منى ابو زيد تكتب : الجهر بالقول ومن ظُلِم..!

هناك فرق..
“ليس كل خروج عن الصف خيانة، لكن حين يصبح الصمت فضيلة إجبارية، قد يتحول الجهر بالحقيقة إلى تهمة غير مكتملة الأركان”.. الكاتبة..!
حين تصدر كلمة تحمل رأياً مختلفاً عن، أو مخالفاً لموقف المنظومة العسكرية، عن مواطن ينتمي إليها، بل ويحمل إحدى رتبها المرموقة، لا تعود تلك الكلمة مجرد رأي، بل تصبح احتمالاً مفتوحاً على الفوضى، أو التأويل، أو فتح نافذة لا تريدها القيادة أن تُفتح..!
القصة إذاً ليست عن طبيب أخطأ في وصفة، ولا عن ضابط أخفق في مهمة. بل هي في جوهرها قصة رجل اقترب أكثر مما ينبغي من منطقة ملغومة “التعبير عن موقف سياسي صريح من داخل غرف الانتماء إلى مؤسسة عسكرية لا تعترف إلا بوجوب لإذعان لقداسة الصوت الواحد الذي قرر الصمت لتقديرات يعلمها”..!
لم يكن ما حدث مع سيادة العميد طبيب طارق الهادي كجاب مجرد إحالة إلى التقاعد. لأن التقاعد في معناه البارد إجراء إداري. لكنه في هذا الموقف بدا أقرب إلى إعادة ضبط للحدود، وتذكيرٍ صارم بأن العسكرية ليست فقط التزاماً بالفعل، بل التزام بالامتناع عن الفعل أيضاً..!
في زمن الحرب تصبح المؤسسات أكثر حساسية من أي وقت مضى. كل كلمة تُقال تُحسب، وكل رأي يُوزن بميزان الخطر وليس بميزان الصواب. وهنا، يتحول الظهور الإعلامي من حق شخصي إلى مخاطرة مؤسسية. ليس لأن ما يُقال خطأ بالضرورة، بل لأن تعدد الأصوات يُربك فكرة “الرواية الرسمية الواحدة” التي تحتاجها الجيوش لتبقى متماسكة..!
لكن السؤال الذي يظل معلقاً، كدخان لا يتبدد بعد حدوث فعل الإقالة “هل الصمت دائماً هو الشكل الأمثل للانضباط أم أن المؤسسات حين تُفرط في ضبط الأصوات، تبدأ تدريجياً في فقدان قدرتها على سماع نفسها”..!
ما فعله سيادة العميد طبيب قوات مسلحة طارق الهادي لم يكن تمرداً صريحاً، بل انزلاقاً هادئاً من خانة الضابط إلى ساحة الصوت العام. وهذا الانزلاق مهما بدا بسيطاً يُعد في عُرف المؤسسات العسكرية انتقالاً خطيراً، لأنه يُعيد تعريف العلاقة بين الفرد والجماعة.
“العسكري في الفكرة الكلاسيكية ليس شخصاً يتكلم، بل شخصاً يُنفذ”. والضابط مهما ارتفعت رتبته، أو حظوته، يظل جزءاً من منظومة لا تحتمل صوت الأنا على مسرح الصوت الجماعي الموحد..!
لكن الزمن تغير. ووسائل التواصل لم تترك أحداً في الظل. وحتى أكثر المؤسسات انغلاقًا أصبحت اليوم مكشوفة أمام إغراء الكلام. وهنا تبدأ المفارقة:
” المؤسسة التي بُنيت على الصمت، تجد نفسها في منعطفات حادة تفرض الكلام، والضابط الذي تربى على الطاعة، يجد نفسه محاطاً بمنصات تطلب رأيه، وتكافئ حضوره، وتغريه بأن يكون أكثر من مواطن، وأجرأ من طبيب، وأشمل من حامل رتبة عسكرية..!
في هذه المسافة بين ما تفرضه المؤسسة وما يطالب به العصر، تحدث الكثير من القصص المشابهة، ليس كأخطاء فردية فقط، بل كأعراض لتحولات أكبر لم تُحسم معاركها بعد. إذن ربما لم يكن قرار إبعاد سيادته كجاب موجهاً إليه وحده، بل إلى فكرة كاملة
مفادها أن العسكري يمكن أن يكون له صوت مستقل..!
ربما في مكان ما داخل هذه القصة لا يتعلق الأمر بمن أخطاً، بل بمن تكلم في زمن لا يُسمح فيه للكلمات أن تكون مباشرة. وفي النهاية لا تُغلق مثل هذه القرارات كل الملفات، في الوقت الذي تفتح فيه بعض الأسئلة عن حدود الانضباط، وعن معنى الولاء، وعن الثمن الذي تدفعه المؤسسات حين تختار الصمت الكامل.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة
ليس أن يخرج أحد المنتمين إليها عن نوتة عزفها العام، بل أن تتوقف تماماً عن سماع أي صوت يأتي من داخلها!.
munaabuzaid2@gmail.com



