الوجه الآخر لانتهاكات المليشيا في غرب كردفان

عنف مفرط تجاه النساء العاملات في قطاع الصمغ العربي بالنهود

أرقام صادمة لاستهداف المليشيا للنساء والأمن الاقتصادي بغرب كردفان

رصد وإعداد: عبود عبدالرحيم

الآثار المدمرة للحرب اجتماعيا واقتصاديا بعد اجتياح مليشيا الدعم السريع الارهابية لمناطق غرب كردفان كان مسرحها هذه المرة مدينة النهود التي تعرف بانها احد أكثر مناطق كثافة انتاج الصمغ العربي وهو المحصول الاستراتيجي الابرز للاقتصاد القومي بالسودان، بجانب تأثيراته على اقتصاد المجتمعات المحلية.

ونكتشف ذلك من خلال تقرير صادر عن مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي والإعلام الذي تناول بالتفاصيل، التطورات الخطيرة التي تهدد قطاع الصمغ العربي في النهود بولاية غرب كردفان، وجاء التقرير مدعوما بأرقام ومؤشرات تعكس حجم التدهور الاقتصادي والإنساني، وسط تصاعد وتيرة انتهاكات المليشيا واعوانها من المرتزقة خاصة الذين كشفت الأدلة والوثائق انهم من دولة جنوب السودان، ويستهدفون بشكل مباشر النساء العاملات في قطاع الصمغ العربي.

*مذكرة تحذيرية عاجلة للمنظمات الحقوقية*

واطلق المركز مذكرة عاجلة للمنظمات الحقوقية الدولية ووكالات الأمم المتحدة، حذر فيها من استهداف ممنهج للأمن الاقتصادي في مناطق إنتاج الصمغ العربي بالسودان، ووصف التقرير ما تشهده منطقة انتاج الصمغ، بالتهديد المزدوج للاقتصاد الوطني وللاستقرار الاجتماعي في كل انحاء غرب كردفان.

ومنذ شهر مايو 2025 اقتحمت مليشيا الدعم السريع مدينة النهود بآلياتها ومرتزقتها المدعومة الامارات، وعاثت في الارض فسادا ولم ينجو من انتهاكاتها حتى النساء العاملات في قطاع الصمغ العربي كمورد اقتصادي يعتمد عليه سكان المنطقة في معاشهم.

التقارير كانت تؤكد أهمية، مدينة النهود باعتبارها الرئة الاقتصادية الثانية لقطاع الصمغ العربي في السودان، وفيها أهم بورصة تغذي السوق العالمي بأجود أنواع صمغ “الهشاب”.

غير أن تفاصيل هذا الواقع تغيّرت بشكل جذري بعد هجوم المليشيا على المدينة والسيطرة عليها في مايو 2025، وذلك بعد معارك عنيفة مع القوات المسلحة والقوات المساندة، أسفرت عن مقتل حوالي 800 شخصا، واتساع دائرة الانفلات الأمني، تحولت النهود الى منطقة عمليات للنهب والعنف الممنهج ضد المدنيين، وهو ما كشف عنه تقرير مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي والإعلام الذي اطلعت عليه (العودة) وتضمن انعكاس مباشر على النشاط الاقتصادي، خاصة في قطاع الصمغ العربي الذي يحتاج العمل فيه والانتاج على الاستقرار والأمان.

*استهداف النساء في مناطق الهشاب*

ركز التقرير على ”العنف المفرط” الذي يتعرضن له النساء وهن يشكلن اغلبية ساحقة كعاملات في جنائن الهشاب بعد هجرة الرجال وتشردهم بسبب الحرب بين نازح ولاجئ، مما جعل النساء الأكثر عرضة للمخاطر وانتهاكات المليشيا خاصة أثناء العمليات الانتاجية المعرفة باسم “طق الصمغ”، حيث تتنوع تهديدات المليشيا بين الاعتداءات الجسدية واللفظية، والابتزاز المالي، الأمر الذي جعل وصول العاملات لمناطق الإنتاج محفوفاً بالمخاطر، مما أدى إلى تراجع ملحوظ في إنتاج الصمغ.

كما وثّق التقرير حوادث حرق متعمد للمحاصيل الزراعية ومخزون الصمغ العربي في عدد من القرى بالمنطقة، من بينها قرية “أبو ماريقة”، التي تعرضت لتدمير كميات كبيرة من الفول والكركدي والصمغ بواسطة المليشيا والمرتزقة، مما أدى إلى فقدان مئات الأسر لمصادر دخلها الأساسية.

*نهب واسع*

وكشف التقرير كذلك عن النهب تحت تهديد السلاح، لأكثر من ألف طن من الصمغ العربي كان في مخازن التجار المحليين.

عمليات النهب المسلح هذه صنعت الشبكات من “تجار الحرب” يعملون خارج الأطار القانوني، مستفيدين من حالة الفوضى الأمنية، وإضعاف دور المؤسسات الرسمية في تنظيم تجارة الصمغ العربي.

*الخسائر بالأرقام*

وأظهر التقرير أرقاماً صادمة لحجم الانهيار في قطاع الصمغ العربي، الذي انخفضت صادراته من 150 ألف طن سنوياً قبل الحرب إلى أقل من 50 ألف طن فقط خلال موسم 2023-2024، بنسبة تراجع تجاوزت 60%.

كما تراجع سعر الطن بشكل حاد من 2,755 دولاراً في عام 2022 إلى ما بين 1,000 و1,450 دولاراً، نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد وسيطرة شبكات التهريب المرتبطة باقتصاد الحرب، أدى الى حرمان المنتجين من تحقيق العائدات المجزية المتوقعة مقابل مجهوداتهم.

ووصف التقرير مؤشرات هذه الأرقام بأنها تمثل ضربة قاسية للاقتصاد القومي، نظرا للأهمية الاستراتيجية لسلعة الصمغ العربي كأحد أهم صادرات السودان.

*الآثار الاجتماعية والبيئية*

بجانب الحرب المدمرة ومآسي الانتهاكات الفظيعة للمليشيا ضد المدنيين بغرب كردفان، كانت هناك أبعادا اجتماعية وبيئية خطيرة، حيث أدى تدهور الأوضاع الأمنية لندرة الايدي العاملة في طق الهشاب وحصاد الصمغ بسبب الهجرة الواسعة من الشباب نحو العمل في التعدين، مما دفع بالنساء والأطفال لتشكيل النسبة الأكبر من العاملين في قطاع الصمغ، وسط ظروف قاسية تفتقر لأبسط مقومات الحماية، ما يزيد احتمالات تعرضهم للاستغلال وانتهاكات المليشيا في المنطقة.

من جهة اخرى، حذر التقرير من تنامي ظاهرة القطع الجائر لأشجار الهشاب لاستخدامها كوقود، نتيجة انعدام البدائل، وهو ما يهدد بشكل مباشر الاستدامة البيئية لحزام الصمغ العربي، ويضع هذا المورد الحيوي على حافة التدهور طويل الأمد.

*انتهاكات النواثيق الدولية*

واعتبر مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي والإعلام في تقريره أن ما يحدث في النهود بولاية غرب كردفان يمثل انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية، بما في ذلك القرار الأممي 1325 الخاص بحماية المرأة في النزاعات، وبروتوكول “مابوتو” بشأن حقوق المرأة في أفريقيا.

وأشار التقرير بوضوح إلى أن استهداف النساء اقتصادياً وحرمانهن من مصادر دخلهن واستخدامهن كوسيلة ضغط في سياق النزاع، يرقى إلى مستوى “الجريمة الاقتصادية” التي بالضرورة تستوجب اخضاع مرتكبيها للمساءلة الدولية.

*إدانة المليشيا وتحذير من دمار قطاع الصمغ*

واختتم التقرير، بمطالبة المجتمع الدولي بالعمل على اتخاذ خطوات عاجلة، تشمل الإدانة الصريحة لانتهاكات المليشيا ومرتزقتها، وفتح تحقيقات مستقلة حول نهب الموارد الطبيعية، وإدراج هذه الانتهاكات ضمن ملفات جرائم الحرب في السودان ضد الدعم السريع ودولة الإمارات التي ثبت بالأدلة الموثقة مشاركتها في هذه الجرائم المتعددة.

كما أوصى التقرير بتقديم دعم عاجل للنساء المتضررات في مناطق إنتاج الصمغ، خاصة اللاتي فقدن مصادر رزقهن نتيجة عمليات الحرق والنهب، مع ضرورة العمل على إعادة تأهيل قطاع الصمغ العربي وضمان استدامته كأحد أعمدة الاقتصاد الوطني السوداني.

وإضافة لذلك حذر التقرير من أن استمرار الوضع الحالي دون تدخل حاسم قد يؤدي إلى انهيار كامل في قطاع الصمغ العربي بغرب كردفان، مع ما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وإنسانية واسعة النطاق، ليس فقط على المستوى المحلي بكردفان، ولكن كذلك على كل الاقتصاد السوداني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى