(مسموح) الإقتراب والتصوير…
هل تعيد قرارات القائد العام رسم مركز الثقل داخل المؤسسة العسكرية؟..

ما الذي تقوله إعادة توزيع المهام عن مرحلة ما بعد الحسم الميداني؟..
هل نحن أمام هندسة جديدة للقيادة أم مجرد إعادة ترتيب إجرائي؟..
كيف تقرأ هذه الخطوة في سياق تماسك الجيش مقابل روايات التفكيك؟
تقرير تحليلي/ علم الدين عمر
والبلاد على تخوم إنتقال حساس (متعثر سياسياً ).. من مرحلة الصراع المفتوح لطور تثبيت الوقائع على الأرض.. جاءت قرارات القائد العام للقوات المسلحة..الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان..بإعفاء نائب القائد العام ومساعديه..وإعادة توزيع الأدوار داخل هيئة القيادة كخطوة تتجاوز بعدها الإداري المباشر إلى أفق أوسع من القراءة الإستراتجيية.. فمثل هذه القرارات..بالنسبة لجيش يخوض معارك وجودية وتلتف حوله كل قطاعات الشعب.. لا تُقرأ كتغييرات شكلية..بل باعتبارها مؤشرات على إعادة تعريف مراكز القرار.. وتكييف بنية القيادة مع مقتضيات المرحلة الجديدة..
القرار بإلغاء تعيين نائب القائد العام ومساعدي القائد العام.. مع الإبقاء عليهم داخل هيئة القيادة..يكشف بوضوح عن إتجاه نحو تقليل الطبقات القيادية الوسيطة.. وتعزيز مركزية القرار في قمة الهرم العسكري..دون التفريط في الخبرات المتراكمة..هذه المعادلة الدقيقة—تقليص المناصب دون إقصاء الكفاءات—تعكس وعياً مؤسسياً بمقتضيات المرحلة وإلتقاطاً واضحاً من القيادة لضرورة إرسال رسائل متعلقة بإحترافية الجيش وعدم تأثره بمحاولات الإضعاف الهيكلي التي تستهدفه..إضافة لوجود وحدة توجيه صارمة..خاصة بعد التحولات الميدانية التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية..
في المقابل..يعتبر تعيين مساعدين بمهام محددة—الفريق أول شمس الدين كباشي لشئون البناء والتخطيط الإستراتيجي والفريق إبراهيم جابر للعلاقات الدولية والتعاون العسكري والفريق أول وميرغني إدريس للصناعات الدفاعية.. إلى جانب تعيين اللواء حقوقي مدير جديد للقضاء العسكري—يؤشر إلى إنتقال نوعي من منطق “إدارة الحرب” إلى منطق “إدارة ما بعد الحرب”..فهذه الحقائب ليست عسكرية تقليدية بقدر ما هي مفاتيح لمرحلة إعادة البناء.. تخطيط إستراتيجي وإعادة تموضع دولي..تطوير الصناعات الدفاعية.. وإحكام البنية القانونية داخل المؤسسة للتعامل مع كم هائل من القضايا المتقاطعة مع مسارات أخري أكثر تعقيداً مما تبدو..
من هذه الزاوية.. يمكن القول إن القرارات تعكس إدراكاً متقدماً بأن المعركة أنتقلت من خطوط التماس المباشر لكيفية تحويل المكاسب العسكرية إلى مكاسب سياسية ومؤسسية مستدامة.. فالتخطيط الإستراتيجي مثلاً تحول لضرورة لإعادة هيكلة الجيش وفق تهديدات المستقبل.. وليس وفق معارك الأمس..كما أن ملف العلاقات الدولية والتعاون العسكري يكتسب أهمية مضاعفة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي..حيث تسعى الدولة إلى إعادة تقديم نفسها كشريك مستقر بعد فترة من الإضطراب..
أما إعادة الثقة في مسؤول الصناعات الدفاعية.. فهو في جوهره إعلان ضمني عن توجه نحو تقليل الإعتماد الخارجي.. وبناء قدرات ذاتية تضمن إستقلال القرار العسكري..وفي السياق ذاته.. فإن إعادة ترتيب القضاء العسكري تعكس إهتماماً متزايداً بضبط الأداء المؤسسي وفق معايير الجيش.. وهو أمر بالغ الأهمية في مرحلة ما بعد العمليات.. حيث تتزايد الحاجة إلى ترسيخ الإنضباط والمساءلة..
غير أن الأهم من كل ذلك..هو ما ينبغي أن يُقرأ في مواجهة الروايات التي تحاول تفسير هذه القرارات من زاوية “تفكيك القيادة” أو “تعزيز صراعات داخلية”.. فالإبقاء على القيادات المعفاة ضمن هيئة القيادة.. ينسف عملياً هذه الفرضيات.. ويؤكد أن ما يجري هو إعادة توزيع أدوار وليس إعادة إنتاج خصومات..لأن هذا النمط من القرارات يعكس في كثير من الجيوش المحترفة درجة من التماسك تسمح بإعادة التموضع دون كلفة إنقسام..
وفي هذا السياق.. تبدو نظرية “المؤامرة على تماسك الجيش” قراءة قاصرة.. تتجاهل طبيعة التحولات التي تمر بها المؤسسات العسكرية في أعقاب النزاعات الكبرى.. فالجيوش التي تنجح في الميدان..تجد نفسها مضطرة لإعادة ترتيب هياكلها بسرعة..هذه واحدة من أبرز نظريات الحرب وتحدياتها ..حتى لا تتحول إنجازاتها إلى عبء إداري أو تضخم بيروقراطي..ومن هنا.. فإن ما جرى يمكن فهمه كجزء من عملية “ترشيق” للقيادة.. تهدف إلى رفع كفاءة القرار..وتسريع الإستجابة.. وتحديد المسؤوليات بشكل أكثر دقة..
ولا يمكن فصل هذه القرارات عن السياق الأوسع الذي تتحرك فيه الدولة..حيث تتزامن مع ترتيبات الحكومة المدنية وسعيها لإعادة بناء مؤسساتها..فثمة تناغم واضح بين إعادة هيكلة القيادة العسكرية.. ومحاولات إعادة تنظيم الجهاز التنفيذي.. بما يشير إلى وجود رؤية كلية—ولو في طور التشكل—لإدارة المرحلة الانتقالية.. هذه الرؤية..إن إكتملت.. قد تمثل نقطة تحول في مسار الدولة..من حالة التشتت إلى حالة إعادة التماسك..
على المستوى الرمزي.. تحمل هذه القرارات رسالة مزدوجة..داخلياً..تؤكد أن المؤسسة العسكرية ما تزال قادرة على تجديد نفسها من داخلها.. دون الحاجة إلى صدمات خارجية.. وخارجياً..تبعث بإشارة إلى الشركاء الإقليميين والدوليين بأن الجيش يتحرك وفق حسابات مؤسسية..تتجاوز ردود الأفعال الظرفية..وهذه الرسالة بالغة الأهمية في الوقت الذي تسعى فيه البلاد لإعادة بناء الثقة مع محيطها..
في المحصلة.. يمكن القول إن قراري الإعفاء والتعيين لا ينبغي قراءتهما كحدثين منفصلين.. بل كجزء من عملية أوسع لإعادة هندسة القيادة العسكرية..بما يتلاءم مع مرحلة ما بعد كسر شوكة المليشيا وتراجعها في معظم الولايات..إنها محاولة لالتقاط أنفاس المؤسسة.. وإعادة ترتيب أدواتها.. والإستعداد لجولة مختلفة من التحديات—أقل صخباً في الميدان.. لكنها أكثر تعقيداً في السياسة والإدارة..
وبينما تستمر بعض الأصوات في البحث عن شقوق داخل الجدار..تبدو الوقائع أكثر ميلاً إلى تأكيد العكس.. لأن الجيش يعيد تنظيم صفوفه.. ويعيد توزيع الأدوار.. ودولة تحاول..ولو ببطء، أن تنتقل من تحدي البقاء إلى منطق البناء..



