كارثة غذائية تكشف هشاشة الرقابة بالولاية الشمالية

48 ألف جوال دقيق فاسد بالولاية الشمالية: كارثة الإغاثة بين المخاطر الاقتصادية والدوافع السياسية

كيف قرأ الخبراء كارثة الدقيق الفاسد؟ 

أثار اكتشاف (48,800) جوال دقيق وزن كل واحد 25 كيلوجراماً، إلى جانب كميات من العدس منتهية الصلاحية منذ أكتوبر 2024م، في مخزن تابع لبرنامج الغذاء العالمي بمدينة دنقلا، صدمة واسعة في الأوساط الإنسانية والسياسية بالولاية الشمالية. في واقعة لم تكن مجرد خطأ إداري بل كشفت هشاشة منظومة الرقابة والمخاطر الاقتصادية المحتملة وأثارت تساؤلات جدية حول الدوافع السياسية وراء كشف القضية في هذا التوقيت بعد أكثر من عام على انتهاء صلاحية المواد و تأكيد المصادر لحسم القضية سابقاً عبر لجنة سيادية من كبار مستشاري المجلس .

_ مصدر خاص للعودة : لجنة مجلس السيادة حسمت مصير القمح الفاسد و ظهور القضية في هذا التوقيت له دوافع أخرى

_ مفوضية العون الإنساني: “لن نسمح بتوزيع أي مادة منتهية الصلاحية!”

– خبير اقتصادي:”48 ألف شوال فاسدة تهدد الأمن الغذائي والاقتصاد المحلي!”

_ محلل سياسي:”الكشف الآن يحمل رسائل سياسية أكثر من كونه خطأ إداري! و موقف داعم للمليشيا”

تقرير : نشوة أحمد الطيب 

مستشاري مجلس السيادة ! ..

أكد مصدر خاص لصحيفة العودة أن الكميات المكتشفة من القمح والعدس كانت منتهية الصلاحية منذ فترة طويلة، مشيراً إلى أن بعض موظفي وزارة الصحة حاولوا التخلص منها إلا أن برنامج الغذاء العالمي رفض ذلك. وأضاف المصدر أن تدخل الجهات السيادية ومتابعة لجنة من أهم مستشاري مجلس السيادة ساعد في حسم الموضوع واتخاذ الإجراءات اللازمة وأوضح المصدر أن الفحص الفني أكد أن القمح ضار وغير صالح للاستهلاك البشري، وأن أي محاولة لتوزيعه على المعسكرات السودانية كانت ستخالف المعايير، مشيراً إلى نجاح الإجراءات الرسمية في ضبط الوضع ومنع أي توزيع غير قانوني.

و اكد المصدر أن ظهور هذه القضية في هذا التوقيت خاصة بعد حسمها سابقاً له دوافع سياسية سوف تظهر لاحقاً

مفوض العون الإنساني بالولاية الشمالية وائل محمد شريف

بيان المفوضية بالولاية الشمالية..

عقد مفوض العون الإنساني، وائل محمد شريف، مؤتمراً صحفياً بمقر المفوضية بمدينة دنقلا، بحضور ممثلي وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية، لتوضيح الحقائق بشأن قضية الدقيق منتهي الصلاحية.

وأشار المفوض إلى أن المفوضية شرعت منذ توليه مهامها في الأول من سبتمبر 2025م في تنفيذ إصلاحات إدارية وفنية لتعزيز الأداء ومراجعة أنشطة ومخازن المنظمات الإنسانية. وفي إطار هذه الجهود، كوّنت المفوضية بتاريخ 28 يناير 2026م لجنة مختصة لمراجعة المخازن، وأسفرت إحدى الزيارات التفتيشية المفاجئة لمخزن برنامج الغذاء العالمي بدنقلا – جوار مطار دنقلا – عن اكتشاف (48,800) جوال دقيق قمح زنة 25 كيلوجراماً، إلى جانب كميات من العدس منتهية الصلاحية منذ أكتوبر 2024م.

وأكد المفوض اتخاذ إجراءات فورية، شملت تحرير تعهد رسمي من ممثلة برنامج الغذاء العالمي بعدم تحريك أو توزيع هذه المواد، ومخاطبة أمانة الشؤون الاجتماعية والأمانة العامة لحكومة الولاية وهيئة المواصفات والمقاييس للتأكد من عدم صلاحيتها للاستهلاك الآدمي، والتأكد من عدم صلاحيتها حتى للاستخدام كعلف حيواني، بالإضافة إلى تشكيل لجنة لإتلاف المواد بطريقة علمية وقانونية.

وخلال المؤتمر، أوضح المفوض أن مراجعة المخازن لم تكن جزءاً من إجراءات التسليم والتسلُّم السابقة، وإنما أدرجت كإجراء رقابي جديد بعد توليه المنصب، وهو ما أسهم في كشف المخالفات. كما أشار إلى أن السياسات الجديدة للمفوضية حددت مدة التخزين القصوى بشهر واحد مع إلزام المنظمات بإعداد خطط توزيع سريعة للمستفيدين.

واختتم المفوض المؤتمر بتأكيد حرص المفوضية على الشفافية، وفتح أبوابها للإعلام للحصول على المعلومات من مصادرها الرسمية، وتعزيز تمليك الرأي العام الحقائق أولاً بأول.

دكتور عبدالعزيز الزبير باشا

سوء إدارة الصلاحيات

قال د. عبدالعزيز الزبير باشا، المختص في إدارة المخاطر الاستراتيجية والاقتصادية، في حديثه لصحيفة العودة: إن قضية المواد الغذائية المنتهية الصلاحية في الولاية الشمالية تعكس سلسلة من سوء الإدارة والتقدير والتنسيق بين الجهات المعنية، ما أدى إلى تراكم كميات كبيرة غير صالحة على الرغم من وجود ميزانية مخصصة لتغطية الاحتياجات الإنسانية.

أسباب المشكلة

أوضح الزبير أن السبب الأساسي يكمن في سوء إدارة الصلاحيات المنتهية لدى الأجهزة المعنية، خصوصًا المفوضية في التخزين، مضيفًا أن هناك ثلاثة عوامل رئيسية: سوء الإدارة، سوء التنسيق، وسوء التقدير. وأشار إلى أن الولاية الشمالية تحتضن أكبر معسكر إنساني في السودان، إضافة إلى الأسر المتضررة من النزاعات في دارفور وكردفان، ما يزيد حجم الاحتياجات وصعوبة التعامل مع 48,000 شوال من المواد الغذائية، خصوصًا تلك القادمة عبر المانحين وصندوق الأغذية العالمي.

غياب الرقابة

لفت الزبير إلى أن غياب هيئة المواصفات والمقاييس الرقابية ساهم في تفاقم المشكلة، حيث إن إدارة المفوضية في الولاية بذلت جهودًا كبيرة، لكنها كانت بحاجة إلى تنسيق أعلى منذ بداية عمليات التوزيع لضمان حماية الموارد ومنع الهدر. وأضاف أن المفوضية القومية للعون الإنساني قامت بما عليها مباشرة لتلبية الاحتياجات، لكن الفشل كان على مستوى المفوض المحلي في الولاية.

التأثير الاقتصادي

أكد الزبير أن الآثار الاقتصادية ستكون كبيرة، مشيرًا إلى أن نقص المواد الغذائية سيدفع الجهات المعنية لسحبها من السوق، مما سيؤدي إلى تضارب وارتفاع الأسعار، وزيادة المنافسة غير المشروعة من قبل ضعاف النفوس. ولفت إلى أن هذه الظروف ستؤثر على الأمن الغذائي للسكان في الولاية الشمالية وعلى السودان ككل.

أسعار المواد الغذائية

أوضح الزبير أن الأسعار المحلية للدقيق والعدس معروفة وثابتة إلى حد كبير، وأن المواد الغذائية القادمة من المانحين معفاة من الجمارك والقيمة المضافة. لكنه أشار إلى أن أي نقص في الإمدادات سيضطر المنظمات المحلية والدولية للشراء من السوق المحلي لتغطية الاحتياجات، مما قد يرفع الأسعار ويخلق ضغطًا على الموارد المالية للدولة.

مشاكل التخزين

أكد الزبير أن استيراد الدقيق والعدس من تركيا وكندا لم يكن متوافقًا مع المواصفات السودانية أو ظروف التخزين المحلية، مشيرًا إلى أن نسبة الرطوبة تختلف عن أجواء التخزين، ما يؤدي إلى فساد المواد إذا لم تخزن بالشكل الصحيح. وأضاف أن بعض المنظمات تستغل الحاجة السودانية لتمرير أجنداتها، وأن مثل هذه المخالفات تؤثر على الدولة بشكل مباشر، حيث تتحمل وزارة المالية ووزارة الرعاية الاجتماعية جزءًا من هذه الأخطاء.

دور المفوضية

بيّن الزبير أن المفوضية تعمل كجسم تنسيقي للجهاز التنفيذي للمساعدات، وتقدم إسنادًا كبيرًا للدولة، لكن الحديث هنا يتعلق بالمخاطر الاقتصادية وليس المخاطر المالية المحتملة. وأوضح أن المخاطر تشمل تأثير التالف على البيئة الغذائية والزراعية، وأن هناك حاجة إلى تقييم مستمر من قبل هيئة خبراء متخصصين.

التوصيات الأمنية

أشار الزبير إلى ضرورة تفعيل دور الجهاز الأمني الاقتصادي وزيادة صلاحياته للكشف عن المخاطر ومنع الهدر، مع الاعتماد على الجهات الرقابية، خصوصًا في مجال المواصفات والمقاييس.

السياسات والقوانين

انتقد الزبير أن السياسات الجديدة للمفوضية لا تستند إلى قانون واضح، وأن قوانين الجهاز التنفيذي قابلة للتغيير، ما يتطلب وجود رقابة على مستوى الرئاسة لضمان استمرارية التقييم ومنع الهدر المالي.

تجارب الولايات

ذكر الزبير أن التجارب في بعض الولايات، خصوصًا إقليم دارفور، أظهرت صعوبة إيصال المساعدات بسبب التمرد، وأن الدولة تعمل على فتح المعابر لتسهيل وصول الإغاثات. لكنه نبه إلى أن بعض ضعاف النفوس يبيعون المساعدات في السوق السوداء، ما يزيد من الحاجة إلى إجراءات صارمة لمواجهة هذه الظواهر.

التفعيل القانوني

ختم الزبير حديثه بالتأكيد على أن تفعيل القوانين وإنشاء محاكم طوارئ يمثل الحل الأمثل للحد من هدر المخزونات الكبيرة، مشيرًا إلى أهمية الأدوار المتكاملة بين المؤسسات السيادية والمفوضية لضمان الرقابة الفعالة ومنع تكرار الخسائر المستقبلية.

محيي الدين ابراهيم جمعة

موقف داعم للمليشيا

قال محيي الدين إبراهيم جمعة، محلل سياسي وقيادي سابق بالكتلة الديمقراطية، في حديثه لصحيفة العودة، إن كشف الكميات الكبيرة من مواد الإغاثة التالفة التابعة لبرنامج الغذاء العالمي في الولاية الشمالية يعكس تقصيرًا إداريًا ويؤكد ما حدث من موقف داعم للمليشيا من قبل مدير برنامج الغذاء العالمي ومديرة العمليات في العام الماضي، وهو ما أدى إلى إبعادهما من بورتسودان.

أسباب التقصير

أوضح جمعة أن عدم متابعة المفوضية للعمل الإغاثي بالولاية الشمالية في تلك الفترة ساهم في كشف هذا الإهمال، خاصة بعد وصول أعداد كبيرة من النازحين إلى الولاية نتيجة استمرار الحرب، ما أثر على انسياب المساعدات للمواطنين.

جهود المفوضية

وأشار جمعة إلى أن مفوضية العون الإنساني الاتحادية بذلت جهودًا كبيرة منذ بداية الحرب لتوصيل المساعدات إلى المواطنين، سواء في الولايات تحت سيطرة القوات المسلحة أو في المناطق التي تقع تحت سيطرة مليشيا الدعم السريع، مؤكدًا أن العمليات الإنسانية تسير بصورة طيبة ولم تُترك متطلبات عاجلة دون تلبية.

التقصير المحلي

رأى جمعة أن التقصير في الولاية الشمالية لم يكن نتيجة سوء نية، بل نتج عن نقص المعرفة بالكميات الكبيرة من الإغاثة التي كان ينبغي توزيعها على المستحقين، مؤكدًا أن العمل الإنساني منفصل تمامًا عن العمل السياسي، وأن الخلط بينهما يضر بمفهوم العمل الإنساني، لذلك لا يمكن افتراض استغلال هذا التقصير لأغراض سياسية.

أهمية الرقابة

أكد جمعة أن التقصير الإداري الذي كشفته الواقعة يؤكد أهمية الرقابة والشفافية في توزيع مواد الإغاثة على المستحقين، حيث يمكن أن تقود الأخطاء الإدارية أحيانًا إلى كارثة إنسانية إذا لم يتم التعامل معها بالشكل الصحيح.

آليات الشفافية

وأشار جمعة إلى أن مفوضية العون الإنساني تمتلك آليات للشفافية والمكاشفة، تشمل تحديد حجم المواد الإغاثية المتوفرة، والجهات المستحقة لها، وإطلاع الرأي العام على هذه العمليات لضمان تحقيق أهداف المساعدات الإنسانية بكفاءة وعدالة.

وفي ظل هذه المعطيات، تبقى القضية اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات على استعادة الثقة وترسيخ الشفافية ومنع تكرار هدر موارد يفترض أن تصل إلى أكثر الفئات احتياجًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى