ترتيب مركز القرار.. بين الأشخاص وبناء المؤسسات

ملح الأرض

بقلم: خالد ماسا

في أغسطس من العام الماضي صدرت قرارات من القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قضت بتغييرات محدودة على مستوى وحدات القوات المسلحة وهيئة الأركان، وفي نهاية ديسمبر من ذات العام صدرت قرارات أخرى ولكن بصورة أوسع على مستوى هيئة أركان الجيش. وبالضرورة، في السياق الذي صدرت فيه هذه القرارات والتغييرات، هو سياق الحرب، وبالتالي قد يكون من الطبيعي أن تكون هذه القرارات والتغييرات جزءاً من التفاعل الطبيعي مع مطلوبات الحرب والواقع المتجدد فيها وتقييم القيادة العسكرية لتقارير الميدان، ولذلك كان منطق “الروتين” هو التعليق الصادر من الجهات الرسمية، إلا أنه كان للرأي العام والعين “السياسية” التي تقرأ القرار “العسكري” تفسيرات أوسع من “شماعة” الروتين العسكري، وتحكمت “الرغائب” في التحليل أكثر من المنطق والمعلومات، وإن علا الصوت القائل بأن ما حدث هو جزء من انتفاضة العسكر في وجه الاتهام بسيطرة الإسلاميين على مركز القرار العسكري، وأن ما حدث لا يعدو حالة كونه “عربون” لمحبة المجتمع الدولي وامتثالاً لطلباته المتكررة بفصل المؤسسة العسكرية عن ارتباطها برموز النظام السابق.

(*) المسافة بين الحقيقة والإشاعة ..

ونظرياً قد تبدو المسافة بعيدة جداً لمن أراد أن يقارن بينهما، إلا أن رمال الأخبار المتحركة في السودان نجد أنها قد قاربت كثيراً بين ما هو في وقتٍ ما في طور “الإشاعة”، ويمر بمراحل تخلق سريعة ليصبح حقيقة وواقعاً معاشاً. وعلى سبيل المثال لا الحصر، دعونا نعود بالذاكرة للتسريب الصوتي لمكالمة أنكر حقيقتها طرفا التسريب، السيد/ محمد سيد أحمد الجكومي رئيس الجبهة الثورية، والسيد/ نور الدائم طه وزير المعادن وعضو حركة تحرير السودان، ودفعوا بتهمة “الفبركة” لمكالمة بدأت بوجود “تغييرات فوق”، وتمت الإشارة بشكل مباشر لعضو مجلس السيادة الفريق ياسر العطا. هدأت العاصفة التي أثارها ذلك التسريب، ولكنه كان في وقتها بمثابة “الرادار” الذي يرصد كل حركات وسكنات سماء الرأي العام في السودان.

وهنا لا نود أن نقول بأن ما جاء في التسريب “المفبرك” بحسب نفي الجكومي ووزير المعادن قد طابق وقائع القرارات التي صدرت في الثاني من أبريل.

بيت الحكمة السودانية يقول في أبلغ توصيف لمثل هذه الحالات بأن “الفرق بين المديدة والعصيدة قبضة دقيق”، وشهر “أبريل” المعروف بكذبته جاءت فيه حقيقة القرارات التي كانت كذبةً وفبركةً في يناير الماضي.

الكثير من هذه القرارات تم اتخاذها داخل القوات المسلحة في أوقات السلم، وربما لم يُعلن عنها للرأي العام أو أنها خرجت ولم يُعرها الرأي العام أدنى اهتمام، إلا أن الاتفاق على أن الحرب سياق مختلف، وهي التي جعلت “خلفيات” إصدار القرار هي التي تشكل أهمية أكثر من القرارات نفسها، وصار “الروتين” العسكري يحمل دلالات “سياسية” ذات علاقة بتغييرات على مستوى هياكل الدولة.

قراءة الأثر الإيجابي لهذه القرارات، سواء بالتعيين أو الإحالة للمعاش داخل المؤسسة العسكرية، في غالبه شأن “فني” عسكري، تمتلك قيادات المؤسسة العسكرية وهياكل التقييم داخلها وحدها أدوات التقييم فيه، فقاعدة “ليس كل ما يُعرف يُقال” تظل موجودة ويتم تغطيتها بالتوضيح العام “الروتين”، ومن بعد ذلك تصبح التقييمات الأخرى مجرد اجتهادات وقراءة قرائن.

(*) أسئلة منطقية في ظل التغييرات ..

وعلى ضوء ما ذكرناه أعلاه، فإن “الخبر” ليس فقط في قرارات التعيين والإحالة داخل المؤسسة العسكرية، فالتداخل الذي أوجدته “الوثيقة الدستورية” تحت مظلة الشراكة بين ما هو عسكري وما هو مدني، وأوجدت له “مقامات” في هياكل السلطة كمجلس السيادة، يجعل السؤال منطقياً عن تأثير ما حدث على وضعية شاغلي المنصب السيادي الذين طالتهم القرارات بالتعيين في مواقع كرئاسة هيئة الأركان، والمقصود هنا بالضرورة هو الفريق ياسر العطا رئيس هيئة أركان الجيش الجديد، وتأثر المجلس بتكاليف عضوه الجديدة، والأرجح هنا الذهاب إلى التضحية بمجلس السيادة لصالح الترتيب الجديد لهياكل السلطة وترتيبات جديدة في مركز القرار. وحال الإبقاء على مشهد مجلس السيادة على حاله القديم، فإن ذلك يطعن في فعالية هذا التشكيل ونفاذ قراراته وأهميته.

وهنا، ولارتباط “مصفوفة” السلطات ببعضها، يأتي السؤال عن الفراغ الذي يمكن أن يحدث في هذه المصفوفة، خاصة وأنه من المعلوم بأن الفراغ “التشريعي” في المصفوفة التي تشكل السلطات كان يُسد، ومنذ توقيع الوثيقة الدستورية وحتى مرورها بمحطة اتفاق سلام جوبا والانقلاب عليها في وقت من الأوقات، وفي الاتفاق الإطاري وما بعد الحرب، بالشراكة بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء، وهو ما اعتُبر على الدوام شكلاً شائهاً واستثنائياً في مصفوفة بناء هياكل السلطة في سودان ما بعد التغيير. وتأسيساً على ذلك تتجه بوصلتنا في قراءة تأثيرات القرارات الأخيرة على بناء هذا الهيكل وتنفيذ ما كان مقترحاً بتشكيل “المجلس التشريعي”، ليصبح ميزان الوضع في مراكز القرار يرجح فرضية حل المجلس السيادي لصالح تشكيل المجلس التشريعي، والذي لا خلاف حول ضعف أداء الشق المدني ورمزيته في المجلس السيادي.

ويأتي السؤال أيضاً هنا حول هذه التغييرات، وهل التأثيرات المرجوة منها مرتبطة بالأشخاص؟ باعتبار أن القيادة القوية لديها قدرتها على التغيير، وأن الكفاءة الفردية لها الأثر، وأنه في دول بحال الدولة السودانية، والتي لا تزال تعيش طور تجربة بناء هياكل الدولة، فإن هنالك أثراً للشخصية في إدارة الحرب وإدارة الدولة.

الاعتماد على الأثر الشخصي ترك القرار في الدولة السودانية عرضة للتغيير المستمر، خصماً على رسوخ تجربة لهياكل دولة تخطط وتصنع القرار وتراقب تنفيذه، ومؤخراً تقف التجربة السودانية في هذا الخصوص شاهدة على الاختلاط بين ما هو خاضع للقرارات المعتمدة على الأشخاص وتلك التي تتبع لقرار المؤسسات، والذي في الغالب يؤدي إلى الاصطدام، وتجاوزه يؤدي إلى إضعافها بالضرورة.

ونحن هنا لا نود أن نقول بأن العطب يكمن في الأشخاص وحدهم، بل هو حال مرتبط بالاثنين معاً، بحيث تحتاج إيجابية مثل هذه القرارات والتغييرات إلى البناء على إصلاح العلاقة بين الأشخاص وهياكل الدولة، لأن هياكل الدولة الضعيفة أو المنقوصة تعطي الأشخاص مساحات أوسع في التجاوز، وهذا نتيجته دولة غير مستقرة، فتغيير المواقع دون تغيير “القواعد” الحاكمة لهذا التغيير يبقي المشهد المختل دون أي تغيير، لأن ضعف هياكل السلطة نتيجته الحتمية هي غياب الاستمرارية وضعف أجهزة الرقابة والمساءلة وتضارب الصلاحيات.

ويبقى الباب مفتوحاً لتناسل الأسئلة حول: هل يمكن اعتبار هذه القرارات والتغييرات بأنها البداية نحو بناء الدولة وهياكلها، أم هي قرارات ستبقى في حدود توزيع الأدوار؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى