*كبرياء الجذور الفارسية: غطرسة القوة الأمريكية تصطدم بأنفة التاريخ*

*بقلم المهندس:محمد عبد اللطيف هارون*

​تعيش الدنيا هذه اللحظات أدق مراحل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على أيران وأكثرها تعقيداً على الإطلاق ، حيث تقف المنطقة على فوهة بركان قد ينفجر غداً، الاثنين 6 أبريل 2026، مع انتهاء المهلة التي حددها الرئيس دونالد ترامب، في مشهد لا يمكن اختزاله في مجرد نزاع عسكري تقني، بل هو صدام حضاري وسياسي يمزج بين غطرسة القوة الأمريكية وأنفة التاريخ الإيراني، وسط ميدان ملتهب كسر الكثير من القواعد التي سادت لعقود.

​هذا التوتر المتصاعد يجد جذوره في استراتيجية “حافة الهاوية” التي انتهجها ترامب عبر سلسلة من المهل الزمنية المتلاحقة، والتي بدأت بتهديد “محو” محطات الطاقة في 21 مارس، مروراً بتأجيلات متكررة بذريعة “المحادثات المثمرة”، وصولاً إلى تهديده الأخير بفتح “أبواب الجحيم”. ويعكس هذا النمط المتذبذب مأزقاً حقيقياً للإدارة الأمريكية؛ فترامب الذي وعد بإنهاء الحرب في غضون أيام، يجد نفسه في الأسبوع السادس من استنزاف لم يكن في الحسبان، مسابقاً الزمن لإغلاق ملف يهدد بتحويل فترته الرئاسية إلى “فيتنام ثانية”، خاصة مع ضغط استطلاعات الرأي التي تشير إلى أن 62% من الأمريكيين يرفضون تماماً أي تورط في حرب برية.

​وما زاد من وطأة هذا المأزق هو ما سجله الميدان الجوي من تطورات دراماتيكية، حيث تحطمت أسطورة “التفوق المطلق” بعد سقوط مقاتلة F-15E وطائرة A-10، وفقدان طائرتين للعمليات الخاصة خلال عملية “أوريون” المعقدة لإنقاذ الطيارين المفقودين. إن نجاح عملية الإنقاذ لم يغطِّ على الحقيقة المرة المتمثلة في ظهور منظومات دفاع جوي إيرانية “مفاجئة” أسقطت 6 أهداف في يوم واحد، مما طرح تساؤلات قلقة في البنتاجون حول طبيعة هذا “السلاح النوعي” الذي بات يحول الأجواء الإيرانية من نزهة عسكرية إلى فخ تكنولوجي يستنزف الهيبة الأمريكية.

​هذا الانكسار العسكري على الأرض تزامن مع اشتباك دبلوماسي لا يقل شراسة، حيث اتخذ الصراع بعداً فلسفياً حين ردت السفارة الإيرانية في جنوب أفريقيا على تهديدات ترامب بإعادة إيران إلى “العصر الحجري” بدرس في الأنثروبولوجيا السياسية والكبرياء الفارسي. لقد استخدمت طهران “سلاح التاريخ” ببراعة، مذكرةً واشنطن بأن الدولة التي استوعبت غزو الإسكندر الأكبر والمغول، لا تخيفها “تغريدة” لكيان تعتبره طارئاً على الزمن؛ فبينما كان ترامب يتحدث بلغة القوة الصلبة، كان الرد الإيراني يستحضر “أسطوانة كورش” كأول وثيقة لحقوق الإنسان، في مواجهة ما وصفته بـ “ثقافة الكهوف” الأمريكية، مختتمةً ردها بلسعة قاسية تذكر الأمريكيين بجذورهم المرتبطة بالأرض المستلبة من سكانها الأصليين، ومعتبرة أن الصراع ليس على مضيق مائي فحسب، بل هو صدام بين أصالة التاريخ وحداثة التغول.

​ومع وصول الوساطات الدولية، لا سيما القطرية، إلى طريق مسدود، تتجه الأنظار نحو ما سيسفر عنه غدٌ الاثنين، حيث تتبلور السيناريوهات بين ضربات “جراحية” تستهدف البنية التحتية للطاقة لاستعادة ماء وجه القوة الجوية، وبين تمديد تكتيكي جديد يهرب فيه ترامب من فخ الاستنزاف الميداني. وبغض النظر عن الخيار الذي ستسلكه واشنطن، فإن عملية “أوريون” وما رافقها من “مذبحة للطائرات” أكدت أن “الجحيم” الذي لوح به ترامب قد لا يكون من طرف واحد، وأن العالم يقف الآن أمام الاختبار الأخير لقدرة التكنولوجيا أمام ثبات الجذور، في لحظة تاريخية فارقة قد تعيد رسم توازنات القوى في المنطقة برمتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى