ًهل تعيد قرارات البرهان تشكيل قمة الهرم العسكري أم تعيد تعريف السلطة في السودان؟..
إعفاء الحسين وتعيين العطا..خطوة تنظيمية أم بداية لتحول إستراتيجي عميق؟؟..

من قيادة الصمت إلى قيادة التداخل..فتح الباب أمام إعادة ترتيب الجيش أم تمهيد لإعادة صياغة مجلس السيادة ؟..
تقرير تحليلي / علم الدين عمر
إعادة تشكيل قمة الهرم العسكري في السودان..ما وراء قرارات البرهان وسيناريوهات ما بعدها...
في خطوة بدت محسوبة بدقة..لكنها مفتوحة على قراءات متعددة.. أصدر القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الإنتقالي الفريق أول عبدالفتاح البرهان قرارات بإجراء تغييرات واسعة في هيئة الأركان..أبرزها إعفاء رئيس الأركان الفريق أول محمد عثمان الحسين.. وتعيين الفريق أول ياسر عبدالرحمن العطا خلفاً له.. مع إعادة ترتيب مراكز مؤثرة داخل المؤسسة العسكرية.. هذه الخطوة..رغم طابعها الإداري الظاهر تحمل في جوهرها إشارات إستراتيجية تتجاوز حدود الجيش إلى بنية السلطة الإنتقالية نفسها..وتطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل مجلس السيادة..وشكل الحكم.. ومآلات التوازن بين العسكريين والمدنيين..
أولاً.. محمد عثمان الحسين… رجل الظل في زمن العاصفة..
قاد الفريق أول محمد عثمان الحسين رئاسة الأركان خلال واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخ السودان الحديث.. تميز أسلوبه بالهدوء والإنضباط العالي بعيداً عن الضجيج الإعلامي.. في وقت كانت فيه البلاد تواجه حرباً مفتوحة مع مليشيا الدعم السريع.. مدعومة – وفق تقديرات واسعة – بامتدادات إقليمية ودولية سعت لإعادة تشكيل الدولة السودانية من الداخل..
ينتمي الحسين إلى مدرسة عسكرية تقليدية..تشكلت خبراته داخل المؤسسة النظامية الصلبة..وتدرج في مواقع القيادة حتى بلغ قمة الهرم الإداري للجيش عقب ثورة ديسمبر 2019م.. وخلال الحرب..لعب دوراً محورياً في إدارة العمليات الميدانية..وإعادة تنظيم القوات.. والمحافظة على تماسك الجيش رغم الضربات العنيفة التي تلقاها في بدايات الصراع.. لم يكن خطيباً سياسياً..ولا لاعباً في كواليس السلطة.. بل ظل أقرب إلى “العقل التنفيذي الصامت” داخل مؤسسة الجيش الذي يدير المعركة من خلف الستار..
إعفاؤه..بهذا المعنى لا يمكن قراءته كإجراء تقليدي.. بل كتحول في طبيعة القيادة المطلوبة للمرحلة المقبلة..
ثانياً.. لماذا الآن؟..
توقيت التغيير ودلالاته..
تأتي هذه التغييرات في لحظة فارقة..
تراجع نسبي في زخم العمليات الكبرى.. مقابل تصاعد حرب الإستنزاف ذات الأبعاد السياسية..
تحولات في مواقف بعض الفاعلين الإقليميين والدوليين..
تزايد الحاجة لإعادة هيكلة القيادة العسكرية بما يتناسب مع المرحلة..
تعيين الفريق أول ياسر العطا – وهو شخصية ذات حضور سياسي وعسكري معاً – يشير إلى أن المرحلة القادمة قد تتطلب قيادة أكثر انخراطاً في التفاعل السياسي..وليس فقط إدارة العمليات العسكرية..العطا.. بحكم موقعه السابق كمساعد للقائد العام وعضو في مجلس السيادة..يمتلك خبرة مزدوجة تؤهله للعب هذا الدور المركب..

ثالثاً.. ياسر العط.. من قلب السيادة إلى قيادة الأركان..
نقل العطا من مجلس السيادة إلى رئاسة الأركان يفتح الباب أمام عدة تأويلات..تبدأ
بتعزيز الطابع العملياتي للقيادة العليا وتمر بإدخال شخصية سياسية-عسكرية إلى موقع رئاسة الأركان ما قد يهدف إلى ربط القرار العسكري مباشرة بالسياق السياسي.. وتسريع إتخاذ القرار في بيئة عسكرية وسياسية معقدة إن لم تكن بالغة التعقيد..
ولا ينتهي بإعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسة العسكرية..
الخطوة قد تعكس رغبة في إعادة ترتيب مراكز القوة داخل الجيش..وضخ دماء جديدة في مواقع حساسة..
تمهيدا لتحولات في بنية السلطة الانتقالية..
وهو الإحتمال الأهم.. حيث لا يمكن فصل هذه الخطوة عن مستقبل مجلس السيادة نفسه..
رابعاً.. ماذا عن مجلس السيادة؟سيناريوهات مفتوحة..
تعيين العطا رئيساً للأركان يطرح سؤالاً مباشراً.. ماذا سيحدث لمقعده في مجلس السيادة؟..
السيناريو الأول.. تعيين بديل عسكري..
قد يتم تعيين شخصية عسكرية جديدة لملء مقعد العطا.. بما يحافظ على التوازن العددي داخل المجلس..هذا الخيار يعني إستمرار المجلس بصيغته الحالية مع تعديلات محدودة..

