بروفسير معز عمر بخيت يفتح قلبه ل” العودة” :
الوزير الذي لم يتقلد منصبه:

تلقيت خبر ترشيحي للوزارة بالتحدي
الحسد له دور كبير في كسر رجلي
كانت لدي استراتيجية واضحة لتطوير الوزارة
دكتور هيثم شاب نشط و عاصر الاحداث
قمت بطباعة ثلاثة دواوين و أنا ما زلت طالباً.. نعم عندي ملهمة
حاوره: خوجلي الشيخ
بروفسير معز عمر بخيت اسم تعرفه الأوساط السودانية و العربية والعالمية.. شاعر مجيد و طبيب متميز وعالم جهبذ.. إعلامي متميز .. تم ترشيحه لمنصب وزير الصحة وقبل أن يستلم موقعه تعرض لكسر والتواء في رجله.. بروف معز عمر بخيت احد أبرز علماء السودان الذين نفاخر بهم.. جلسنا إليه ودردشنا معه في كثير من المناحي.. دسألناه عن ترشيحه لمنصب الوزير وعن الأحداث التي صاحبت هذا الترشيح وعن اكتشافاته وعن بداياته الشعرية وغيرها من الأسئلة.. شخصية مثل بروف معز تحتاج لصفحات وصفحات حتى تستطيع تغطية كل جوانب حياته المملوءة بالكفاح والنجاح لكننا اكتفينا بالقليل في عجالة اقتلعناها من وسط انشغاله.
………
مرحباً بك بروف معز ..
مرحباً بك أخي خوجلي.. أنا سعيد بالتحاور معك عبر هذه الإصدارة الرائعة.
*سوف أبدأ معك من الآخر مع النقطة الأهم في حياتك مع أن نقاط حياتك كلها مهمة ولكن دعنا ندعي أن النقطة الأهم هي ترشيحك لتقلد منصب وزير الصحة الاتحادي لجمهورية السودان والسؤال الذي يطرح نفسه : هل اعتذرت عن الترشيح بسبب ( دكسر رجلك) أم أنك تهيبت المسألة أم هناك سبب ثالث؟؟
بكل تأكيد لم أتهيب.. على العكس كنت على استعداد كامل لهذا الأمر وكانت لدي استراتيجية واضحة لتطوير الصحة و تطوير الوزارة ونقلها إلى مصاف الوزارات العالمية في النظام الصحي واستخلاص نمط جديد مستفيداً من التجارب السويدية والبريطانية والخليجية لخلق نموذج صحي متميز وقمتُ بإعداد فريق من المتمكنين جداً في مجال الرعاية الصحية الأولية إلى المستوى الرابع مرتبطة بالبحث والتطوير و الاكتشاف وبعد التقييم تقديم الخدمات لمحتاجيها وربطها بالتكنلوجيا والخدمات الرقمية للمرضى وتنظيمها بطريقة معينة.. وكذلك بالنسبة للدواء و التمريض والخدمات المساعدة الأخرى.. فكما قلت لك لم اتهيب ولكن الظروف الصحية وقتها جعلت من الصعب اداء المهمة و الخروج لأماكن المحتاجين والمرضى لصعوبة الحركة بسبب الكسر ومضاعفاته.. لذلك اتخذت القرار الصحيح فالمسألة ليست وجاهة ولا مسألة مناصب.. المسألة عطاء ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه.
* بصراحة : هل تظن أن الحسد و”النجيهة” لهما دور في كسر رجلك؟
/الحسد موجود وقديماً كان في الناس الحسد.. على الرغم من التحصين ومحاولات خلق علاقات طيبة مع الآخرين إلا أن النفس أمارة بالسوء ليس في الكسر فقط بل كثير من الاشياء التي تعرضت لها كانت بسبب الحسد واحياناً الحسد من اقرب الأصدقاء وأقرب الناس وأكثر الحسد كان من الذين أحسنت إليهم (اتق شر من أحسنت إليه).. بالتأكيد أن كل ما يحدث لنا هو شيء مقدر من عند الله ولكن العين حق ولقد تعرضت لكثير من هذه المسائل الغامضة ولا أعلم لها كنهاً ولن أبحث.. فقط استعين بالصبر والصلاة والإيمان بالله و لن أستسلم لافعال بعض النفوس المريضة.
* حينما اعتذرت عن تقلد منصب الوزير ختمت هذا الاعتذار الرسمي بتمنى التوفيق لدكتور هيثم.
هل هذا يعني أنك راضٍ عن الذي لا يقدمه هيثم في تسيير هذه الوزارة المهمة؟
تواصلت مع دكتور هيثم وتواصل معي منذ البدء ومنذ التعيين وبعد اعتذاري وتمنيت له التوفيق فهو شاب نشط وله خبرة وعاصر الاحداث الاخيرة وأدى اداءً جيداً.. لذلك قلت له انني مستعدٌ لمساعدتك في كل ما استطيع وهو طلب مني ان أكون في الهيئة الاستشارية لوزارة الصحة وقبلت ذلك لكن لم يحدث شيء بعدها.. عموماً اليد الواحدة لا تصفق ولابد من اناس حوله يتحلون بالصبر والإخلاص والوطنية ووجود برامج وخطط.. حقيقة انا لم اتابع في الفترة الأخيرة لكن اتمنى له التوفيق.. وأؤكد أنني دائما على أهبة الإستعداد بكامل العطاء ومساعدة الآخرين في كل ما يفيد البلد و عموماً اعتقد بأن دكتور هيثم إنسان جيد بحسب معرفتي البعيدة فأن لم ألتقِ به.
* كيف تلقيت خبر ترشيحك للوزارة و هل خالطك شك ولو للحظة بأنك الرجل المناسب لهذا المنصب؟؟
تلقيت خبر الترشيح بإحساس التحدي اكثر من أي شيء فالعمل للوطن وللإنسان السوداني الذي يعاني كثيراً فيما يتعلق بالمجال الصحي واصلاً نحن كنا مهيئين عبر منظماتنا الصحية مثل ” أثق” الطبية وعبر العمل الجماعي مع الزملاء الأطباء وكانت لدينا خطط وبرامج وتصورات والتحديات التي ستواجهنا وكيف نجابهها لذلك لم يخالطني شك انني قدر هذه المهمة الوطنية وعلى الفور كل الشباب الذين كنا نعمل معهم حلقوا حولي مستعدون لكل دعم و كانوا مستعدين للحضور من كل أنحاء العالم من امريكا و بريطانيا والخليج لنطبق الاستراتيجيات التي وضعناها قبل سنوات طويلة وظللنا نطورها باستمرار و لا زلنا نقدم من خلال “اثق” الطبية الخدمات الديجيتال عبر التيلي ميديسين الخاص بنا وتواصلنا مع المهندسين والمهندسات واصحاب الأفكار المختلفة لوضع خطة صحية تعيد البناء الصحي وتطوره.
* لو عُرض عليك الأمر مرة اخرى هل ستوافق؟
* من ناحية المبدأ قد أوافق ولكن بنظرة اعمق واستراتيجية اكثر عمقاً ودراسة للوضع وتقييم الذي يحدث اقول: في وضع غير مستقر ووجود فساد لا يمكن إعادة بناء وتعمير و تطوير وتقديم خدمات.
* ما هي أبرز العناوين لخطتك التي ستعمل بها إن صرت وزيراً للصحة؟
التوازي والتوازن في الانتقال من مرحلة الإسعافات والرعاية الصحية الأولية ومكافحة الأوبئة إلى وضع نظام صحي على المستويين العرضي و الطولي وايضاً عدم إهمال الجانب الرقمي بجعل النظام الصحي مبنياً على التكنولوجي و هي لا تحتاج لثروة فأفقر الدول يمكنها ذلك يشتمل على الوسائل الحديثة و الحوكمة الممتازة واجهزة ربط و متابعة.. بالإضافة للإهتمام بالتعليم الصحي و تدريب الكوادر و البحوث العلمية و الاولوياتتكون لما يشعر به المواطن فيما يتعلق بصحته العامة. باختصار اهتمامنا من الرعاية الأولى و حتى الطب الشخصي للفرد..
* انتشرت في السودان كثير من الأوبئة الفتاكة مثل حمى الضنك و غيرها.. بعض الناس أرجعوا هذا الأمر لتلوث البيئة الذي حدث إبان سيطرة المليشيا.. و هناك أصوات هامسة تؤكد ان هنالك مواد كيميائية زكمت أجواء السودان ما رأيك انت يا بروف؟
* الأوبئة التي انتشرت في السودان لها أسباب : تلوث البيئة له دور كبير و انتشار الجراثيم و عدم وجود نظام صرف صحي.. بالنسبة للتلوث الكيميائي أنا لا أملك دليل.. في عدم وجود دليل يصبح مجرد حديث للاستهلاك لا أكثر ولكن حتى الاسلحة العادية تساهم في تلوث البيئة بالإضافة للجثث التي تركت في العراء و حيوانات و حشرات تنقل الامراض و اختلط الحابل بالنابل و من الصعب إرجاع الأمر فقط لتلوث كيميائي.. عموما من اقدم العصور ارتبطت الأوبئة بالحروب لعدم وجود نظام صحي..
* ما هو تقييمك العام للصحة بالسودان الآن؟
هي صحة مبنية على عدم وجود خطط و استراتيجيات و عدم وجود بنية تحتية حقيقية و تحطمت البنية القديمة.. لكني أسعد بأن هناك سعي لأن تكون الصحة بالسودان بصورة لا بأس بها في ظل الظروف الحالية و لكن تحتاج للكثير و لا تتقدم الدول إلا بثلاثة أشياء رئيسية ( صحة الإنسان و تعليمه و غذاءه)
* أنت رجل اخطبوط تحمل كثيراً من المشاعل المضيئة في كثير من المجالات لذلك فلنترك السياسة و لتحدثنا عن بعض اختراعاتك و اكتشافاتك الطبية..
______
• أسست أول برنامج دكتوراه في الطب الجزيئي والماجستير في الطب الشخصي والتجديدي في الشرق الأوسط.
• وصفت أول بروتين يعمل كحلقة وصل بين الجهاز العصبي والجهاز المناعي، واكتشف الجين المسؤول عنه.
• وصفت العلاقة بين الدماغ والخلايا المناعية والميكروبات، واكتشفت دور البروتينات المناعية الدقيقة في نمو الدماغ. علاوة على ذلك، أوضح كيفية التحكم في البروتينات المناعية في الدم عبر الأجسام المضادة الطبيعية، وابتكرت طريقة جديدة لمراقبة الاستجابات المناعية.
• نشرت أكثر من 175 بحثًا في مجلات مرموقة مثل Cell وNature وغيرها.
• أشرفت على أكثر من 20 طالب دكتوراه، وأكثر من 40 طالب ماجستير ودكتوراه.
• حائز على العديد من براءات الاختراع والجوائز الدولية. في مجال التعليم الطبي، شاركت في أكثر من 50 دورة تدريبية متخصصة، وألقيت محاضرات في أكثر من 65 مؤتمرًا، وقدمت أكثر من 60 ندوة علمية في جامعات عالمية. كما قدمت العديد من الدراسات التربوية المتعلقة بالتعليم الإبداعي.
• ساهمت في تأليف عدة فصول في كتب مرجعية، وكتب وبروتوكولات وملصقات تعليمية، ومراجع تدريبية متخصصة لطلاب الطب في مجال المناعة والأعصاب.
• ترأست العديد من لجان الوحدات التعليمية لطلاب الطب، بالإضافة إلى العديد من الندوات وورش العمل.
* أين يجد بروف معز نفسه أكثر ؟ في الطب أم الشعر؟
الشعر و الطب كنهرين يصبان في بحر الإنسان و أنا اعيش بسلام و أمان ومودة و عشق بين هذين النهرين و أنهل منهما و اصب معهما في بحر الإنسان لأن الإنسان في الآخر هو الهدف الأساسي و الشعر في نهره يحمل الوجدان الذي يمنح العافية و الطب يحمل الاحساس بالانسان من الناحية الجسدية و يؤدي إلى العافية.
*متى كانت بدايتك الشعرية، وكم كان عمرك حينها؟.
بدأت كتابة الشعر في المرحلة المتوسطة وكنت اكتب وقتها شعراً أقرب للحلمنتيشي.. ثم تطور لشعر يمكن عرضه على أساتذتي وزملائي في الخرطوم الثانوية القديمة و نضج في بداية الجامعة حيث فزت وأنا في تانية جامعة بجائزة الشعر في مهرجان الثقافة و كانت نقطة تحول لأن هذا الفوز عرفني على شعراء كبار و نقلني إلى مرحلة اكثر و جعلني افكر في طباعة دواويني فقمت بطباعة ثلاثة دواوين و انا طالب في كلية الطب جامعة الخرطوم.
*من هو الشاعر الذي تأثرت به في بداية مشوارك؟
منذ البداية تأثرت بأستاذي الشاعر العظيم مصطفى سند عليه رحمة الله فهو الذي شغل انسجتي و فؤادي و أوردتي اعضائي و أجهزتي بشعره المموسق المتدفق الجميل و كلماته الراقية واحساسه النبيل وكان حلمي أن ألتقيه فالتقينا و اصبح استاذي و معلمي وصديقي وقدوتي و هو شاعر قل ما يجود الزمان بمثله.
*كيف تولد القصيدة لديك مع زحمة العمل و العيادة و المشفى و الاكتشافات الطبية؟ هل هي لحظة إلهام مفاجئة أم تأمل طويل؟
القصيدة تولد من رحم المعاناة مهما كانت تلك المعاناة ولحظة الإلهام تأتيك فجأة و هي بالنسبة لي لحظة مقدسة.. وهي لا تستأذنك و لا تخصص لها زمناً فربما يأتيك الالهام و انت تقود السيارة او داخل قاعة الامتحانات او على شاطئ البحر أو مستلقياً على اريكة و في كل الاحوال انا لا اسمح لهذه اللحظة ان تهرب مني حتى و أنا في زحمة العمل

*ما هي أحب قصائدك إليك؟
كثير من القصائد محببة لنفسي مثل ” مداخل للخروج” و ” نجمةٌ للبحر انتِ” ولكن قصيدة ( لهواكِ عافيةُ المطر) أحسها اكثر قرباً
* الشاعر معز عمر بخيت : هل عندك ملهمة؟
* أكيد.. الشعر بلا الهام لا يأتي اصلاً لكن ليس بالضرورة أن تكون الملهمة إمرأة.. فالوردة ملهمة و النجمة ملهمة و المواقف ملهمة و البحر ملهم و قد يكون طريق ما ملهم و قد تكون مدينة ما ملهمة.. لكن بالنسبة للشاعر الرجل فالنساء ملهمات و لذلك كتبت ( يا ليت هذا الكون كله نساء)
* هل كتبت شيئاً من الشعر عن قصة ترشيحك لوزارة الصحة؟
* ضاحكاً : لا لم أكتب.
أخيراً ماذا تقول يا بروف؟
لا شيء غير الشكر لك ولصحيفة “العودة”.



