حسن مكي يقرأ عبر “العودة” ما وراء خطاب البرهان الأخير

بشاعة دمار السودان تعادل حروب دول الخليج مجتمعة
إعمار جسور الخرطوم يتطلب تجاوز البروباغندا والعمل فوراً
الاتجاه شرقاً نحو موسكو وبكين ضرورة لإنقاذ الدولة
الدبلوماسية السودانية مطالبة باستعادة هيبتها بعيداً عن المحاور
تصفير المشاكل مع دول الجوار ذكاء استراتيجي مطلوب
سلطة الدولة القوية خيار عقلاني وحيد لمنع التلاشي
شرط السلام الأول هو التخلي التام عن السلاح
السودان لا يتحمل جيشين ولن يستقر بوجودهما معاً
حاوره: رمضان محجوب
تستضيف “العودة” في هذه المساحة التحليلية العميقة، البروفيسور حسن مكي، الخبير الاستراتيجي الذي لا تخطئ بصيرته قراءة ما وراء الأحداث. يأتي هذا الحوار ليغوص في أعماق الراهن السوداني المعقد، مفككاً مضامين خطاب الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بمناسبة السادس من أبريل. يتجاوز البروفيسور في طرحه حدود التوصيف التقليدي، ليضع يده على الجرح النازف في البنية التحتية والنسيج الاجتماعي السوداني، مقارناً إياه بكبرى الصراعات الإقليمية والدولية، ومقدماً خارطة طريق للعبور بالبلاد من مربع الشعارات إلى واقع البناء والتعمير.
■ بروفيسور حسن مكي، استهللت حديثك بالثناء على صمود القيادة العسكرية، كيف تقرأ هذا الصمود في ظل حصار مطبق امتد لأشهر طوال؟
= في البدء، لا بد من تقديم التهنئة والاعتبار المستحق لرئيس هيئة الأركان والقادة الذين صمدوا في منصاتهم طيلة هذا الحصار الجائر. إن ما حدث لم يكن مجرد ثبات عسكري، بل كان اختباراً شاقاً للغاية من الناحيتين العقلية والذهنية؛ فأن تدير دفة العمليات وتراقب تفكك الدولة تحت ضغط الحصار والمؤامرات أمر يتطلب ثباتاً غير عادي. واليوم نرى السودان لا يزال واقفاً رغم كل محاولات الكسر، وهذا يوجب علينا تقدير تلك الجهود التي بُذلت في أحلك الظروف، إلى أن وصل السودان لتماسك نسبي يبشر ببداية مرحلة جديدة لاستعادة المبادرة.
■ وصفت ما جرى في السودان بأنه فاق في قسوته ما حدث في دول الخليج وإيران وإسرائيل، ما المعايير التي استندت إليها في هذا التوصيف؟
= لعلنا نحتاج إلى إعطاء فكرة حقيقية للعالم عما جرى في السودان؛ إن ما تعرضنا له يعادل في بشاعته أكثر مما حدث لكل دول الخليج مجتمعة، بما فيها إيران والضربات المتبادلة مع إسرائيل. المعيار هنا ليس قوة الانفجارات أو عدد الصواريخ فحسب، بل الأثر الإنساني والاجتماعي العميق؛ فقد تعرضنا لـ “طوفان إنساني” جرف الأخضر واليابس. في تلك الدول ورغم الحروب، لم نسمع عن انتهاكات ممنهجة للأعراض بالمئات كما حدث عندنا، ولم نسمع عن تهجير الملايين قسراً ونهب مقتنياتهم الخاصة.
■ ننتقل للبنية التحتية؛ لماذا تعتبر التخريب الذي طال المؤسسات السودانية “شيئاً غير مسبوق” تاريخياً؟ وهل بالغت في مقارنة الخرطوم ببرلين ودمشق؟
= لست مبالغاً، بل الواقع هو الذي يتحدث. الفرق الجوهري بين حربنا والحروب الأخرى أن الأخيرة تنتهي ليعود الناس إلى مؤسساتهم ويجدوها بانتظار الإصلاح، لكن في السودان استهدف التدمير “عصب الدولة”؛ فدُمّرت الوزارات، وقُصفت المطارات، ونُهبت البنوك تماماً، حتى المتاحف جُرّدت من تاريخها. في سوريا، ورغم الحرب، ظلت دمشق آمنة نسبياً، وفي الحرب العالمية الثانية، ظلت لندن وبرلين تعملان كمركزين إداريين. أما في السودان، فقد اضطرت الدولة للانتقال لعاصمة بديلة، وهذا حدث ضخم يحتاج لآليات تحليلية بشرية عميقة لفهمه مستقبلاً، بعيداً عن أي استنتاجات مبرمجة.
■ بجرأتك المعهودة، انتقدت “العبث الإداري” في ملف الجسور والدعاية الورقية؛ هل تعتقد أن الطاقم التنفيذي الحالي قادر فعلاً على “القفز” كما طالبت؟
= يحزنني جداً أن تظل جسور حيوية مثل الحلفايا وشمبات على حالها المحطم، بينما تضج الوسائط بالدعاية والبروباغندا. سمعنا أحاديث كثيرة عن اتفاقيات مع شركات ثم إلغاؤها، وهذا “العبث” الإداري يجب أن ينتهي فوراً. المطلوب هو العمل الحقيقي على الأرض بآليات تنفيذية وطنية صادقة؛ فالجسور هي شريان الحياة، وبقاؤها معطلة عنوان للفشل في إدارة الأزمة. وعلى الطاقم التنفيذي أن يدرك أن الوطن لا يُبنى بالوعود، ومن لا يستطيع “القفز” لمواكبة حجم التحدي، فعليه أن يفسح المجال لغيره.
■ في رؤيتك الاستراتيجية، ركزت على “الاتجاه شرقاً”، ما خارطة التحالفات التي تقترحها للسودان بعيداً عن الضغوط الغربية؟
= الوقت يحتم علينا الالتفات بجدية نحو الشرق؛ فلا بد من فتح آفاق تعاون استراتيجي واسع مع الصين الشعبية، وتركيا (أنقرة)، وروسيا، وقطر (الدوحة). هذه الدول لديها القدرة والإرادة للتعاون دون إملاءات سياسية معقدة. السودان يحتاج اليوم لشركاء بناء لا لخبراء “توجيه سياسي”، والشرق هو الميدان الأنسب لهذا التعاون الذي يجب أن يُدار بعقول وطنية نابهة وليس عبر آليات دولية مفروضة تفتقر للحس الإنساني والوطني.
■ فيما يخص دول الجوار، ذكرت عبارة “تصفير المشاكل”، كيف يمكن تحقيق ذلك في ظل التوترات الراهنة والاتهامات المتبادلة؟
= لا بد أن تشتد الدبلوماسية السودانية وتستعيد قوتها ومبادرتها؛ فنحن لا نريد عداءً مستداماً مع أحد، بل نسعى لتصفير المشاكل مع كافة دول الجوار الحدودي. الحقيقة الماثلة هي أننا جميعاً في هذه المنطقة نحتاج للتنمية والتعاون المشترك. الدبلوماسية يجب أن تبحث عن المصالح المشتركة وتغلق ثغرات النزاع؛ لأن استقرار السودان من استقرار جيرانه، والعكس صحيح. “تصفير المشاكل” هو قمة الحصافة الاستراتيجية لتأمين حدود البلاد.
■ وجهت رسالة قوية للمجلس العسكري ومجلس الوزراء للابتعاد عن الخلافات؛ هل تلمس صراعاً “تحت الرماد” يعيق مسيرة الدولة؟
= النصيحة الأساسية هي ضرورة الابتعاد التام عن الخلافات الجانبية؛ فالوطن لا يتحمل الآن أي نوع من أنواع المجابهة داخل أجهزة الدولة. على الجميع أن يدرك أن الأوطان تبقى بالاحتراق الداخلي من أجل البناء، والعمل بإنكار ذات. ومن يجد في نفسه خلافاً فعليه أن “يحترق ذاتياً” بعيداً عن تعطيل مسيرة الدولة. الجهد الحكومي يجب أن يتركز على لم الشمل وتوحيد الرؤية؛ فالعبء ثقيل والمسؤولية لا تقبل القسمة على اثنين.
■ قلت إن “الحاكم الظالم أفضل من الفوضى”؛ ألا تخشى أن يُفهم هذا كضوء أخضر لتكريس السلطوية على حساب الحريات؟
= لست أدعو للظلم، ولكنني أوضح قاعدة استراتيجية وأمنية معروفة في فقه الضرورات. الفوضى هي العدو الأول للشعوب؛ فهي تقود إلى الخراب الشامل، وإلى نهاية الأمم، وإلى الانحطاط الأخلاقي والمادي. الحفاظ على كيان الدولة، وعلى مؤسسة الجيش كموحد للبلاد، هو الأولوية القصوى. في ظل الفوضى تضيع الحقوق والأعراض والدماء، لذا فإن وجود سلطة قوية هو الخيار العقلاني الوحيد لحماية المجتمع من التلاشي.
■ بالانتقال للملف العسكري، دعوت مكونات “الدعم السريع” لاستعادة رشدهم، ما شروط “السلم” التي تراها واقعية الآن؟
= السلم له شروط واضحة ولا تقبل المواربة، وأولها التخلي التام عن السلاح وخروج المليشيات من بيوت المواطنين والأعيان المدنية. السلاح يجب أن يكون حصرياً في يد الدولة ومؤسساتها الشرعية. السودان لا يتحمل “جيشين”، ولن يستقر إلا بإنهاء هذه الحالة الشاذة. السلم يبدأ من الاعتراف بخطأ التمرد والعودة إلى حضن الدولة وفق شروطها السيادية المتمثلة في مؤسساتها العسكرية الرسمية.
■ دعوت القوات المتحالفة مع الجيش حالياً لـ “مراجعة وتوبة وطنية”؛ هل تلمح إلى مخاوف من أجندات هذه القوى مستقبلاً؟
= نحن نعلم أن بعض هذه القوات كان لها دور في الماضي في تهديد استقرار الدولة، لكننا نأمل أن يكون انضمامها الآن للجيش نابعاً من “مراجعات حقيقية”. إن لم تكن هذه المشاركة نابعة من قناعة وطنية وتوبة عن أخطاء الماضي فهي مصيبة، ولكننا نغلب مصلحة الوطن الآن. المطلوب منها هو الاندماج الكامل في رؤية الدولة والجيش، والعمل كجسد واحد لحماية التراب السوداني بعيداً عن أي طموحات سياسية.
■ ركزت على “خلاوي القرآن الكريم” والتعليم كصمام أمان؛ كيف تخدم هذه المؤسسات التقليدية استراتيجية “ما بعد الحرب”؟
= التعليم هو الأساس، وخلاوي القرآن الكريم تمثل صمام أمان تاريخياً واجتماعياً في السودان؛ فهي من أكبر الحاضنات والموجهات للطلاب، خصوصاً في المناطق الطرفية والريفية. الاهتمام بهذه المؤسسات هو استثمار في الإنسان وفي القيم التي تحمي المجتمع من الانحلال بعد صدمة الحرب؛ فهي وسيلة لترميم الوجدان السوداني وربط الأجيال بهويتها، وحمايتها من الأفكار الوافدة التي تفتقر للروح الوطنية وتتعامل مع الإنسان كآلية صماء.
■ وصفت إيقاع العمل المطلوب بـ “القفز بدلاً من الهرولة”؛ ما الملفات الثلاثة التي يجب أن يقفز فيها السودان فوراً؟
= أولاً: ملف إعادة الإعمار، وتحديداً الجسور والمرافق الحيوية. ثانياً: ملف الاقتصاد وتثبيت العملة الوطنية عبر شراكات دولية قوية. ثالثاً: ملف العودة الآمنة للنازحين واللاجئين، وتوفير سبل العيش الكريمة لهم. هذه الملفات لا تحتمل البطء؛ فكل يوم يمضي دون إنجاز حقيقي يعني مزيداً من التآكل في جسد الدولة ومعاناة المواطن.
■ وجهت تحية لولايات معينة ولشعب السودان الصامد؛ ما أثر هذا “الاستنفار الشعبي” على موازين القوى الدولية؟
= الصمود الشعبي في نهر النيل، والولاية الشمالية، وشرق السودان، والنيل الأبيض، هو الذي غير المعادلات. العالم لا يحترم إلا الأقوياء، وهذا التلاحم بين الشعب والجيش هو الضمانة بأن السودان لا يمكن كسر إرادته. الاستنفار الشعبي أرسل رسالة للخارج بأن الشعب اختار مؤسساته بوعيه البشري الخالص، وهذا سيجبر القوى الدولية في النهاية على التعامل مع “الأمر الواقع” الذي تفرضه إرادة السودانيين.
■ ما رسالتك “الأخيرة” لرئيس الدولة بخصوص الضغوط الخارجية لفرض “تسوية” قد لا ترضي الشارع؟
= الرسالة واضحة: لا تستجيبوا للضغوط التي تحاول فرض أجندات لا تخدم مصلحة السودان. استمسكوا بالثوابت الوطنية، وتذكروا قوله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم). المرحلة تحتاج للثبات والصبر، فالنصر مع الصبر. إن الثبات على الموقف الوطني هو الذي سيحفظ كرامة السودان ويؤمن مستقبله، وأي تسوية يجب أن تنبع من الداخل وتلبي تطلعات المواطن الذي ضحى بكل شيء.
■ أخيراً بروفيسور حسن مكي، ما أمنيتك للسودان والسودانيين بعد ثلاثة أعوام من الحرب؟
= أمنيتي أن نرى إنجازات حقيقية ملموسة على الأرض؛ تحريراً للمدن المتبقية، وتعميراً للخرطوم، وإعادة بناء الجسور، وعودة النازحين لبيوتهم. نريد أن يُترجم التهليل والتكبير إلى عمل فعلي وبناء. نحن الآن في مرحلة “أوبة وتوبة” إلى الله، ونسأله سبحانه أن ينعم على بلادنا بالأمن والاستقرار، وأن يكون نهاية هذا العام بداية لعصر النهضة الشاملة بعيداً عن الحلول التي تعتمد على آليات التقنية الجوفاء وتغفل وجدان هذا الشعب العظيم. والحمد لله رب العالمين.