السيناريو الثاني.. تقليص عدد الأعضاء العسكريين..
كما حدث مع الأعضاء المدنيين عقب إستقالة الدكتورة سلمى عبدالجبار المبارك دون تعيين بديل..قد يتم ترك المقعد شاغراً.. في إتجاه تدريجي لتقليص حجم المجلس..هذا السيناريو يعكس ميلاً نحو إعادة هيكلة السلطة بشكل أكثر رشاقة..
السيناريو الثالث.. تبادل أدوار..
قد يتم إدخال الفريق أول محمد عثمان الحسين إلى مجلس السيادة..كتعويض عن خروجه من رئاسة الأركان ونقص مقعد العطا بالمجلس..في إطار “تبادل الأدوار” داخل النخبة العسكرية.. هذا السيناريو يحافظ على خبراته داخل دائرة القرار.. لكنه ينقله من الميدان إلى السياسة..
السيناريو الرابع.. التمهيد لحل المجلس..
وهو السيناريو الأكثر إثارة..
قد تكون هذه التغييرات جزءاً من عملية أوسع لإعادة تعريف شكل السلطة الإنتقالية..وصولاً إلى حل مجلس السيادة أو تقليصه جذرياً..مع الإبقاء على رئيسه (البرهان) في موقع دستوري معدل..ربما كرئيس دولة بصلاحيات محددة.. هذا السيناريو يتسق مع ضغوط داخلية وخارجية لإعادة ترتيب المشهد السياسي..وتبسيط هياكل الحكم..
خامساً..أين يذهب محمد عثمان الحسين؟..
إخراج شخصية بحجم الحسين من موقع رئاسة الأركان لا يعني بالضرورة نهاية دوره..هناك عدة إحتمالات..
موقع مدني رفيع.. مثل المجلس التشريعي المرتقب.. بما يمنحه دوراً في صياغة الإطار القانوني للدولة..
عضوية مجلس السيادة.. كجزء من إعادة التوازن داخل المجلس..
التقاعد الهادئ.. وهو خيار أقل ترجيحاً.. نظراً لحجم الخبرة التي يمتلكها..
في كل الأحوال.. طريقة التعامل مع الحسين ستكون مؤشراً مهماً على طبيعة المرحلة.. هل هي مرحلة إقصاء وإحلال أم إعادة توزيع أدوار داخل نفس الدائرة؟..
سادساً..ما الذي تغير فعلياً؟..
بعيداً عن الأسماء.. هناك ثلاث رسائل رئيسية تحملها هذه القرارات..
الأولي..الجيش يعيد ترتيب نفسه..
بعد مرحلة الصدمة يبدو أن المؤسسة العسكرية دخلت طور إعادة البناء الداخلي.. تنظيمياً وقيادياً…
الثانية..تداخل العسكري والسياسي يتعمق..
نقل العطا يعكس تزايد الحاجة لقيادات قادرة على العمل في المساحتين معاً..
الثالثة تلي المرحلة الإنتقالية التي تدخل طوراً جديداً..
هذه ليست مجرد تغييرات عسكرية..بل قد تكون مقدمة لإعادة صياغة كاملة لمعادلة الحكم..
سابعاً.. الخلاصة… بين إعادة الهيكلة وإعادة التأسيس..
قرارات البرهان ليست مجرد “تعديل في هيئة الأركان” فيما يبدو بل هي خطوة في مسار أوسع لإعادة تشكيل مراكز القوة داخل الدولة السودانية..
إعفاء محمد عثمان الحسين يطوي صفحة قيادة إتسمت بالصمت والإنضباط.. بينما تعيين ياسر العطا يفتح باباً لمرحلة أكثر تداخلاً بين العسكري والسياسي..
يبقى السؤال الأهم..
هل نحن أمام إعادة هيكلة داخل النظام القائم..أم بداية لتأسيس نظام جديد بالكامل؟..
الإجابة ستتضح في الخطوات التالية..
هل يُعين بديل للعطا في مجلس السيادة؟..
هل يظهر الحسين في موقع جديد؟..
هل تتقلص أو تُعاد صياغة بنية المجلس؟..
السودان كما هو واضح يعيش على حافة تحولات كبرى ولذلك لا تكون مثل هذه القرارات معزولة.. بل هي – في الغالب – أول خيط في نسيج جديد قيد التشكل..ربما ستكشف عنه الساعات أو الأيام القادمة..



