علم الدين عمر يكتب : الضرائب وأجهزة الدولة.. من يطلق النار تحت قدمي رئيس الوزراء ؟؟

حاجب الدهشة..
مباشرة نطرح اليوم سؤالاً منطقياً حول من يملك القرار داخل الدولة؟.. ومن يضبط إيقاعه؟.. وكيف يمكن لحكومة أن تتحدث بخطابين متناقضين في وقت واحد.. تدعو إلى العودة الطوعية من جهة.. وتفرض ضرائباً علي العائدين من جهة أخرى؟..
أهي أزمة تنسيق عابرة.. أم تعبير عن تداخل مقلق في الصلاحيات.. وغياب واضح للمركز الحاسم الذي يُعبر عن إرادة الدولة بصورة متماسكة؟..
هذه الأسئلة ليست للإجابة المقتضبة بلا أو نعم.. بل هي مسارات جوهرية فرضتها واقعة قرار إدارة الضرائب بفرض رسوم على العائدين من اللجوء..وهي الواقعة التي كشفت—بوضوح لا لبس فيه—عن فجوة بين خطاب الدولة وسياساتها التنفيذية..
فالدولة..وعلى أعلى مستوياتها دعت إلى العودة الطوعية.. وبشرت بها..وسعت لتيسيرها عبر لجان متخصصة.. بل إن رئيس الوزراء تبنى هذا المسار سياسياً وإدارياً بما في ذلك دعم اللجنة العاملة في القاهرة (لجنة محمد وداعة).. في مشهد يوحي بإرادة رسمية واضحة لتشجيع عودة المواطنين وطي صفحة اللجوء..
وفي اتجاه معاكس تماماً صدر قرار ضرائب الولاية الشمالية بفرض ضرائب شخصية على هؤلاء العائدين.. وكأن الدولة تقول لهم.. “عودوا… ولكن إدفعوا”..
هذا التناقض لا يمكن عزله عن سؤال الصلاحيات..
هل تمتلك الجهات التنفيذية حق اتخاذ قرارات ذات أثر إستراتيجي دون الرجوع إلى الإطار السياسي العام؟..أم أن هناك قصوراً في آليات التنسيق يجعل كل جهاز يعمل وفق تقديراته الخاصة بمعزل عن الرؤية الكلية؟..
صحيح أن رئيس الوزراء تدخل لاحقاً وألغى القرار تحت ضغط إعلامي محدود.. إلا أن هذا التدخل—على أهميته—لا يُنهي المشكلة بل يؤكد وجودها.. إذ إن إلغاء القرار لا يُعالج البيئة التي أنتجته.. ولا يُجيب عن السؤال الأهم كيف مر هذا القرار أصلًا؟..
إن ما حدث يُشير إلى حالة من الإرتباك المؤسسي.. حيث تتعدد مراكز الفعل داخل الدولة..دون أن تتوحد مخرجاتها.. وهذا النمط لا يُضعف فقط كفاءة القرار.. بل يُقوض ثقة المواطن في جدية الدولة وإلتزامها بخطابها..
الأخطر من ذلك.. أن مثل هذه القرارات تُسهم—بقصد أو بغير قصد—في تشويه صورة القيادة التنفيذية.. وإظهارها بمظهر العاجز عن ضبط أجهزته.. فالتناقض بين الدعوة السياسية والإجراء التنفيذي لا يُقرأ كخطأ إداري عادي.. هو إزدواج في الإرادة في أفضل حالاته أو غياب تام للسيطرة في أسوأها..
وهنا تبرز فرضية سؤال لا ينبغي تجاهله..
هل نحن أمام خلل بيروقراطي تقليدي؟.. أم أن هناك من يدفع—من داخل الجهاز نفسه—نحو إرباك المشهد.. وإضعاف تماسك القرار.. والعبث بصورة الحكومة ورئيسها؟..
في كل الأحوال.. فإن المعالجة لا ينبغي أن تظل رهينة ردود الأفعال.. المطلوب هو الإنتقال إلى مستوى الإصلاح الهيكلي عبر إعادة تعريف الصلاحيات.. وضبط مسارات إتخاذ القرار.. وفرض تنسيق مؤسسي صارم يضمن إنسجام الخطاب مع التنفيذ..
الدولة حين دعت مواطنيها للعودة كان يجب أن تكون قادرة على حمايتهم من مفاجآت أجهزتها..
والحكومة التي أعلنت سياساتها على الملأ.. يجب أن تضمن أن أجهزتها لا تنقضها في الخفاء..
فالمسألة لم تعد تتعلق بقرار زيادة الضرائب أو فرضها أو إلغاؤه.. بل بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة نفسها..
هل الدولة تُدير أجهزتها..أم أن الأجهزة تُربك دولتها؟..
ذلك هو السؤال…
الدولة لا تدار بقرارات (النفير) وردة الفعل.. سيدي رئيس الوزراء.. هناك من يطلق الرصاص تحت قدميك..



