كيف نعرف من انتصر في الحرب؟

عامر حسن عباس
المختص في العلاقات الدولية والشؤون الأمنية والعسكرية.
8 أبريل 2026م
الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل حددتا أهدافهما عندما شنتا الحملة العسكرية، وكانت: (تغيير النظام الإيراني، تصفية البرنامج النووي الإيراني، إنهاء برنامج إيران الصاروخي، فك ارتباط إيران بمحاورها الإقليمية في العراق ولبنان واليمن، ثم بعد بداية الحرب إجبار إيران على فتح مضيق هرمز، التهديد بتدمير إيران وبنيتها التحتية وإعادتها للعصر الحجري والقضاء على الحضارة الإيرانية، قدموا شروطاً من 15 بنداً لوقف إطلاق النار).
إيران التي لم تبدأ الحرب حددت أهدافها من الحرب الدفاعية وكانت: (ضرب الداخل الإسرائيلي والقوات الأمريكية وقواعدها في كل المنطقة، ضرب المصالح الغربية في دول الجوار بما في ذلك المصالح النفطية، إغلاق مضيق هرمز والسيطرة عليه، التلويح بقوة المحاور الإقليمية الموالية لها، ثم لاحقاً التهديد بإغلاق باب المندب على البحر الأحمر، أن يشمل أي وقف لإطلاق النار أو الحرب كل محاور القتال بما يشمل الحلفاء في العراق ولبنان واليمن، دفع تعويضات الحرب ورفع العقوبات، قدموا شروطاً من 10 بنود لإنهاء الحرب).
فماذا حقق الطرفان؟
الطرف المعتدي الولايات المتحدة وإسرائيل:
١. تصفية الصف الأول من القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية بقيادة المرشد خامنئي، ما عدا الحكومة التنفيذية بقيادة الرئيس بزشكيان.
٢. تحقيق السيادة الجوية الكاملة بنسبة عالية، وضرب البنية العسكرية للقيادة والسيطرة.
٣. تدمير البحرية الإيرانية شبه الكامل، عدا الوحدات الساحلية التي نجحت في السيطرة على المضيق.
٤. إلحاق أضرار غير محدودة بالبنية التحتية للنقل والمواصلات والمدن الصناعية والنفطية والمدنية، مع خسائر كبيرة في الأرواح لم تُحصر على وجه الدقة.
الطرف المدافع إيران:
١. حافظت على تماسك وديمومة النظام الحاكم بإحلال قيادة بديلة على المستويين السياسي والعسكري، مع تحقيق تماسك في الجبهة الداخلية، وضرب كل محاولات خلق بؤر منشقة في الأراضي العراقية، وبإلقاء القبض على عناصر عميلة ومتعاونة مع المخطط الأمريكي الإسرائيلي.
٢. أدارت معركة نيران إقليمية واسعة شملت كل الداخل الإسرائيلي بفلسطين المحتلة، وكل القواعد الأمريكية في المنطقة، وتسببت في سحب كامل لقاعدة الناتو من شمال العراق، بجانب قاعدة عسكرية أمريكية واحدة من جملة قواعد عدة داخل العراق، مع إفراغ وتدمير قيادة الأسطول الأمريكي البحري الخامس في الشرق الأوسط، وإلحاق دمار كبير بقواعد أمريكية أخرى في دول المنطقة.
٣. نجحت في السيطرة على مضيق هرمز تماماً، وأكدت على ذلك بمرور انتقائي لبعض السفن مقابل رسوم عبور دُفعت لإيران.
٤. تم رفع العقوبات الأمريكية أثناء الحرب عن ملايين براميل النفط الإيراني التي كانت محملة على سفن ومتحركة لوجهات دولية مختلفة مقابل مرور انتقائي لنفط المنطقة ومنعاً لتفاقم أسعار الطاقة.
٥. النجاح العسكري في ضرب بعض منظومات الدفاع الجوي الاستراتيجي الأمريكية في المنطقة، مع النجاح في إسقاط عدد من طائرات الجانب الأمريكي المأهولة والمسيرة، برغم الاختراق وتدمير معظم منظومات إيران الدفاعية.
٦. تفعيل وحدة الساحات بدخول الحلفاء في كل من العراق ولبنان واليمن للحرب، وتأثيرهم الكبير في معادلة الإيلام والاستنزاف، والتأكيد على القدرة على التصعيد حسب الحاجة.
٧. واصلت إيران ضرباتها الصاروخية المؤثرة على أراضي فلسطين المحتلة وكل دول المنطقة دون أن تتأثر قدرتها بالقصف الأمريكي الإسرائيلي، وهو ما يؤكد عدم تحييد قدرتها في هذا المجال، ولم تقدم أي تعهدات جديدة بخصوص برنامجها النووي سوى ما أعلنته قبل الحرب وعلى مدى سنوات سابقة؛ وهو الحق في التخصيب والصناعة النووية السلمية.
ملاحظات على دبلوماسية الساعة الأخيرة:
من حشد الوساطة الإقليمية متعددة الأطراف وتعاطى معها أولاً هو الطرف الأمريكي، وجاءت الاستجابة الإيرانية متأخرة، وهو ما يؤشر من وقت مبكر عن بحث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مخرج سريع يوقف إطلاق النار ويفتح المضيق الإقليمي.
مقترح وقف إطلاق النار الذي أعلنه رئيس الوزراء الباكستاني لمدة أسبوعين جاء قبل ساعات من نهاية مهلة الرئيس ترامب وليس ببيان مشترك لدول الوساطة الإقليمية (تركيا، باكستان، مصر)، ما يؤشر لاحتمالية طلب الرئيس الأمريكي ذلك من رئيس الوزراء الباكستاني للخروج من مأزق انتهاء مهلته التي لم تتجاوب معها إيران، ومن يراقب سلوك ترامب في الرئاسة لن يستبعد ذلك.
قبل ساعة ونصف من انتهاء مهلته، أعلن ترامب أولاً قبوله لمقترح رئيس الوزراء الباكستاني قبل أن يعلن وزير الخارجية الإيراني عراقجي قبول مجلس الأمن القومي المقترح المقدم.
الرئيس دونالد ترامب أعلن أن بنود إيران العشرة لوقف الحرب تمثل أساساً جيداً للتفاوض وليس الخمسة عشر بنداً الأمريكية.
أعلن الإيرانيون أن وقف إطلاق النار يشمل اليمن ولبنان، وقد قال بذلك أيضاً مسؤول أمريكي أوردته القناة 12 الإسرائيلية، وهو شرط إن صح فهو تغليب لإرادة إيران على نتنياهو وترامب.
وافقت القيادة الإيرانية على فتح مضيق هرمز بشرط التنسيق مع القيادة العسكرية الإيرانية للمرور، ووفقاً للشروط الفنية دون توضيح هذه الشروط إن كانت تشمل مقابلاً أو رسوماً أم بدونها، كما أن الجانب الأمريكي تجاهل الإشارة لمسألة الرسوم من عدمها.
خاتمة:
ستغير هذه الحرب وجه المنطقة إلى الأبد على عكس ما أراد نتنياهو وترامب، إذا ما انتهت مفاوضات إسلام آباد بنتيجة تشابه النتيجة التي أقرت وقف إطلاق النار قبل ساعتين من زمن كتابتنا لهذا المقال على ما ذكرناه أعلاه لكل طرف من حقائق الميدان.
الانتصار في الحروب ذو وجهين؛ أولهما على أساس خسائر كل طرف، وبلا شك فإن إيران في هذه الجولة خاسرة، والوجه الآخر على أساس القدرة على الثبات وفرض الشروط التي تتوقف على أساسها الحرب نهائياً، وما نلمحه أن إيران على وشك تحقيق انتصار استراتيجي رسم بوادره بدماء قادتها وصبر شعبها، وهو انتصار سيستفيد منه حتى من كان يظن أن إيران عدو أخطر من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على مدى عقود ماضية.
ستتحمل إيران عبئاً ثقيلاً لاسترضاء جيرانها الذين تأذوا من الحرب مهما كانت الأسباب مقنعة أو غير ذلك، وكل ذلك إذا لم تعُد الحرب بدوران آلتها بعد أسبوعين من التفاوض في إسلام آباد.
التنبؤ بمآلات الوضع الإقليمي ومصير نتنياهو وترامب سيتأثر بما تنتهي عليه الحرب وهو حديث سابق لاوانه في هذه الهدنة المهمة لجميع الأطراف لتلتقط الأنفاس ولتنظر لموطئ اقدامها في رمال متحركة بفعل الجغرافيا والتاريخ و الإرث الحضاري.
حفظ الله بلاد المسلمين وأهلها في كل مكان.



