لا أتجوّل كثيرا في مواقع التواصل الاجتماعي حتى لا أُصاب بالغثيان… لكن ما لفت نظري مؤخرا ذالك الفيديو ذو الطابع الغنائي.

مسافات… جدية عثمان 

لندن 4 أبريل 2026 

وليس الحديث هنا عن أغاني البنات أو أغاني “القونات”، فقد اعتدنا للأسف على هذا النوع من الانحدار، حتى صار يُقدَّم للبعض وكأنه أمر عادي أو مشهد مألوف.ما شدّ انتباهي وما آلمني حقا، هو مشهد طفل لا يتجاوز السابعة من عمره…

طفل صغير بريء الملامح، يجلس وسط مجموعة من النساء والبنات ممسكا بـ”الدلوكة” ويغني كما لو أنه “قوتة ” محترفة بينما تردّد النساء من خلفه كما لو أنهن “كورس” مدرّب على هذا المشهد!

هنا لم أعد أنظر إلى الفيديو على أنه مجرد لقطة عابرة أو مادة للتسلية…

بل رأيته جرس إنذار خطير ومشهدا مؤلما يلخّص حجم العبث الذي بدأ يتسلّل إلى طفولتنا دون أن نشعر.

ما آلمني حقا ليس صوت الطفل…

ولا حتى طريقة تفاعل النساء من حوله…

بل الذي وجع قلبي هو أن هذا الطفل، الذي كان يجب أن يكون ممسكا بالقلم أو بالريشة والألوان، أو بحقيبة المدرسة، أو يركض خلف حلم صغير يشبه عمره… وجدناه يُدفع دفعا إلى مسرح لا يشبه براءته، وإلى دور لا يليق بسنّه وإلى صورة مشوّهة لطفولة كان يجب أن تُصان لا أن تُستغل و الطفل ليس أداة للفرجة و الطفل ليس مشروع ترند. الطفل ليس وسيلة لجمع الإعجابات والمشاهدات.

الطفل أمانة…والطفولة مرحلة تأسيس لا مرحلة استعراض حين نضحك على هذه المشاهد أو نشاركها بلا وعي أو نبرّرها تحت عنوان الونسة و الظرافة فإننا نشارك ولو بالصمت في جريمة تُرتكب بحق هذا الجيل.

إن الطفل الذي نراه اليوم ممسكا بالدلوكة وسط الزغاريد والترديد، قد نراه غدا ضائعا بين أدوار لم يخترها، وصور فُرضت عليه ومسار تشكّل بعيدا عن التربية السليمة والتوجيه القويم.

نحن نخسر الأطفال بصمت.

نخسر براءتهم ونخسر ملامحهم الحقيقية ونخسر حقّهم في أن يكبروا بشكل طبيعي متوازن نقي.

الأوطان لا تُبنى بالضجيج بل تُبنى بالأطفال بالعقل الذي نرعاه بالأخلاق التي نغرسها بالمدرسة التي نحميها،

بالأسرة التي تعي دورها وبالمجتمع الذي يرفض أن يرى الطفولة تُذبح على مسرح الترفيه الرخيص.

نهاية قولي و المجمل

أطفالنا هم عماد الأوطان.

وإذا انهارت القيم في وجدان الطفل، فلا تنتظروا وطنًا متماسكًا في المستقبل.

مسافات… جدية عثمان

لندن 4 أبريل 2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى