فن الصفقة: الكتاب الذي سبق الرئيس
الجزء الأول: كيف صنع ترامب صورته قبل أن يحكم أمريكا

*البعد الخامس*. .*بقلم. صباح المكي*
*المقدمة*
حين صدر كتاب “فن الصفقة”The Art of the Deal عام 1987، لم يظهر بوصفه مجرد مذكرات لرجل أعمال أمريكي صاعد، ولا كدليل مهني بارد في عالم التفاوض، بل كنص تأسيسي لصورة عامة ستتجاوز السوق لاحقًا إلى السياسة، ثم إلى البيت الأبيض نفسه. منذ بدايته، قدّم دونالد ترامب نفسه لا باعتباره رجلًا يسعى إلى المال وحده، بل رجلًا يجد في الصفقة شغفه، ومعنى تفوقه، وطريقته في فهم العالم. عبارته الشهيرة: “أنا لا أفعل ذلك من أجل المال… الصفقات هي فنّي” لم تكن مجرد افتتاحية جذابة، بل مفتاحًا مبكرًا لبنية ذهنية كاملة ستظهر لاحقًا في خطابه السياسي وأسلوب حكمه.
بهذا المعنى، لا يبدو “فن الصفقة” كتابًا عابرًا في سيرة ترامب، بل نصًا مبكرًا يكشف كيف تتشكل نظرته إلى القوة، وكيف يصنع صورته العامة، وكيف يخلط بين الإنجاز والانطباع، وبين الحسم وإدارة المشهد. ولذلك فإن قراءة هذا الكتاب اليوم لا تعني العودة إلى ماضٍ مهني لرئيس مثير للجدل، بقدر ما تعني تفكيك القاموس الأول الذي كتب به ترامب نفسه، قبل أن يحاول أن يحكم به أمريكا.
*أولًا: الصفقة بوصفها رؤية للعالم*
يختتم ترامب كتابه بأحد عشر مبدأً للتفاوض، لكن هذه القراءة تتوقف عند أكثرها كشفًا للمنطق الذي حكم لاحقًا صورته السياسية وأسلوب حكمه.، لكنها لا تُقرأ بوصفها مجرد نصائح مهنية، بل كعناصر في فلسفة أوسع تحكم نظرته إلى العالم. فهي لا تكشف فقط كيف يريد الرجل أن ينجح، بل كيف يفهم النفوذ، وكيف يتعامل مع الخصوم، وكيف يصوغ صورته أمام الجمهور.
أول هذه المبادئ هو التفكير بشكل كبير. فالأهداف الطموحة، في منطقه، لا تمنح صاحبها فرصة الإنجاز فقط، بل تمنحه صورة ذهنية أكبر من الآخرين. ومن هنا لا تبدو الصفقة المتوسطة خيارًا عمليًا بقدر ما تبدو خيارًا بلا مجد.
ثم يأتي مبدأ تعظيم الخيارات، أي إبقاء أكثر من مسار مفتوح في كل لحظة. هنا لا يبدو التفاوض بحثًا عن حل مشترك، بل إدارة دائمة لهامش المناورة. أما استخدام أوراق الضغط، فيكشف أن الصفقة لا تُحسم، في نظره، بالحجج وحدها، بل بتحديد موازين القوة واستغلالها. ويعكس مبدأ الرد بقوة قناعة أعمق: أن الصلابة لا تحمي الموقف فقط، بل تصنع الهيبة، وأن أي ضعف ظاهر يهدد صورة الذات قبل أن يهدد نتيجة التفاوض.
ثم يأتي الترويج الإعلامي، وهو من أكثر المبادئ دلالة، لأنه يكشف أن الصورة عند ترامب ليست ملحقًا بالفعل، بل جزءًا منه. فالإعلام ليس وسيطًا ينقل الوقائع فحسب، بل أداة لتشكيلها في وعي الجمهور. وهنا يبدأ التداخل بين الإنجاز الفعلي والانطباع المصنوع، بين ما حدث وما يُراد للناس أن يروه بوصفه نجاحًا. وبذلك لا تعود الصفقة مجرد وسيلة، بل تصبح مسرحًا لاختبار التفوق، وإثبات الذات، وصناعة الهيبة.
*ثانيًا: صناعة الذات قبل صناعة القرار*
يكشف الكتاب عن ملامح شخصية أساسية لم تختفِ مع انتقال ترامب من عالم الأعمال إلى المجال العام. وأولى هذه الملامح أن الصفقة عنده ليست مجرد وسيلة إلى غاية، بل غاية قائمة بذاتها، لأنها المجال الذي تُختبر فيه السيطرة، وتُمارس فيه المناورة، ويُنتج فيه الشعور بالتفوق.
ويتضح هذا أكثر مع ما يسميه “المبالغة الصادقة”. فهذه العبارة ليست تفصيلًا أسلوبيًا، بل تكاد تكون قلب طريقته في بناء صورته. الجمهور، في منطقه، لا ينجذب إلى الواقع العادي، بل إلى الصورة الأكبر والأكثر إدهاشًا. ومن هنا لا تكون المبالغة خطأً عارضًا، بل أداة واعية لصناعة الانطباع، وهو ما يفسر ميله الدائم إلى تضخيم الإنجازات ورفع السقف الخطابي وتقديم نفسه بوصفه استثناءً لا يُقاس بالمعايير المعتادة.
ثم تأتي فكرة الصورة الذاتية المصممة. فحين يصف نفسه بأنه “صانع كتابه الهزلي الخاص”، فهو لا يطلق عبارة لافتة فقط، بل يكشف عن وعي عميق بأن الشخصية العامة يمكن أن تُبنى كما يُبنى أي منتج: بعناية، وانتقائية، وتحكم في السردية. وهنا لا يصبح السؤال فقط: من هو ترامب؟ بل أيضًا: كيف يريد أن يُرى؟
أما الروح التنافسية الحادة التي تظهر في حكايات طفولته ومراهقته، فتضيء جانبًا آخر من شخصيته: نزعة صدامية، وصعوبة في تقبل التوجيه، ورغبة دائمة في فرض الإرادة. ومن هنا يصعب النظر إلى سلوكه السياسي اللاحق بوصفه انحرافًا عن شخصيته المبكرة، بل يبدو امتدادًا لها على مسرح أكبر.
*ثالثًا: من العقارات إلى البيت الأبيض*
ما يمنح الكتاب أهميته السياسية ليس فقط أنه يشرح ترامب، بل أنه يفسر جانبًا كبيرًا من طريقته في الحكم. فعندما دخل البيت الأبيض، لم يترك خلفه فلسفة “فن الصفقة”، بل حملها معه إلى إدارة الدولة والعلاقات الدولية. وهنا بدأ يظهر بوضوح أن رجل الأعمال لم يتخل عن منطقه الأصلي، بل حاول تطبيقه على مؤسسة أعقد من السوق بكثير: الدولة الأمريكية نفسها.
في السياسة الخارجية تحديدًا، بدت العلاقات الدولية في نظره أشبه بساحة تفاوض مفتوحة. استخدم التهديد، وأوراق الضغط، وعدم اليقين، والتلويح بالانسحاب، كأدوات لتحسين موقعه التفاوضي. ورأى مؤيدوه في ذلك استعادة للصلابة الأمريكية، بينما اعتبره منتقدوه اختزالًا للعالم في منطق صفقات قصيرة الأجل لا تبني الثقة ولا تنتج استقرارًا مستدامًا.
وقد استخدم ترامب أحيانًا عدم اليقين نفسه كأداة، عبر إبقاء الخصوم والحلفاء في حالة ترقب دائم. فالغموض هنا ليس عيبًا طارئًا، بل جزء من التكتيك. بعضهم رأى في ذلك “فوضى محسوبة”، وبعضهم قرأه بوصفه غيابًا للرؤية، لكن في الحالتين ظل المنطق نفسه حاضرًا: لا تسمح للطرف الآخر أن يطمئن إلى نواياك أو حدودك النهائية.
كذلك ظهر التلويح بالانسحاب والتهديد بوصفه امتدادًا مباشرًا لعقلية الصفقة. فالانسحاب من اتفاق، أو التهديد به، أو فرض تعريفات، أو زعزعة يقين الحلفاء، كلها أدوات تعكس مبدأً واحدًا: لا تبدُ محتاجًا إلى الصفقة أكثر من الطرف الآخر. وحتى التراجع التكتيكي لم يكن يُقدَّم عنده بوصفه هزيمة، بل كإعادة تموضع، أو كخطوة نحو “صفقة أفضل”. وهذا بالضبط ما يجعل الكتاب مرآة مبكرة لفلسفة حكمه: فالرجل لم يبدّل منطقه حين صار رئيسًا، بل وسّع مسرح تطبيقه فقط.
*رابعًا: من شعار السلام إلى حرب الاختيار*
تمثل قضية الوفاء بالوعود واحدة من أكثر النقاط كشفًا في فهم ترامب، لأنها تقع عند الحد الفاصل بين الصورة التي يقدّمها عن نفسه والطريقة التي يعمل بها فعليًا. ففي “فن الصفقة” يظهر كرجل ينجز ما يلتزم به، ويحرص على تقديم نفسه بوصفه رجل نتائج لا رجل أعذار. وفي هذا السياق، يستحضر مشروع تجديد حلبة وولمان رينك في سنترال بارك بنيويورك بوصفه المثال الذي يثبت، في روايته عن نفسه، كفاءته وحسمه وقدرته على الوفاء بالكلمة تحت الضغط، وعلى إنجاز ما عجز عنه الآخرون. لكن خلف هذه الصورة تلوح فلسفة أعمق: ليس المهم دائمًا الالتزام الحرفي بالتفاصيل، بل القدرة على تقديم النتيجة النهائية بوصفها نجاحًا.
ومن هنا، لا يبدو الوعد عند ترامب التزامًا نهائيًا بقدر ما يبدو أداة مرنة في إدارة الصراع. فهو قد يطلق تعهدات مختلفة، بل متعارضة أحيانًا، تبعًا للجمهور واللحظة والسياق، ثم يعيد ترتيبها لاحقًا وفق ما تسمح به موازين القوى. وبهذا لا تصبح الوعود تعبيرًا عن ثبات سياسي بقدر ما تصبح شعارات تعبئة، وأوراق ضغط، وصيغًا قابلة لإعادة التأويل كلما تغيّر المسرح أو تبدّل ميزان المكسب والخسارة.
وهنا يبرز التناقض الأوضح. ففي الوقت الذي يقدّم فيه الكتاب صورة رجل الأعمال الذي يمكن الوثوق بكلمته، عاد توني شوارتز، الشريك في تأليفه، ليقول لاحقًا إنه ندم على كتابة الكتاب، وإنه ساهم في بناء “صورة خيالية” لترامب لا تعكس حقيقة علاقته بالحقيقة أو بالالتزام كما ظهرت في النص. وهذا التوتر بين صورة الوفاء والواقع اللاحق ليس تفصيلًا هامشيًا، بل يضرب في صميم الرواية التي ساهم الكتاب نفسه في بنائها.
في ولايته الثانية، لا يُقاس وفاء ترامب بوعوده بعدد الأوامر التنفيذية التي وقّعها، بل بالوعد الذي أعاد به تسويق نفسه أصلًا شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” وسردية “أمريكا أولًا”. لم يكن هذان الشعاران مجرد لغة انتخابية، بل إطارًا سياسيًا كاملًا: عظمة في الداخل، وأولوية للمصلحة الأمريكية، ورفضًا للحروب التي تستنزف الولايات المتحدة في الخارج.
ضمن هذه السردية، قدّم ترامب نفسه بوصفه “صانع السلام”، الرئيس الذي يوقف الحروب ولا يوسّعها. ولهذا لم يكن وعده بإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية خلال أربعٍ وعشرين ساعة مجرد مبالغة دعائية، بل جزءًا من صورته السياسية. لكن هذا الوعد سقط سريعًا أمام الواقع: فالحرب استمرت، والتسوية لم تتحقق، والمفاوضات بقيت متعثرة.
غير أن الإخفاق لم يقف عند حدود العجز عن إنهاء حرب قائمة، بل تعدّاه إلى الانخراط في حرب جديدة. فمع دخول الولايات المتحدة، إلى جانب إسرائيل، في الحرب ضد إيران، تلقّت صورة ترامب كرئيس سلام ضربة مباشرة. وهنا لم يعد التناقض بين الشعار والممارسة قابلًا للإخفاء: كيف يرفع راية “أمريكا أولًا. ” ضد حروب الخارج، ثم يجد نفسه في قلب حرب اختيار جديدة؟
غير أن هذه المفارقة لا تبدو منفصلة عن طريقة ترامب نفسها في التعامل مع الوعود. فالوعد عنده لا يعمل دائمًا بوصفه التزامًا سياسيًا وأخلاقيًا ثابتًا، بل بوصفه جزءًا من منطق الصفقة: يبدأ بسقف مرتفع، ثم يُعاد تأويله أو تخفيضه أو تسويق مآله الجزئي باعتباره نجاحًا. وبهذا لا يصبح التراجع نقيضًا للوعد، بل أحد أشكال إدارته.
ومن هنا، لا تُقاس الوعود في خطابه دائمًا بمدى تحققها الحرفي، بل بقدرته على إقناع جمهوره بأنه اقترب من جوهرها أو تحرك في اتجاهها. فالشعار يسبق النتيجة، والصورة تسبق الحصيلة، والانطباع كثيرًا ما يُقدَّم باعتباره إنجازًا قائمًا بذاته. لذلك لا يكون السؤال الأهم: هل نفّذ ترامب بعض وعوده أم لا؟ بل: كيف يعيد تعريف معنى الوفاء نفسه؟
وعلى هذا الأساس، لا تبدو أزمة ولايته الثانية في تعثر وعد جزئي، بل في اهتزاز الوعد المركزي الذي أعاد به بناء شرعيته السياسية: أن يجعل أمريكا عظيمة من الداخل، لا أن يعيد استنزافها في الخارج. وهكذا يصبح الاختبار الحقيقي ليس في كثافة القرارات، بل في مدى صمود السردية نفسها حين تُواجَه بالواقع.
*خامسًا: “فن الصفقة” بوصفه مفتاحًا لفهم ترامب*
تكمن أهمية “فن الصفقة” في أنه لا يشرح فقط بدايات ترامب، بل يكشف عن استمرارية منطق كامل ظل حاضرًا في مساره العام. فهو يقدّم رجلًا يضع الصفقة في قلب نظرته إلى العالم، ويعامل الصورة بوصفها جزءًا من الفعل، ويفهم النجاح باعتباره مزيجًا من الإنجاز والمناورة والترويج وفرض السردية. وقد تصلح هذه العناصر في عالم الأعمال بوصفها أدوات صعود وتفوّق، لكنها تصبح أكثر التباسًا حين تنتقل إلى موقع تُدار منه دولة عظمى، بمؤسساتها وتحالفاتها وتوازناتها المعقدة.
من هنا، لا تتوقف قراءة هذا الكتاب عند سؤال: هل أوفى ترامب بوعوده أم لا؟ بل تمتد إلى ما هو أعمق: كيف يفهم أصلًا معنى الوعد، ومعنى النجاح، ومعنى القوة؟ هل هي مفاهيم تُقاس بنتائج ثابتة ووقائع ملموسة، أم تظل قابلة لإعادة التعريف ما دام بالإمكان الحفاظ على صورة الانتصار؟ هنا تتجاوز قراءة الكتاب حدود الشخصية إلى حدود الظاهرة السياسية نفسها.
لكن هذه القراءة تبقى ناقصة إذا توقفت عند الصورة التي قدّم بها “فن الصفقة” ترامب للعالم، ولم تنتقل إلى مساءلة ما تكشفه هذه الصورة عن صاحبها نفسه. فالكتاب لا يقدّم فقط رجلًا يتقن التفاوض، بل يرسم ذاتًا مشدودة إلى الانطباع، مأخوذة بقدرتها على التضخيم، ومقتنعة بأن الصورة ليست انعكاسًا للنجاح، بل جزء من صناعته.
ومن هنا، فإن الجزء الثاني لن يبدأ من سؤال: كيف قدّم ترامب نفسه؟ بل من سؤال أشد عمقًا: ماذا تكشف هذه الصورة عن بنية الشخصية التي صنعتها، وعن الأنا التي لم تكتفِ بإدارة المشهد، بل أرادت أن تكون المشهد نفسه؟
حين يعود توني شوارتز، الكاتب الشبح ليتبرأ من الأسطورة، وحين تتداخل صناعة الذات مع تضخمها، نكون أمام طبقة أخرى من القصة: لا تتعلق فقط بـ “فن الصفقة”، بل بالشخصية التي وجدت في الصورة مرآتها، وفي الإعجاب مادة بقائها، وفي تضخيم الذات أسلوبًا لفهم العالم والسيطرة عليه.
bitalmakki@gmail.com



