رمضان محجوب… يكتب : مؤتمر برلين.. مقصلة الوصاية وفخ المليشيا

■ تطل برؤوسها من جديد الأجندة الدولية المتجاوزة لإرادة الشعوب، حيث يُنسج في الخفاء والعلن “ملتقى برلين” ليكون حلقة جديدة في سلسلة التآمر على السيادة السودانية، في محاولة بائسة لإحياء مسارات لفظها الواقع الميداني والوجدان الشعبي الذي بات (واعي ومفتح) لكل شاردة وواردة. هذا المؤتمر الذي يرتدي ثوب الحصافة الدولية، لا يمكن قراءته بمعزل عن الأدوار المشبوهة التي يلعبها الألماني “فولكر بيرتس”، عراب الاتفاق الإطاري الذي أشعل فتيل الأزمة، والذي يبدو أنه لا يزال يمارس هوايته في هندسة الخراب تحت لافتات براقة تخفي وراءها أنياب الوصاية.
■ فكرة هذا الملتقى المحورية تنطلق من أهداف خبيثة تسعى لفرض واقع سياسي مشوه، يتجاوز التضحيات الجسام التي قدمها الشعب السوداني في معركة الكرامة، ويهدف بالأساس إلى صناعة مخرج آمن للمليشيا الإرهابية بعد أن ضاق عليها الخناق ميدانياً وأخلاقياً وصارت (في فتيل) الهزيمة الحتمية.
▪️ مسارات هذا المؤتمر صممت بعناية لخلط الأوراق؛ فبينما يُطرح المسار “الإنساني” كواجهة عاطفية لاستدرار العطف الدولي، والمسار “السياسي” كمنصة لإعادة التدوير، أُقحم المسار “المدني” ليكون طوق نجاة للقوى السياسية التي شكلت الحاضنة “السياسية” للتمرد.
■ هذه الحواضن، المتمثلة في تحالفات “تأسيس وصمود” وغيرها من المسميات، تسعى لاستعادة مشهد ما قبل 15 أبريل 2023، متجاهلة أن دماء الشهداء وأنين المهجرين قد رسموا خطاً فاصلاً لا يمكن أن يتخطاه أي (زول) يعشق تراب هذه الأرض، أو يقبل بأن تعود عقارب الساعة إلى الوراء لتمنح المعتدي شرعية مفقودة.
▪️ومحاولة إنقاذ المليشيا عبر هذه المؤتمرات تعكس عجز المجتمع الدولي عن الاعتراف بالحقيقة الماثلة، وهي أن قوات الشعب المسلحة وبإسناد شعبي منقطع النظير، قد استطاعت كسر شوكة المخطط الإقليمي والدولي الذي استهدف تفتيت السودان.
■ الموقف الرسمي للحكومة السودانية جاء حاسماً وصفعة في وجه هذه التحركات، وهو ما عبر عنه نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار برفضه الرسمي لأي دور لدول الجوار التي تدعم المليشيا، مؤكداً بلهجة (قوية وما فيها لولوة) أن لا أحد يملي على السودانيين قرارهم، مع الجزم بأن السيادة ليست محل تفاوض.
▪️هذا الرفض الرسمي يرتكز على قاعدة صلبة من الرفض الشعبي العارم، فالشارع السوداني الذي ذاق ويلات التنكيل والتهجير على يد المليشيا وحلفائها، يدرك جيداً أن من صمت عن إدانة الفظائع لا يمكن أن يكون وسيطاً نزيهاً.
■ وعي السودانيين الجمعي بات يفرق جيداً بين المبادرات الصادقة وبين المسرحيات الدولية التي تُمول بأموال إقليمية معروفة الغرض، تهدف إلى إبقاء دور سياسي لمن أعلنوا الحرب على الدولة والمواطن، واصطفوا خلف مشروع “آل دقلو” التخريبي الذي بات (فرتكة) لنسيج المجتمع.
▪️توقعات الفشل تلاحق “ملتقى برلين” قبل أن يبدأ، فالمآلات تشير إلى أنه سيمضي كسابقه من مؤتمرات باريس ولندن، حيث تولد مخرجاتها ميتة لأنها تفتقر إلى التفويض الشعبي، وتصطدم بصخرة الصمود الوطني الذي يرفض المساواة بين الجيش والمليشيا.
■ أي حوار سياسي يتجاهل التحولات الكبرى التي أحدثتها معركة الكرامة هو حوار معزول عن الواقع ومحكوم عليه بالبوار، فالشعب السوداني قرر بوضوح أن لا عودة لمن تآمروا على أمنه، وأن الذين (ركبوا الموجة) وانعقدت ألسنتهم عن إدانة جرائم الاغتصاب والنهب لا مكان لهم في صياغة المستقبل.
▪️الرسالة التي يجب أن تصل إلى برلين ومن وراءها، هي أن ميدان الكرامة قد أعاد صياغة النسيج الوطني على أسس من القوة والوضوح، وأن المحاولات المتكررة لفرض “الاتفاق الإطاري” بنسخ معدلة لن تزيد الشعب إلا إصراراً على تطهير البلاد.
■ إرادة السودانيين ستظل هي الصخرة التي تتحطم عليها أحلام “فولكر” ومن شايعه من الذين يبيعون (الترطيبة) الزائفة في أسواق النخاسة الدولية، وسيقف التاريخ شاهداً على أن هذا التيار الوطني العريض قادر على إفشال المخططات المفضوحة، مهما تجملت بقناع الدبلوماسية أو تدثرت بشعارات السلام الكاذبة.
▪️استبصارنا بتجربة الحرب وما قبلها منحنا البوصلة الصحيحة، والخطوات لما بعد الانتصار قد رُسمت بمداد من العزيمة، مما يجعل أي تجمع خارجي يسعى لفرض حلول “مستوردة” مجرد حرث في البحر.
■ الحديث عن “المسار الإنساني” في غرف برلين المكيفة يبدو منفصلاً تماماً عن أنين الأمهات في كردفان وصراخ الأطفال في دارفور، فالوجع السوداني لا يداوى بـ “بروتوكولات” دولية مشبوهة، بل بانتزاع الحق من بين أنياب المعتدين.
▪️ والكرامة التي يتحدث عنها الجيش اليوم ليست مجرد شعار سياسي، بل هي لقمة العيش الكريمة التي سُرقت من بيوتنا ، وهي الأمان الذي لن يوفره “مانحون” يمولون المؤتمرات بيد ويدعمون “القتلة” باليد الأخرى في مفارقة أخلاقية سيسجلها التاريخ بمداد من الخزي.
■ ملتقى برلين سينقضي ويبقى السودان شامخاً بجيشه وشعبه، مدركاً أن الحل الحقيقي ينبع من فوهات البنادق التي تحمي العرض والأرض، ومن العقول الوطنية التي ترفض الارتهان للخارج، لتكتب في نهاية المطاف صفحة الخلاص الوطني بعيداً عن (عرس الزين) الدولي الزائف وصناعة الأزمات.
▪️ فالإرادة الوطنية ليست سلعة تُعرض في المزايدات السياسية، بل هي عهدٌ معمد بالدم والدموع، وميثاقٌ غليظ لا يملك “فولكر” ولا غيره من أدوات الهدم حق العبث به أو محاولة تشكيله وفق أهواء المانحين.
■ الرهان الآن ليس على ما تسفر عنه طاولات “برلين” المائلة، بل على سواعد الرجال في خنادق القتال التي توحدت فيها إرادة الأمة لتطهير كل شبر من دنس التمرد، وإعادة الأمن والاستقرار بعزة وكرامة سودانية خالصة لا تقبل القسمة على اثنين. وسيذكر التاريخ أن السودانيين في أحلك ظروفهم رفضوا “الفتات” السياسي وفضلوا استرداد سيادتهم كاملة غير منقوصة، ليعلنوا للعالم أن فجر الخلاص قادم لا محالة، وأن كل مخططات (الفرتكة) قد تحطمت تحت أقدام الأبطال في معركة المصير والكرامة.
▪️نوء أخير…
السودان للسودانيين.. والسيادة لا تُجزأ.



