معبر أرقين.. العودة عبر بوابات الجحيم

ملح الأرض : بقلم: خالد ماسا
وما من أحد يمكن أن يصل إلى الوصف الدقيق لحالة المواطن السوداني أكثر من الطريقة التي عبّر بها شاعر الشعب ولسان معاناة الشعب السوداني الراحل/ محمد الحسن سالم حميد في رائعته “رسائل ست الدار” عندما قال: “أنا بندهلك من شارع الله.. الفوقي هجير والتَّحتي بُقُل.. سُبي معاي الشرِدوا راجلك والحرمونا شوية الضُّل”..
وهذا هو لسان حال السودانيين العائدين من “هجْر” اللجوء عبر بوابات “الجحيم” في معبر أرقين، وهي الجغرافيا التي تغيّرت فيها لهجة خطاب الدولة “المسكين” الذي يدعو المواطنين للعودة إلى جنة يصورها الخطاب الحكومي، ويطفف في كيلها للمواطن، لتخاطبهم بلغة تعرفها الدولة جيداً، وهي لغة التحصيل المالي والأتاوات و”فتونة” السلطة على المواطن وهوانها أمام تخفيف أعباء المعيشة عليه.
وهذا يدفعنا للسؤال: هل مشروع “العودة الطوعية” للمواطنين هو مشروع نتاج تفكير الدولة وجزء من استراتيجيتها للتعافي الوطني من آثار الحرب؟ أم هو جزء من فوضى “الارتجال” وخبط العشواء الذي تجيده الأجهزة الرسمية، وتبين فيه عجز الحكومة ومحدودية التفكير الرسمي تجاه المواطن؟
الإجابة على هذا النوع من الأسئلة وجدها المواطن بمجرد أن وطأت أقدامه الأرض التي غادرها قسراً وقهراً بسبب الحرب، وترك خلفه كل ما بناه، بتربص ليس بالغريب على السلطات التي لطالما وجدت المبرر لسلوكها الجشع تجاه المواطن، بحرب أو بدونها، فلا يوجد ما يمنعها من إثقال كاهله بالضرائب والرسوم، بقانون مسلط أو بدونه.
(*) ماذا حدث..؟
تسببت الزيادات “الضريبية” التي وصلت إلى 1.35 مليون جنيه في توقف البصات التي تنقل العائدين السودانيين من جمهورية مصر عبر معبر أرقين الحدودي، بعد دخول السائقين في إضراب احتجاجاً على هذه الزيادات.
وما من أحد لا يعرف الآلية التي تعمل بها الضريبة في السودان، فأي رسم أو ضريبة تفرضها الدولة تتدحرج مباشرة لتصل إلى جيب المواطن عبئاً إضافياً لا يجد في مقابله الخدمات التي يرى بأن الدول تعيد بها قيمة الضرائب للمواطن.
300,000 ألف جنيه كان هو الرسم الضريبي المفروض على البصات السفرية، قبل أن يقفز إلى 1,500,000 جنيه، وتعود بعد احتجاجات لمبلغ 850,000 ألف جنيه، الشيء الذي يفسر “فوضوية” الإجراء من أساسه في بوابات يبدو أنها خارج سيطرة القرار الحكومي الذي أعلنت عنه وزارة المالية في شرحها العام لموازنة العام 2026م، والذي قالت فيه بوضوح عدم وجود أي أعباء ضريبية جديدة على المواطن.
1,200 إلى 1,800 هي الأرقام المسجلة إحصائياً للعائدين عبر معبر أرقين من جمهورية مصر العربية، ويبدو أن هذه الأرقام كانت الأكثر إغراءً للدولة، ورأت عدم تفويت هذه “الغنيمة” على خزانتها، وأن “الصيد” عند بوابات العبور أسهل بكثير على الموظف الحكومي.. وتتناسى الدولة بأن المواطن الذي تفرض عليه رسماً يعادل 34,000 ألف جنيه، إضافة لقيمة تذاكر السفر، لم يكن تحت تصنيف “المغترب” الذي تعودت الدولة أن تقاسمه في عرق جبين غربته، وإنما هو عائد من رحلة لجوء بكل جراحاتها.. هذا إضافة إلى أن قطاع النقل، وبسبب الأحداث الأخيرة في العالم، يعاني تبعات ارتفاع تكاليف التشغيل والوقود.
(*) متاريس ضد العودة…
ما حدث للعائدين السودانيين عبر معبر أرقين لا يعتبر حادثاً معزولاً، بل هو عرض لمرض رسمي فاقد تماماً للحساسية تجاه ظروف المواطنين التي فرضتها الحرب، وصارت القرارات الحكومية تتسابق في تشويه مفهوم طواعية العودة واستعادة التعافي الوطني، الذي يتوهم المحتشدون تحت مائدته بأنها تنتهي بمطربي “المهرجانات” والصف الثالث.
هذه الممارسة الحكومية هي تعبير عن أزمة أعمق، عن مجموعة متاريس توضع أمام عودة المواطنين بعوائق مالية وإجرائية تشكل العائق الأساسي أمام تفكير المواطنين في العودة والاستجابة للنداء الوطني.
الرسم الضريبي الذي فرضته الدولة على العائدين عبر معبر أرقين الحدودي هو بمثابة “العقوبة” على عدم انتظار المواطن للموت بسبب الحرب، وأن عليه أن يدفع ضريبة غيابه القسري عن الوطن.
على الحكومة أن تعترف بأن المعيق الأساسي والمتسبب في ضعف نسبة العائدين والمستجيبين لنداءات العودة هو سلوكها الرسمي تجاه المواطنين وسوء تقديرها لأحوال العائدين، وليس الدعاية السياسية التي يقف وراءها من يتكسبون من استمرار حالة الحرب وبقاء الأحوال على حالها.
(*) كيف تتفاعل الحكومة..
التراجع عن تنفيذ هذه الضريبة التي تسببت في الأزمة في معبر أرقين، عن طريق قرار وتوجيه صادر من السيد/ كامل إدريس رئيس الوزراء في حكومة “الأمل”، لا يستحق الاحتفاء به أكثر من أنه مدعاة للتفكير في أزمة القرار الحكومي وطريقة صدوره والتقديرات التي دفعت به في وجه المواطن.
ما حدث يقول بأن الحكومة لا تعمل ولا يحكمها عقل واحد، وأن جزرًا معزولة هي التي تتربص بالمواطن، ومتى ما وجدت فيه الفرصة أعملت شراكها المنصوبة.
قرار مؤقت بالضرورة سينحني أمام شهوة التحصيل الحكومي التي لا تشبع، والتي لن تتنازل عن مورد مالي مغرٍ لا تبذل في مقابله أي مجهود.
“المعاناة” التي يعانيها المواطنون العائدون في المعابر ترد على حجة تنظيم العبور التي تبرر بها الدولة تحصيلها للرسم الضريبي، وشهود العيان يروون المآسي التي يعيشها المواطن في المعابر، و”المرمطة” بلا حدود، تقول بألا مجهود تبذله الحكومة في مقابل أي “قرش” تنزعه نزعاً من المواطن.
الدخول عبر المعابر الحدودية ليس “بدعة” ابتدعتها ظروف لجوء السودانيين إلى دولة مصر، وآليات تشغيلها معروفة ومشاهدة ومجربة في كل دول العالم، ومعبر أرقين يعمل بالحد الأدنى من إمكانيات التشغيل، وبالتالي ليس هنالك أي مبرر لتحصيل رسوم عالية بهذا المستوى سوى استسهال الحط من كرامة المواطن وتعقيد مسارات عودته معززاً إلى وطنه.
معاناة موازنة الحكومة من ضعف الإيرادات مفهوم، ولديه أسبابه، وتوجد أكثر من طريقة خلاقة تعرفت عليها الحكومات التي مرت بذات المرض الاقتصادي وعالجته بأفكار وإجراءات خلاقة، بدلاً عن هذا التفكير الكسول الذي ينظر للمواطن باعتباره “حصالة” نقود. والأزمة الحقيقية تتمثل في تعدد جهات التحصيل الحكومي، والتي عجزت الحكومة عن حسم فوضاها، وسكتت عن كل ممارسيها، وغاب جهازها الرقابي وأدوات محاسبتها الرادعة لممارسات صغار الموظفين الذين لم تتطور عقلياتهم الجبائية ولن.
(*) ما الذي تتوقعه الحكومة؟
المؤشر الأول لهذا النوع من الممارسات الحكومية هو ارتفاع تكاليف عودة المواطنين، إذ تضاف هذه التكاليف الضريبية إلى القيمة الكلية للعودة في النقل والرسوم والجبايات وتكاليف المعيشة، وبالتالي التأثير على خطة الأسر للعودة من مدن اللجوء.
فكرة “الاستنزاف” التي ترسخها هذه الممارسة الحكومية في ذهن المواطنين تضعف ثقتهم في القرار الحكومي، وتباعد بينهم وبين التفاعل مع أي مشروع تدعو وتروج له، وتخلق بذلك بيئة طاردة تدفع المواطن لتفضيل خيارات البقاء والتعايش مع فكرة اللجوء أكثر من تفضيل خيار العودة.
يجب على الحكومة أن تفهم بأن دوران عجلة الإنتاج مرتبط بشكل مباشر بعودة المواطنين، وهذا الدوران لعجلة الإنتاج هو الذي يساعدها في وهدتها الاقتصادية، والمواطن المثقل بالتكاليف بالتأكيد لن يهتم ببداية المشروعات.
في أي تعقيد يخلق أزمة كالتي حدثت في معبر أرقين، يتأكد للمتابعين بأن المشكل الحكومي ليس في قلة الموارد بل في سوء الإدارة وأزمة القرار السيادي.
المواطن في طريق عودته لبداية الحياة من جديد ومن نقطة الصفر، ليس من المنطقي أن يكون القرار الحكومي هو العبء الإضافي على أكتافه برسوم وقرارات لا يعرف لها أساس قانوني ولا تشريع حاكم، ومرجعيتها على الدوام هي التقديرات الميدانية، تُحوِّل الحق الحكومي إلى عبء على المواطن. وما حدث في معبر أرقين مع العائدين جعل سؤال: هل الحكومة جاهزة فعلاً لعودة المواطنين أم تحاول تجهيز نفسها على حساب المواطنين؟



