د. عبدالعزيز الزبير باشا يكتب : حين تتشعب الجبهات… لا يبقى للدولة إلا الحسم

ليست هناك دولة تُهزم لأنها تواجه تحدياً واحداً كبيراً، بل لأنها تُستنزف في عشرات التحديات الصغيرة والمتزامنة حتى تفقد قدرتها على التركيز واتخاذ القرار. وهذا بالضبط ما يواجهه السودان اليوم.

الهجوم الإجرامي الذي استهدف مستشفى الجبلين، وأسفر عن استشهاد كوادر طبية أثناء أداء واجبهم الإنساني وإصابة أطفال مرضى، ليس حادثة معزولة. هو رسالة. رسالة تقول إن العدو لم يعد يكتفي بميدان القتال، بل انتقل إلى كسر العمود الأخلاقي للدولة: الصحة، الحياة، والإنسان نفسه. استهداف المستشفيات ليس فقط جريمة حرب، بل محاولة لإعلان أن لا خطوط حمراء.

وفي ذات التوقيت، تتكاثر المؤشرات على اكتشاف معسكرات تدريب وإمداد لميليشيا الدعم السريع المتمردة خارج الحدود، بما يعكس تحول الصراع من تمرد داخلي إلى شبكة إقليمية معقدة، تُدار بأدوات متعددة وتحت مظلات مختلفة. هذا النوع من التهديد لا يُواجه بردود أفعال تقليدية، بل بعقيدة دولة واضحة وصلبة.

ثم تأتي التطورات في الشرق الأوسط، وما تحمله من آثار جيوسياسية واقتصادية وأمنية متوقعة، لتضيف طبقة جديدة من الضغط على صانع القرار السوداني. فالدولة هنا لا تتعامل فقط مع تهديد مباشر، بل مع بيئة إقليمية قابلة للاشتعال، قد تُعيد تشكيل أولويات الحلفاء والخصوم على حد سواء.

وفي خضم هذا التعقيد، يبرز مشهد داخلي لا يقل خطورة: قرارات تُتخذ بشكل منفرد، مثل استقبال المبعوث الشخصي لأمين العام للأمم المتحدة، دون توافق مؤسسي شامل. هذه ليست مسألة بروتوكول، بل مؤشر على خلل في مركز اتخاذ القرار. حين تتعدد مراكز القرار في زمن الحرب، تتآكل هيبة الدولة من الداخل قبل أن تُستهدف من الخارج.

أما على مستوى البنية السياسية، فإن استمرار مؤسسات سياسية و تنفيذية استنفدت أغراضها أو أثبتت ضعف أدائها، مثل مجلس السيادة بصيغته الحالية، أو ما سُمي بـ”حكومة الأمل”، لم يعد مجرد عبء إداري، بل أصبح تكلفة استراتيجية. الدولة التي تُحارب على عدة جبهات لا تملك رفاهية المجاملة السياسية أو تأجيل الحسم المؤسسي.

دعنا نكون صريحين: السودان اليوم لا يعاني من نقص في الشرعية الشعبية، بل من تشتت في ترجمة هذه الشرعية إلى قرارات حاسمة. الشعب، بكل فئاته وأجياله، قد حسم موقفه. ما ينقص هو أن تحسم الدولة طريقتها في إدارة هذه الإرادة.

التحدي الحقيقي ليس في تعدد الأزمات، بل في غياب مركز ثقل واضح يُعيد ترتيب الأولويات ويُغلق منافذ التردد. فالدول لا تسقط فقط بالهزائم العسكرية، بل بالبطء، بالتردد، وبإدارة الأزمات بعقلية “الاحتواء” حين يكون المطلوب هو “الحسم”.

التاريخ لا يرحم اللحظات الرمادية. إما أن تتحول القيادة إلى نقطة ارتكاز تُجمع حولها كل الخيوط، أو تظل الخيوط تتشابك حتى تخنق الدولة نفسها.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة.

ليس المطلوب خطاباً تصعيدياً، ولا إجراءات شكلية، بل إعادة تعريف كاملة لكيفية إدارة الدولة في زمن الحرب:

• مركزية القرار دون ارتباك

• وضوح في تعريف العدو داخلياً وخارجياً دون مواربة

• وتفعيل أدوات الدولة السيادية بلا تردد أو تجزئة

بغير ذلك، سيظل السودان يُدار كأنه في زمن سلم، بينما تُفرض عليه معادلات حرب شاملة.

الخلاصة ليست شعاراً… بل توصيف دقيق للحظة تاريخية:

*يا ريس… خُذِ الكتاب بقوة.*

ففي لحظات كهذه، لا تُنقذ الدول بالتوازنات، بل تُنقذ بالحسم…

وطن و مؤسسات…

السودان اولا” واخيرا”…..

*3/4/2026*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى