ملح الأرض/ نقاط تفتيش “الذوق العام” في السودان

بقلم: خالد ماسا
وقد يحتاج كل من يرتاد “زقاقات” الفضاء التفاعلي إلى مجموعة إجراءات “احترازية” خاصة، يزيد بها من مستوى مناعته ضد المحتوى المرئي والمكتوب على حوائط يتم تشييدها على بذيء العبارة وطين الإسفاف في المعروض، والانطلاق من أوتاد قيمية وأخلاقية شادتها المجتمعات بتراكم السنين.
ما نحن بصدد قراءته ليس حالة عابرة نتوقف عندها بالنقد والامتعاض، والتنكر إلى فكرة أنها صارت ظاهرة تدخل البيوت بلا استئذان لتخاطب الحسي والمعنوي بدون خطوط لاستواء الذوق العام وسلامته.
هو أشبه بحركة تحول عامة في منظومة القيم الحاكمة في المجتمع، وليس مجرد تدهور في الذوق العام تمس “طهرانية” مُدعاة في المجتمع السوداني، والذي بالضرورة حاله كحال شعوب كثيرة، تخرج حركة المجتمع الثقافية والسياسية والاقتصادية وتقلباتها وتداخلاتها وتفاعلها مع ما تنتجه عقلية البشر من أدوات تساعد على إفساد الذوق العام، فيه من يرتقي بمعايير الذوق العام في الغناء وكل الفنون وفي الخطاب السياسي، وفيه من يدعم حركة “الهبوط” الحادة في كل شيء نحو درك أسفل السافلين.
(*) نقطة تفتيش ..
والخطورة هنا ليست في ما هو ظاهر بوضوح في شارع الذوق العام السوداني، سواء عبر الأغنية المقدمة أو الخطاب السياسي الذي يخاطب الغرائز الهادمة لكل ما هو مطلوب في سقف قيم المجتمع، وإنما الخطورة بأن يُحمل كل ما ذُكر على محمل الاختلاف في الذائقية وحرية الرأي والتعبير، ومن ثم الاجتهاد في تسويق هذه البضاعة بقناعة بعدم انعقاد الحق للمجتمع في إجراءات “تفتيش” حقائب وبضائع الذوق العام، والسماح بإطلاق لا يخفى فيه التعميم المخل لكل ما من شأنه أن يخدش “الحياء العام”، بدعوى الحق والحرية التي يُراد بها “الباطل” الذي صار “الموضة” التي ارتفعت أسهمها كلما زاد “الابتذال” فيها، وسهل تسويقها كلما ارتفعت أدواتها التي تخاطب الرغائب في الممنوع أخلاقياً.
نحن هنا لسنا بصدد رسم “كنتور” جديد يفصل خرائط كسولة تضع الخطوط بين الغناء الملتزم بالنص القوي واللحن الذي يُقرأ ويُعزف من على “نوتة” يضعها أساتذة معاهد الموسيقى والمسرح، أو القيام بذلك لتمرير محتوى الخطاب السياسي والمحتوى الصحفي على ميزان مجتمعي لم يتم الاتفاق عليه كتابة، بقدر ما أنه صار متعارفاً عليه، بل نحن في طريقنا لفتح نقاش الظاهرة في كل تخلقاتها: كيف صارت إلى ما صارت إليه الآن في الغناء، ومسرح الفرد الواحد، واستديوهات “البودكاست”، والمنصات السياسية، وبالضرورة ليس السقف المقصود هو كتابة متهمين يقفون وراء جريمة اغتيال معايير الذوق العام في المجتمع السوداني.
قبل أحكام “الإدانة” نحن محتاجون للإجابة على حزمة الأسئلة التي تطرح حول لماذا صار من “الطبيعي” لدى الكثير من السودانيين الجلوس بتسابق شهواني على مقاعد الاستمتاع مثلاً بمسرح العروض الفضائحية اليومية، كل بطل فيها ينافس أبطالاً آخرين في “أوسكار” البذاءة وانتهاك كل ما هو خاص لصالح الإثارة واستدعاء المشاهدات حتى نفاد تذاكر العرض، وبدون حتى كتابة تحذيرات “+18″، والتي يتوهم من فكر فيها بأنه يعفي نفسه من المسؤولية الأخلاقية في انتهاك قيم السلوك، وأن ذلك الاجتهاد البسيط يجعله في حل من جريمة إفساد الذوق العام.
نحن هنا بصدد الدعوة لقراءة أعمق قد تساعد في فهم فكرة “التطبيع” مع كل ما من شأنه أن يفسد الذوق العام، بل والبحث عن أي فلسفة أو منطق يستر عورة هذا الابتذال، ففكرة وجود خطاب أو محتوى مبتذل تتسق وطبيعة التقاطعات في أي مجتمع كما ذكرنا آنفاً، ولكن غير “المبلوع” ويتقاطع حتى مع الفطرة السليمة هو حالة “التطبيع” هذه، والتي تعتبر الآن بمثابة الدعوة المفتوحة لتعميم فساد الذوق العام.
حركة الوعي والتنوير بالحقوق التي شقت طريقها في وعر الإفساد العام المسيطرة الآن وصلت إلى حد الاهتمام العالمي بالمواصفات والمقاييس، والتي جعلت تجاوزها جريمة تستوجب الحساب والعقاب، وصار عندما توضع “ديباجة” تاريخ الإنتاج وانتهاء الصلاحية جزءاً من الالتزام الأخلاقي بالاشتراطات الواجب اتباعها في مخاطبة الحاجات الإنسانية، سواء كانت حسية أو معنوية، قبل عرضها على أرفف العرض.
السوق جزء من قيمته هو “التنوع” في المعروض، والحاكمية عند من يشتري ويتسوق بحسب تقييمه والسعر الذي تُعرض به البضاعة والمحتوى، وهذا ليس عين الخطر، وإنما الخطورة هي في الاختفاء التام لمعايير الجودة، بحيث صارت “الكراهية” والعنصرية، على سبيل المثال، مطلوبة جداً في الخطاب السياسي، لأنها وبحسب وعي مستخدمي هذا النوع من الخطاب تعتبر “بهار” المنصات السياسية و”مقبلات” تفتح الشهية لاستقطاب المتابعين، وتعطي غطاءً أخلاقياً لكل ما هو مبتذل ورخيص.
صار الخلاف الشخصي بين أي اثنين من المغنين هو “الترند” وأغنية الموسم التي يرقص على صوت “طبلها” الجمهور والمعجبون، وصار “النجم” السياسي وصاحب الدخل الأعلى في شباك التذاكر هو ذلك القادر على التحرر من أي قيد أخلاقي مطلوب في الخطاب والمحتوى والأسلوب، وأي “استفتاء” يتم إجراؤه حول المحتوى الرقمي السوداني، سواء كان ذلك خطاباً سياسياً أو محتوى غنائياً أو حتى حلقة نقاش جماعي، سيضعنا أمام الحاجة الماسة لإعلان حالة الطوارئ والاستنفار القصوى لفهم ما يحدث وتشخيص هذه الحالة.
(*) حمى والتهابات الذوق العام ..
تحليل وتشخيص الظاهرة قبل استسهال الهجوم على مروجيها قد يساعد أكثر في التعاطي مع “باندمك” إفساد الذوق العام، باعتبار أن ما يحدث ليس استثناءً في السودان، ويجب النظر إلى حالة “الهبوط” مثلاً في الغناء أو الخطاب السياسي أو طرق إدارة الحوارات العامة على أساس أنها “عرض” لأسباب أكثر عمقاً تضرب في نسيج المجتمع.
“سهولة إنتاج” الأغنية المبتذلة، على سبيل المثال، من حيث تدني تكلفة النص واللحن والأداء، وهنا بالضرورة لا يكون المقصود بالتكلفة الناحية المادية فقط، بل القيمة المطلوبة فنياً للعناية بكتابة النص المغنّى وإعداد القالب اللحني ومسؤولية المؤدي لكل ذلك، وقناعته بأنه يقدم محتوى فنياً يستحق الاحترام.
“سرعة الانتشار” وتداول الخطاب السياسي المحتوي على مدلولات “سامة” وسريعة الاستفزاز هي جزء من أسباب ارتفاع قيمة هذا النوع من الخطابات في بورصة المنصات السياسية، وهنا لا يمكننا أن نعزو الممارسة ونرجع مسؤوليتها لأفراد هم بالأساس يتبنون بشكل واضح وصريح خطاً سياسياً معلوماً وانتماءً تنظيمياً غير مدسوس، ومع ذلك لا تجد المؤسسة الحزبية في دستورها ونظمها الأساسية و”المنفستو” الأخلاقي لها ما يشكل رادعاً لهذا السلوك، بل وأنها لا ترى فيه مساساً بالقيم التي التزمت بها أمام الجماهير والرأي العام، لأنها تعلم تماماً بأن صوت الخطاب الفاسد والمبتذل هو الأعلى صوتاً ويعطي نتائج سريعة في الميدان السياسي.
دراسة مؤشرات سوق “المستهلكين” والانتباه لطلبات “الساندويتش” السريعة هي جزء من أسباب رواج البضائع الفاسدة وزيادة جمهورها، وطبيعة السوق هي أنها لا تصنع الذوق أكثر من أنها تعكسه وتقوم بتضخيمه.
وبذات الفكرة فإن الخطاب السياسي المقدم في هذه القوالب المفسدة للذوق العام هو الأكثر خطورة، لأنه يشرعن لغة الابتذال ويعمل على إعادة تعريف ما هو مقبول وما هو مرفوض في قيم وذوق المجتمع، ويضبط بشكل جديد بوصلة الذوق العام على اتجاهات الإفساد العام.
“السخرية الجارحة” صارت هي السمة الغالبة في الخطاب السياسي، بحيث ضاع معها متن الخطاب ومقاصده، وصار “التخوين” على سبيل المثال هو الطريق المختصر لاغتيال الخصوم السياسيين، وأصبحت دار الفتوى في قضايا المجتمع المعقدة بيد سابلة المنصات التفاعلية، يتناولونها بتبسيط مخل بعمق تأثيرها المجتمعي، ومشكلة الهبوط في الخطاب السياسي هي أنها لا تتوقف في حدود هبوطها، بل تجر معها أسقفاً كثيرة للانهيار على رأس المجتمع، والحرب التي شهدها السودان حالياً وسابقاً تعتبر “الموقد” و”الكانون” الذي نضجت عليه كل أدوات إفساد الذوق العام.
الفن والصحافة والخطاب السياسي هي بالأساس دليل قراءة المجتمعات ومفاتيح خرائطها في كل المستويات، ومتى ما طالها الإفساد وغشيها الابتذال الذي نراه الآن، صارت أدوات مؤثرة بشكل كبير على الذوق العام، وصرفت المجتمع بكل مكوناته عن مناقشة وتداول قضاياه الحقيقية إلى الاستغراق في ما هو سطحي وركيك.
لا أعتقد بأنه من المجدي والصحي لعلاج نتائج هذه المشكلة أن نعطي أسماء أو نماذج للاستدلال على صحة ما ذهبنا إليه، ففساد الذوق العام لم نعد محتاجين فيه لأنبوب فحص واختبار معملي و”عينات” لإثبات حالة تسمم الذوق العام في السودان، إذ تكفي فقط ضغطة زر على شاشات الهاتف النقال لتجد نفسك في عوالم تحكمها قيم وأخلاقيات أسفل مدينة عالم التقنيات، وصفحات استعراض عضلات الجسد واللسان في إفساد الذوق العام وضرب المجتمع تحت حزام قيمه وأخلاقه.
ولا أظن بأن أعمال سلطة المنع هي السبيل المنطقي للمعالجة، بل الطريق الأمثل هو الاجتهاد في بدائل الوعي والتنوير، وطبيعة وتركيبة الذوق العام لا تحتمل “الفراغ” في مصفوفة القيم، وبالتالي فإن هنالك ضرورة لتعزيز الخطاب والمحتوى الجاد والملتزم، والانتباه إلى أن الخطورة ليست في بروز ظاهرة أو أخرى بهذا التوصيف، بل الخطورة بأن يصبح ذلك هو “القاعدة” والاستثناء هو كل ما هو حقيقي وملتزم، والمجتمعات في حقيقتها لا تنهار فجأة، بل تبدأ في التآكل تدريجياً حتى تفقد معاييرها الضابطة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى