فواصل من أغاني الحنين
السواقي النائحة طول الليل… حنين الدنيا ممزوج في بكاها وزي طيورا في الغصون محتارة بتفتش عن جناها

السواقي النائحة طول الليل… حنين الدنيا ممزوج في بكاها
وزي طيورا في الغصون محتارة بتفتش عن جناها
هنا صورة شعرية واسعة لفهم كيف يعمل الإحساس حين يفيض وكيف يعجز الوجدان أحيانًا عن البوح المباشر فيلجأ إلى الطبيعة لتنثر له البوح لكي لا يعود الشاعر يتحدث بصوته وحده مستعيرا بخيال جامح أصوات العالم من حوله: الماء، الطير، الليل .. في تحول كامل إلى امتداد داخلي لحالته النفسية.
في لحظات الفقد الكبرى حين يُقتلع الإنسان من ذاكرته أو يُنتزع منه من يحب يتكوّم الحزن في الدواخل وينسرب لعصب الوجدان كحالة شاملة تملأ المكان والزمان معًا..لذلك نجد الشاعر لا يصف نفسه بقدر ما “يُسقط” شعوره على الأشياء. الساقية تبكي، الطيور حائرة، الليل طويل… وكأن الكون كله دخل في حالة حداد.
هذه واحدة من أعمق تقنيات التعبير الإنساني:
أن ترى نفسك في الأشياء وأن ترى الأشياء في نفسك في سلوي وتأسي وتماهي…
فالطيور في هذا النص وبرمزيتها المختزنة في الوجدان الشاعري كرمز للحرية تمثل أيضًا كائنا هشا يفقد اتجاهه حين يُنتزع منه مأواه. “تفتش جناها” سؤال وجودي: ماذا يفعل الكائن حين يفقد فلذة كبده؟ وحالة القلق التي تتلبسه بقلب ملتاع وفؤاد فارغ..
أما السواقي فهي أكثر من مجرد عنصر طبيعي في هذا النص المفعم بالحنين ،هي ذاكرة متحركة. ..صوتها المتكرر يشبه استرجاع الذكريات، دورانها يشبه دوران الحنين في القلب، وماؤها الذي لا يتوقف يشبه دموعًا لا تجد نهاية،،لذلك جاءت “نائحة”متوسطة النص لا كمجاز لغوي فقط وإنما تشخيص حيّ للحزن وأوجاعه.
في كل هذه السياقات تتجلى روعة أغنية “الوصية” التي تغنّى بها حمد الريح بكلمات سليمان عبد الجليل والتي وُلدت من تجربة إنسانية قاسية مرتبطة بتهجير أهل حلفا القديمة فقد كان الفقد ( بالجملة ) فقد المكان … الذكريات.. الوجوه ..الجروف..الإيقاع اليومي للحياة.
حين يكتب الشاعر تحت وطأة هذا النوع من الفقد يؤرّخ لإحساس تأتي بعده الصور مشبعة بهذا العمق: الطبيعة نفسها بدت وكأنها تتضامن مع الإنسان أو ربما تعكس نبضه.
ميزة هذه الأغنية انها تشعرني دوما بتجاوزها للحظتها التاريخية إذ لم تبق حبيسة تهجيرٍ بعينه او جغرافيا محددة لتظل دوما قابلة لإعادة الاكتشاف في كل تجربة فقد فكل من ذاق طعم الغياب يجد نفسه هنا في طير حائر أو ساقيةٍ تبكي بحنين جارف ،
وهنا تكمن عبقرية الشعر الحقيقي:
بوصفه الحزن وتخلقه من جديد داخل كل من يقرأه.
فهي كتابة تعتمد على الصدق العاطفي حيث تتحول الصور إلى جسور عبور لذواتنا ويصبح النص مساحة مشتركة للوجع الإنساني.
فلا عجب أن تعيش هذه الكلمات جيلًا بعد جيل،
ولا غرابة أن نشعر وكأنها كُتبت لنا طازجة في كل صباح جديد…
الطاهر يونس



