​ياسر العطا.. “مهندس التوازنات” يقبض على جمرة الأركان

بروفايل :رمضان محجوب

لم يكن الفريق أول ركن ياسر العطا يوماً مجرد جنرال يرتدي “الكاكي” ويدير غرف العمليات، بل هو في الوجدان العسكري السوداني يمثل مزاوجة نادرة بين صرامة القائد الميداني ودهن السياسي الذي يقرأ ما بين السطور. وحين صدر قرار تعيينه امس الخنيس رئيساً لهيئة الأركان في هذه اللحظة التاريخية المفصلية، لم يكن الأمر مجرد ترقية روتينية، بل كان “استدعاءً للضرورة”؛ فالرجل الذي تشبع برائحة البارود في أحراش الجنوب، وخبر دهاليز السياسة في الخرطوم، يُنظر إليه اليوم كصمام أمان لمؤسسة عسكرية تواجه أخطر مهدد وجودي في تاريخها الحديث.

​سيرة ومسيرة: من “الكلية” إلى قمة الهرم

​ينحدرالجنرال ياسر العطا من مدرسة عسكرية عريقة، فهو سليل أسرة ارتبط اسمها بالتاريخ العسكري والسياسي السوداني. تخرج في الكلية الحربية السودانية، وتدرج في الرتب والمناصب بفضل كفاءة ميدانية مشهود لها. خدم في مختلف التشكيلات العسكرية، من المشاة إلى الاستخبارات، مما منحه رؤية شمولية لعقيدة الجيش السوداني. وبرز نجم الرجل وطنياً عقب ثورة ديسمبر، حيث كان عضواً فاعلاً في المجلس العسكري الانتقالي، ثم عضواً في مجلس السيادة، ليكون حلقة الوصل الأقوى بين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية والمجتمعية.

​”معركة الكرامة”: صوت الحق والمدفع

​منذ الرصاصة الأولى في أبريل، لم يكتفِ العطا بإدارة العمليات من المكاتب المغلقة، بل تحول إلى “أيقونة معنوية” للمقاتلين في الخطوط الأمامية. كان العطا هو “صوت الكرامة” الجهور، الذي لم يتوارِ خلف الكلمات الدبلوماسية حينما تعلق الأمر بانتهاكات المليشيا المتمردة أو التدخلات الخارجية. فكان دوره المشهود في منطقة أم درمان العسكرية وتنسيقه العالي بين مختلف الأسلحة والمستنفرين، ذلك جعل منه قائداً يحظى بثقة “الشارع والخنادق” على حد سواء، مما مهد الطريق لتعيينه في هذا المنصب السيادي العسكري الأول.

ود العطا… ​ بين الحزم والمجازفة

​تتسم شخصية العطا بـ الإيجابيات التي يراها أنصاره في “وضوح الرؤية” وشجاعة اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة، وقدرته الفريدة على مخاطبة وجدان الشعب بلهجة سودانية أصيلة تكسر حدة الرسميات. أما ما يعتبره البعض تحديات أو “سلبيات” في مسيرته، فهي تتركز في صراحته المفرطة التي قد تسبب حرجاً دبلوماسياً أحياناً، وميوله لاتخاذ مواقف” متطرفة” ضد أي محاولات تسوية يراها منقوصة، وهو ما يضعه دائماً في عين عاصفة الجدل السياسي.

​أهمية المنصب وواجبات المرحلة

​يأتي تعيين العطا رئيساً لهيئة الأركان في توقيت يحتاج فيه الجيش إلى “وحدة القيادة” و”سرعة الحسم”. وتتمثل واجبات منصبه في:​إعادة ترتيب وهيكلة القوات لضمان سرعة الانتقال من الدفاع إلى الهجوم الشامل.بجانب ​تعزيز التنسيق مع القوات النظامية الأخرى والمقاومة الشعبية تحت مظلة عسكرية موحدة.
​تأمين العمق الاستراتيجي للسودان وتطهير المدن من جيوب التمرد.

​المنتظر من “الرجل القوي”

​ينتظر السودانيون من ياسر العطا في منصبه الجديد تحويل “الانتصارات التكتيكية” إلى “حسم استراتيجي” ينهي معاناة التشريد والنهب. فالمطلوب منه هو ارساء دعائم التلاحم الشعبي العسكري الحالي، ووضع خطة دفاعية تمنع تكرار اختراق النسيج الوطني، مع الحفاظ على مهنية المؤسسة العسكرية بعيداً عن الاستقطابات الحزبية الضيقة.

فجرٌ جديد على أسوار القيادة

يقف الفريق أول ركن ياسر العطا اليوم على عتبة مرحلة لا تحتمل أنصاف الحلول. هو يدرك أن المنصب ليس تشريفاً بل هو “تكليفٌ بمداد من دم وتضحيات”. وفيما تشرق شمس تعيينه على رئاسة الأركان، ترقب العيون تلك اليد التي طالما لوّحت بالبشرى، وهي تمسك اليوم بزمام القيادة لتصيغ فصلاً جديداً في كتاب السيادة الوطنية؛ فصلٌ عنوانه العريض: “الأرض لا تخون من يذود عنها بصدق”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى