الألغام الأرضية.. تحت رماد الحرب.. تحدي..

الخطر الكامن الذي يسبق الرواية الإعلامية..

إنفجار الخرطوم.. مخلفات الحرب ومحاولات تضليل الوعي..

تفكيك خطاب “الإستهداف”.. هُزمت المليشيا عسكرياً فناورت إعلامياً

الدولة تُطمئن.. احترافية ميدانية في إزالة المخاطر وبناء الأمن

تقرير تحليلي إستقصائي / علم الدين عمر

لم يكن دوي الإنفجار الذي أخترق سكون الخرطوم الليلة الماضية مجرد حادثة صوتية عابرة نتاج (صوتيات) المشهد السوداني المعتادة..بل كان إنفجاراً حقيقياً لواحدة من تحديات مرحلة ما بعد الحرب العسكرية والأمنية الحتمية.. فبينما أكدت الجهات المختصة أن الحادث ناتج عن لغم أرضي من مخلفات حرب أبريل التي حاولت مليشيات الدعم السريع إبتلاع الدولة السودانية عبرها.. إنبرت منصات تابعة لها لترويج رواية “إستهداف جديد للعاصمة”..في محاولة تعكس—بوضوح—حالة الإرتباك الإستراتيجي التي تعيشها المليشيا بعد تراجعها الميداني..
غير أن القراءة المهنية المتأنية للواقعة تضعها في سياق مختلف تماماً.. نحن أمام أثر متأخر لحرب زرعت أدواتها القاتلة في الأرض..وليس أمام فعل عسكري جديد.. والأهم.. أن الحادثة—رغم خطورتها—لم تسفر عن أي خسائر في الأرواح..وهو مؤشر بالغ الدلالة على مستوى الإستجابة والجاهزية الفنية وكذلك ضرورة الإنتباه لتفعيل آليات الإنذار المبكر ونشر خطاب التوعية بصورة أكبر وأكثر فاعلية..

تفكيك رواية “الإستهداف”.. مناورات إعلامية في فراغ الميدان..

الترويج لفرضية “إستهداف الخرطوم بمسيرات أو ضربات جديدة” التي أنتظمت المواقع الرسمية وغير الرسمية والشخصية لناشطي مليشيا الدعم السريع وداعميها يتناقض مع جملة من المعطيات الفنية والميدانية.. فخصائص الإنفجار.. وطبيعته المحدودة وموقعه كلها تشير إلى لغم أرضي تقليدي من مخلفات الحرب والقتال داخل الأحياء خلال فترة تواجد المليشيا قبل أن يتم دحرها وطردها من العاصمة التي كانت تحرسها.. وليس إلى ضربة جوية أو هجوم بمسيرات.. والتي عادة ما تترك أنماط دمار مختلفة وآثاراً أوسع نطاقاً..
هذا التضليل لا يمكن فصله عن السياق الأوسع.. لكون المليشيا التي فقدت زمام المبادرة عسكرياً.. باتت تعتمد على تكتيك “إرباك الرواية” والتشكيك في أمن العاصمة ومحاولة منع المواطنين من العودة إليها ومباشرة تعميرها وتطبيع الحياة داخلها..عبر بث معلومات مضللة تستهدف تقويض الثقة في إستقرارها وإيهام الرأي العام بأن الخطر ما يزال قائماً بنفس الوتيرة.. لكن الوقائع على الأرض تكذب هذه الادعاءات.. فالخرطوم..رغم التحديات تمضي نحو أستعادة توازنها الأمني تدريجياً.. في ظل إنتشار القوات النظامية.. وتكثيف أعمال التأمين.. وتراجع واضح في مظاهر التهديد المباشر…

الألغام… إرث ثقيل لتمرد مدعوم من الخارج بلا مسؤولية..

المعضلة الحقيقية التي كشفتها الحادثة ليست في “الهجوم الجديد المزعوم”.. بل في الإرث الثقيل الذي خلفته الحرب..خاصة حيال لجوء المليشيا إلى زراعة الألغام في المناطق السكنية.. في سلوك يعكس إستخفافها الصارخ بحياة المدنيين..
حيث تشير البيانات إلى أكثر من 20 ألف لغم تم أكتشافه وإبطاله في الخرطوم وحدها.. وهو رقم يكشف حجم الكارثة التي كانت موقوتة تحت أقدام المواطنين..ومع ذلك.. فإن القاعدة المعروفة في هذا المجال تؤكد أن الوصول إلى نسبة تطهير كاملة أمر شبه مستحيل..ما يعني أن الخطر سيظل قائماً—حتي إن كان بدرجات متناقصة—لفترة من الزمن..
هنا تبرز أهمية الوعي المجتمعي..كخط دفاع أول وليس مجرد دور تكميلي.. فالمواطن..حين يدرك طبيعة الخطر.. ويتعامل بحذر مع الأجسام الغريبة.. يصبح شريكاً أساسياً في تقليل المخاطر.. إلى جانب الجهود الرسمية..

إحترافية الأجهزة..عمل هندسي صامت يسبق الطمأنينة..

في مقابل هذا التحدي..تتحرك الدولة السودانية عبر منظومة متكاملة.. تقودها فرق فنية متخصصة في القوات المسلحة..مدعومة بالأجهزة ذات الصلة.. وبخبرات تراكمية في التعامل مع الذخائر غير المنفجرة..
متجاوزة لصدمة ردود الأفعال..للعمل وفق خطط مدروسة تشمل المسح الهندسي..والتطهير المرحلي.. وتأمين المناطق..مع الإلتزام بأعلى معايير السلامة..ما حال دون وقوع خسائر بشرية حتي الآن رغم عظم التحديات وصعوبة الإحاطة بمخلفات حرب شنتها قوي مسلحة ومدعومة خارجياً من داخل الصندوق..وهو إنجاز مهني يعكس مستوى الجاهزية..
كما تتكامل هذه الجهود مع عمل لجنة مكافحة الألغام..التي تنفذ برامج توعية وتحدد المناطق الخطرة.. وتضع إشارات تحذيرية،..في إطار مقاربة شاملة تجمع بين المعالجة الفنية والوقاية المجتمعية..

الأمم المتحدة..فرصة تعزيز المسار..

عودة نشاط الأمم المتحدة إلى الخرطوم تمثل فرصة لتعزيز هذه الجهود.. خاصة في مجال إزالة الألغام الذي يتطلب موارد كبيرة وخبرات متقدمة..رغم أن الدور الدولي.. مهما بلغ..يظل مكملاً للجهد الوطني إلا أنه قادر علي إحداث الفرق في ظل تراكم الخبرات والإرادة الدولية لمكافحة الألغام التي تمثل تحدياً كبيراً لسياسة الملعب الإنساني النظيف..
السودان..عبر مؤسساته..يقود المعركة على الأرض.. ويحدد أولوياته كدولة ذات سيادة بينما يمكن للشركاء الدوليين أن يسرّعوا وتيرة الإنجاز ويوفروا دعماً تقنياً ولوجستياً يسهم في تقليل المخاطر على المدى المتوسط..

خلاصة المشهد..

إنفجار الخرطوم.. في جوهره.. ليس دليلاً على عودة التهديد بقدر ما هو تذكير بمرحلة لم تنتهِ آثارها بالكامل.. وهو..في الوقت ذاته إختبار لمدى نضج الخطاب العام في التعامل مع الأزمات.. هل ينجر المجتمع وراء روايات مضللة سياسياً وإعلامياً أم يقرأ الوقائع كما هي ويقوم بما هو مطلوب منه في سياق تكامل الأدوار ريثما تضع الحرب أوزارها بالكامل؟..
الدولة..يقع عليها عبء مضاعف في إدارة المخاطر،..ولابد لها من قيادة عمل إحترافي هادئ..يضع سلامة المواطن في مقدمة الأولويات..ما حدث بالأمس حادث خطير بلا ضحايا.. وإستجابة سريعة.. ورسالة طمأنة تحتاج لمزيد من العمل..
أما محاولات المليشيا لتصوير الحادث كـ“أستهداف”.. فهي لا تصمد أمام الحقائق بل تكشف عن أزمة خطاب أكثر مما تعكس واقعاً ميدانياً.. وبين هذا وذاك..يبقى الرهان الحقيقي على وعي المواطن..وثقته في مؤسساته..وقدرته على التمييز بين الخطر الحقيقي والضجيج المصنوع..
فالخرطوم..وهي تخرج من تحت ركام الحرب لا تحتاج فقط إلى إزالة الألغام من طرقها وأحيائها.. بل إلى تثبيت اليقين في نفوس أهلها.. أن ما حدث كان أثراً لحرب مضت..وأن ما يُبذل اليوم هو ضمانة ألا تتكرر..وأن الجهود المتكاملة هي وحدها الكفيلة بإحداث الفرق ورسم خارطة الأمان والعودة والتعمير..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى