منى ابوزيد تكتب : عمر افتراضي..!

هناك فرق..

“كل نص قانوني لا يجد من يحميه، سيتحول بمرورالوقت إلى وجهة نظر”.. الكاتبة..!

في آخر حلقات بودكاست قيلولة على منصة العودة، وفي لحظةٍ ما من الحوار، لم يقل الخبير الدستوري الدكتور محمد أحمد سالم شيئاً صادماً بقدر ما كان يقول شيئاً متأخراً، عندما تحدث عن انتهاء صلاحية الوثيقة الدستورية ووجوب إلغاءها..!

الوثيقة الدستورية لم تعد تصلح ليس لأنها أخطأت أحياناً فقط، بل لأنها تُركت في منتصف الطريق. والوثائق الدستورية لا تموت فجأة بل تذبل.

تبدأ قوية، مُحمّلة بوعود الانتقال، ثم شيئاً فشيئاً تتآكل من الداخل، ليس بفعل النصوص، بل بفعل من يفسرونها على مقاس اللحظة، وعلى قدر الشهوة السياسية، وهذا ما حدث..!

وثيقة وُلدت من اتفاقٍ بين ثلاثة شركاء، لم يصمد منهم اثنان داخل فكرة الدولة نفسها، فكيف لوثيقةٍ أن تبقى، بينما أطرافها يتساقطون خارجها؟. إذاً اسؤال هنا ليس عن التعديل، بل عن وجود ما يستحق التعديل، بدلاً عن الإلغاء..!

في التفاصيل الصغيرة، كانت القصة تُكتب ببطء.

شرط عدم ازدواج الجنسية” لم يُلغَ، بل” استُثني”،

والاستثناء في السياسة ليس حلاً، بل باباً خلفياً لإعادة تعريف القاعدة. ومن هذا الباب، دخلت أول التنازلات ثم لم تخرج..!

ثم جاء المجلس التشريعي الذي لم يأتِ.

نصٌّ يمنح تسعين يوماً، وواقعٌ يمنح سنوات من الغياب، ومع ذلك استمرت السلطة وكأن النص مجرد اقتراح أدبي وليس إلزام قانوني. هنا تحديداً، لا تنكسر الوثيقة بل تُفرَّغ. تصبح شكلاً يُستخدم، وليس مرجعاً يُحتكم إليه..!

 

وفي مكانٍ آخر من النص، كانت “الكفاءة الوطنية المستقلة” تتحول بهدوء إلى محاصصة حزبية،

كأن الكلمات نفسها تُعاد صياغتها دون أن تتغير حروفها..!

فكرة الثورة – أي ثورة – بسيطة “دولة لا تُدار بالغنائم”، لكن التطبيق كان أكثر وضوحاً “كل شيء يُدار كغنيمة”، حتى المواد التي لم تُخالف، لم تُنفذ.

مفوضيات لم تُشكَّل، استحقاقات لم تُنجز، ونصوص بقيت معلقة كوعودٍ انتخابية في زمنٍ بلا انتخابات.

أما التعديلات، فكانت قصة أخرى..!

كل تعديل لا يُصلح الخلل، بل يعيد توزيعه.

وكل اتفاق جديد – مثل اتفاق جوبا للسلام – لم يُنهِ الأزمة، بل أعاد ترتيبها على هيئة محاصصات أكثر تعقيداً. المفارقة أن الجدل لم يكن حول النص فقط، بل حول “كيف كُتب النص”. تغييرات في اللحظات الأخيرة، تكييفات قانونية متناقضة، بين من يراها تزويراً ومن يراها اجتهادات..!

لكن الحقيقة الأكثر بساطة” حين يُختلف على أصل الوثيقة، يصبح الاحتكام إليها نوعاً من الترف النظري”.

ما قال به الدكتور محمد أحمد سالم لم يكن دعوةً للهدم، بل اعترافاً بأن البناء نفسه لم يعد قائماً..!

هناك فرق بين وثيقة تحتاج إلى تعديل، ووثيقة لم يعد لها محل من الإعراب. وهناك فرق بين نصٍ يُنقذ المرحلة، ونصٍ أصبح جزءاً من أزمتها. وفي النهاية لا تسقط الدول حين تخالف دساتيرها فقط، بل حين تستمر في التظاهر بأن هذه الدساتير ما زالت تعمل..!

وربما لهذا، يبدو إلغاء الوثيقة – كما قال مولانا – ليس خياراً سياسياً، بل لحظة صدق متأخرة مع نصٍ انتهى، ولم يجد من يكتب له شهادة الوفاة بعد!.

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى