متاهة طهران وظلال كابول: انتحار الإمبراطورية على حافة “البعبع” الإيراني

​بقلم المهندس: محمد عبد اللطيف هارون

​لم يعد الحديث عن تورط واشنطن تجاه طهران مجرد قراءة لسيناريوهات محتملة أو نذر تلوح في الأفق البعيد، بل إن الإدارة الأمريكية قد انغمست بالفعل في وحل مواجهة مفتوحة تجاوزت حدود المناورة السياسية لتستقر في قلب الاشتباك الاستراتيجي الوعر، حيث تصطدم القوة العظمى بحقيقة أن إيران ليست مجرد دولة، بل هي حصن جرافي وتاريخي صُمم ليكون “فخاً للمشاة”. إن استحضار غبار أفغانستان اليوم، ومرارة العشرين عاماً التي انتهت بمشهد الطائرات المغادرة من مطار كابول في صيف 2021، ليس استجداءً للتاريخ بقدر ما هو مرآة تعكس المآلات الكارثية لاندفاعة واشنطن الحالية؛ فبينما كانت أفغانستان استنزافاً للأطراف، يبدو التورط الراهن في إيران بمثابة “جلطة” تصيب قلب النظام الإمبراطوري الأمريكي، خاصة حين نضع “الفشل الأفغاني” في كفة، والتحليلات العميقة للواقع الحالي و مآلاته في كفة أخرى، لتكشف لنا أن واشنطن اليوم تعيد إنتاج ذات الخطيئة ولكن بخصم يمتلك “مؤسسات دولة” صلبة وجغرافيا هي الأكثر عدائية للجيوش الغازية على وجه الأرض.

​إن التورط الأمريكي الحالي، المدفوع بنصائح كوندليزا رايس وعقيدة “الفوضى الخلاقة”، يضع الإدارة أمام معضلة بنيوية؛ فإيران التي تمثل هضبة مرتفعة محاطة بسلاسل جبلية شاهقة كجبال زاغروس والبرز، تشكل جداراً طبيعياً من الصخور والقمم التي تجعل حركة المدرعات كابوساً لوجستياً، وتجبر أي جيش غازي على المرور عبر ممرات ضيقة تجعل من أحدث التكنولوجيا العسكرية أهدافاً سهلة للكمائن، تماماً كما حدث في أدغال فيتنام وتلال “تورا بورا”. إن إيران التي سمحت واشنطن بسقوط الشاه ليحل محلها نظام “الملالي” بهدف تحويل الصراع إلى “سني-شيعي”، كانت تؤدي وظيفة استراتيجية كـ “بعبع” يغذي خزائن المجمع الصناعي العسكري الأمريكي بصفقات سلاح مليارية، وهنا تبرز المفارقة المريرة؛ فبينما كانت أفغانستان “ثقباً أسود” مالياً استنزف تريليونات الدولارات دون عائد، فإن المضي في تغيير النظام الإيراني قد يقتل “الدجاجة التي تبيض ذهباً” لشركات السلاح، وينهي الحاجة الأمنية التي كانت تبرر الهيمنة في المنطقة، مما يضع مصالح “الدولة العميقة” في واشنطن على المحك أمام نزوات الإدارة السياسية.

​وفي حين يراهن صانع القرار في واشنطن على التفوق التكنولوجي والذكاء الاصطناعي والضربات الجراحية لاغتيال القادة واحتلال نقاط استراتيجية مثل جزيرة “خرج” لقطع شريان النفط، يظل الدرس الأفغاني والفيتنامي شاخصاً ليذكر بأن التكنولوجيا لا تحسم حروب الهوية والجغرافيا. فمن الناحية “الرياضية”، تفرض العقيدة العسكرية ضرورة وجود 20 جندياً لكل 1000 مواطن للسيطرة على بلد معادٍ، وبالتطبيق على سكان إيران البالغ عددهم 85 مليون نسمة، ستحتاج القوة الغازية إلى 1.7 مليون جندي على الأرض، وهو رقم يتجاوز إجمالي القوات الأمريكية النشطة ويجعل الاحتلال “مستحيلاً حسابياً”. فإذا كان خصم بدائي كطالبان قد استنزف القوة العظمى لعقدين بكلفة تجاوزت 2.26 تريليون دولار، فإن إيران التي رممت ترسانتها الصاروخية وتمتلك “أذرعاً إقليمية” عابرة للحدود، قادرة على تحويل هذا التورط إلى حريق إقليمي شامل، حيث لن يكون النزيف مالياً فقط كما في كابول، بل سينتهي بانتحار مالي معلن في ظل دين عام أمريكي يتجاوز 34 تريليون دولار، إذ ستؤدي أي هزة في ممرات الطاقة بمضيق هرمز إلى شلل يضرب قلب الرأسمالية العالمية قبل أن يصل أثره إلى طهران.

​إن ما نراه اليوم من ضغط أمريكي مكثف يهدف إلى إيصال النظام الإيراني إلى “لحظة السوفييت” الأخيرة، حيث تُعسكر الدولة اقتصادها حتى ينكسر التوازن الداخلي، هو مراهنة محفوفة بالمخاطر؛ فالتجارب السابقة في العراق وأفغانستان أثبتت بوضوح أن إسقاط الأنظمة المركزية في بيئات جغرافية معقدة وشعوب ذات إرث إمبراطوري قديم لا ينتج ديمقراطيات، بل ثقوباً سوداء من الفوضى العابرة للقارات. لقد تورطت واشنطن فعلياً، ولم يعد أمامها سوى خيارين أحلاهما مر: إما الاستمرار في الاندفاع نحو مواجهة “صفّية” تنهي إمبراطوريتها عسكرياً في مقابر الشرق كما حدث للرومان والمغول والسوفييت من قبل، أو القبول بـ “الهدية الإيرانية” والصفقات التي تضمن إدارة مشتركة للمصالح. إن “بوح المسافات” الاستراتيجية يخبرنا أن المسافة بين واشنطن وطهران قد تلاشت، وأصبح الطرفان وجهاً لوجه في حلبة لا تقبل القسمة على اثنين، ليبقى السؤال المعلق فوق أنقاض التجربة الأفغانية: هل تتعظ واشنطن من فاتورة التريليونات الضائعة والجغرافيا التي لا تُقهر، أم سيُسجل التاريخ أن إيران كانت المسمار الأخير في نعش “القرن الأمريكي”؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى