كان نموذج التحوط نفسه ما يزال كافيًا في بيئة إقليمية تتراجع فيها المسافات الفاصلة بين الحرب والمجال الحيوي الخليجي.

ومن هنا، تبدو دول الخليج أمام مراجعة استراتيجية تتجاوز مسألة تنويع الشراكات الدولية إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه. فالرهان لم يعد ممكنًا على مظلة خارجية واحدة، كما لم يعد ممكنًا الفصل بين الأمن العسكري وأمن الطاقة والملاحة والاستثمار. لذلك، قد تتجه العواصم الخليجية إلى مقاربة أكثر تعددية وتماسكًا، تقوم على توسيع هامش الحركة، وتعزيز التنسيق الدفاعي الإقليمي، وتقليل الاعتماد على افتراض أن الأزمات الكبرى يمكن احتواؤها دائمًا قبل أن تبلغ القلب.

وفي هذا السياق، تكتسب الدعوة التي طرحها الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني أهمية خاصة، حين شدد على أن دروس هذه الحرب تفرض على دول مجلس التعاون الانتقال من الصيغ التنسيقية الفضفاضة إلى حلف عسكري وأمني خليجي فاعل وحقيقي على الأرض، يتجاوز الخلافات البينية، ويؤسس لوحدة موقف ومصلحة، ويبدأ فورًا في بناء قاعدة صناعات عسكرية وإلكترونية متقدمة ومنسقة بين دول المجلس. وتكتسب هذه الدعوة وزنها من أنها لا تنطلق من منطق التعبئة الخطابية، بل من إدراك أن الخليج لم يبدأ هذه الحرب، ولم يردها، ومع ذلك وجد نفسه يدفع كلفتها الأمنية والاقتصادية والسياسية. ومن ثم، فإن المطلوب لم يعد مجرد تحسين أدوات الدفاع، بل بناء قدرة خليجية جماعية تجعل أمن المجلس أمنًا مشتركًا لا ملفات وطنية منفصلة، وتمنع بقاء دوله ساحة تُرحَّل إليها تبعات الصراع بين واشنطن وتل أبيب وطهران.

لكن هذا التحول لن يكون مؤسسيًا فقط، بل ذهنيًا وتربويًا أيضًا. فدول الخليج، التي عاشت طويلًا على افتراض أن الحماية الغربية ضمانة مستقرة، تجد نفسها اليوم أمام ضرورة مراجعة هذا الاعتقاد من جذوره. وهذا يعني أن إعادة بناء الأمن لا تقتصر على الجيوش والأنظمة الدفاعية، بل تمتد إلى إعادة تثقيف الأجيال الجديدة على معنى الاعتماد على الذات، والانضباط، والجاهزية، والصبر الاستراتيجي، وفهم أن الأمن ليس ترفًا يُشترى، بل مسؤولية تُبنى وتُصان. فمرحلة ما بعد هذه الحرب قد لا تسمح بثقافة الاتكال أو برفاهية الظن بأن الآخرين سيتكفلون دائمًا بحماية الخليج وحدوده ومصالحه. ولذلك، فإن الرسالة الأعمق التي ينبغي أن تستخلصها دول المجلس ليست فقط أن توحد جيوشها، بل أن تعيد تشكيل وعيها الأمني نفسه: من عقلية الاحتماء بالخارج إلى عقلية الثبات والقدرة وتحمل المسؤولية.

*ثالثًا: لماذا تصبح قطر هدفًا في هذا السياق؟*

1. *تصنيف قطر ليس مجرد خلاف سياسي عابر*

في هذا السياق، تكتسب الحملة الإسرائيلية المتصاعدة ضد قطر أهمية خاصة، لأنها لا تبدو مجرد خلاف سياسي عابر أو امتداد مباشر للسجال حول غزة، بل تعكس توترًا أعمق مع نموذج الدولة العربية التي تحافظ على هامش حركة مستقل نسبيًا داخل النظام الإقليمي. وقد أخذ هذا التوجه بعدًا أكثر وضوحًا مع المبادرات السياسية والقانونية التي طُرحت داخل إسرائيل لتصنيف قطر «دولة عدو»، في خطوة تكشف أن الاستهداف لم يعد إعلاميًا أو خطابيًا فقط، بل يتجه إلى محاولة ترجمته إلى أدوات قانونية وسياسية مؤسسية.

فالدولة التي تجمع بين الشراكة مع واشنطن، والوساطة، والاحتفاظ بخيوط مفتوحة مع أطراف متعارضة، من دون الاندماج الكامل في الرؤية الأمنية الإسرائيلية للمنطقة، تصبح بطبيعتها عنصرًا مزعجًا في بيئة يُراد إعادة ضبطها وفق تعريفات أكثر صرامة للعدو والحليف.

*2. الوساطة لم تعد موقعًا محايدًا بالكامل*

تكمن أهمية هذه النقطة في أن الوساطة لم تعد تُعامل في الإقليم بوصفها وظيفة محايدة بالكامل، بل أصبحت جزءًا من بنية إدارة النزاع نفسها. وهذا يعني أن الدولة الوسيطة لا تُقرأ فقط كناقل رسائل أو كقناة تفاوض، بل كعقدة مؤثرة في شبكة التوازنات الإقليمية. ومن هنا، فإن استهداف قطر سياسيًا أو رمزيًا لا يعني فقط الاعتراض على مواقفها في ملف غزة أو علاقتها بحماس، بل يعكس اعتراضًا على نموذج كامل يقوم على الاحتفاظ بهامش استقلال داخل بيئة يُراد فيها تقليص المناطق الرمادية، ودفع الجميع نحو تموضعات أكثر حدة ووضوحًا.

وفي هذا المعنى، لا تبدو الحملة على قطر منفصلة تمامًا عن التجاذبات داخل إسرائيل نفسها، حيث جرى توظيف العلاقة السابقة مع الدوحة، وملفات من نوع «قطرغيت»، في سياق الصراع على نتنياهو وعلى إرث إدارته لملف غزة. لكن هذا البعد، على أهميته، لا يفسر وحده التصعيد؛ لأنه يبقى مجرد مدخل داخلي إلى نزاع أوسع على دور قطر وموقعها الإقليمي.

*3. الرسالة الأوسع*

بهذا المعنى، لا يقتصر التصعيد ضد قطر على ملف بعينه، بل يحمل رسالة أوسع إلى المنطقة: أن الدولة العربية التي تحاول الجمع بين العلاقة بواشنطن، والدور الوسيط، والاحتفاظ باستقلال نسبي في الحركة، قد تجد نفسها تحت ضغط متزايد إذا لم تنخرط في تعريفات القوة الصاعدة في الإقليم. وفي هذه النقطة بالذات، يتجاوز الأمر حدود قطر نفسها، ليمس شكل النظام العربي الممكن في مرحلة ما بعد هذه الحرب.

فقطر، من هذا المنظور، لا تُستهدف فقط بسبب ما تفعله، بل أيضًا بسبب ما تمثله: نموذج دولة عربية لم تذب في مسار التطبيع، ولم تتخلَّ عن دور الوسيط، ولم تقبل أن تُختزل وظيفتها في الالتحاق الكامل بالرؤية الأمنية الإسرائيلية. ولهذا، فإن محاولة تصنيفها «دولة عدو» لا تعبر فقط عن خلاف سياسي مع الدوحة، بل عن رغبة في معاقبة أي نموذج عربي يحاول أن يحتفظ بهامش قرار مستقل داخل إقليم يُعاد تشكيله بالقوة.

*الخاتمة: الخليج أمام لحظة إعادة تعريف*

ما تكشفه الحرب على إيران يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، لأنها لا تضع إيران وحدها تحت الضغط، بل تضع الخليج أيضًا أمام أسئلته المؤجلة. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بحدود الحماية الخارجية، ولا بجدوى الوساطة أو التحوط وحدهما، بل ببنية أعمق: هل ما يزال ممكنًا الفصل بين الازدهار والجغرافيا، بين الاستقرار الاقتصادي والبيئة الإقليمية التي يتآكل فيها التوازن، وبين الشراكة مع القوى الكبرى والقدرة الفعلية على التأثير في القرار؟

وما يجري في الكنيست من محاولات لتصنيف قطر «دولة عدو» يؤكد أن الحرب لا تقتصر على جبهتها العسكرية مع إيران، بل تمتد إلى معركة أوسع لإعادة تعريف العلاقات العربية الإسرائيلية وفرض تصور إسرائيلي أكثر صرامة لشكل الإقليم، ولموقع الأدوار العربية داخله. فالمسألة لم تعد فقط من يواجه إيران، بل أيضًا من يُسمح له بالوساطة، ومن يُدفع إلى التماهي، ومن يُعاقَب إذا احتفظ بهامش استقلال أو بدور لا ينسجم بالكامل مع الرؤية الأمنية الإسرائيلية.

أما الدرس الأكثر حساسية، فهو أن أزمة الثقة الخليجية مع واشنطن لم تعد أزمة في الكفاءة أو سرعة الاستجابة فقط، بل في طبيعة القرار الأمريكي نفسه. فقد كشفت شهادات مسؤولين أمريكيين سابقين وحاليين أن التهديد الإيراني لم يكن وشيكًا بالصورة التي سُوِّقت بها الحرب، وأن إسرائيل مارست ضغطًا كثيفًا لدفع واشنطن إلى هذه المواجهة. كما أن تزامن التصعيد مع ذروة أزمة الرئيس ترامب الشخصية المتعلقة بملفات إبستين أثار تساؤلات إضافية حول توقيت الحرب ودوافعها الحقيقية. وهنا تحديدًا لا يبدو الخليج مجرد حليف لم تُحمَ مصالحه كما ينبغي، بل طرفًا دُفع إلى تحمّل كلفة قرار لم يشارك في صياغته، ولم تكن حساباته في مركزه.

ومن هنا، فإن الحرب على إيران لا تبدو مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل الحلقة الفاصلة في المشروع الإسرائيلي لإعادة رسم خريطة المنطقة. وفي هذا السياق، لا يقف الخليج اليوم أمام حرب تخص إيران وحدها، ولا أمام صراع يمكن مراقبته من مسافة آمنة، بل أمام اختبار مصيري: إما أن يعيد تعريف أمنه، ويعيد بناء أدوات حمايته، ويثبت موقعه بوصفه فاعلًا استراتيجيًا داخل إقليم يُعاد ترتيبه تحت ضغط القوة، أو أن يظل رهينة لصراعات تُدار من خارجه، وتُفرض عليه كلفتها من دون أن يكون شريكًا في قرارها، داخل إقليم يُعاد ترتيبه بالقوة لا بالتوازن. وهذا يعني، عمليًا، أن المراجعة لم تعد تقتصر على تنويع الشراكات أو تحسين أدوات الردع، بل تمتد إلى إعادة بناء العقيدة الأمنية الخليجية نفسها: من عقلية التعويل الطويل على الحماية الغربية إلى عقلية القدرة الذاتية، والتكامل الدفاعي، وتطوير الصناعات العسكرية والإلكترونية المشتركة، وإعادة إعداد الأجيال الجديدة على أن الأمن ليس مظلة دائمة يوفرها الخارج ولا يُشترى كرفاهية، بل مسؤولية تُبنى بالصبر والانضباط والجاهزية والثبات.

bitalmakki@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى