البعد الخامس/ المسرح العبثي في جمهورية الأنا: ترامبستان

الجزء الثاني: من فقاعة القرار إلى منطق الإخضاع

بقلم: صباح المكي

إذا كان الجزء الأول قد كشف كيف تُصنع للرئيس صورة ناقصة عن الحرب، فإن المسألة لا تتوقف عند حدود الإحاطة أو سوء التقدير. فحين تصبح الصورة نفسها جزءًا من طريقة الحكم، لا تعود مجرد أداة لعرض الواقع، بل تتحول إلى وسيلة لإدارة القوة والعلاقات والتحالفات.

هنا يظهر الوجه الآخر لترامب: ليس فقط رئيسًا يتلقى مشهدًا منقوصًا، بل رئيسًا يحوّل السياسة إلى مشهد، والحرب إلى أداء، والتحالف إلى علاقة يختلط فيها الإعجاب بالإخضاع. ومن هنا، لا يعود السؤال كيف يرى ترامب العالم، بل كيف يعيد تشكيله في هيئة عرض دائم تتقدم فيه الأنا على الدولة، والانطباع على التقدير.

*أولًا: الحرب بوصفها مرآة للأنا*

تكشف هذه الوقائع أن المشكلة ليست في ترامب وحده، بل في النظام الذي يتشكل حول قائد يفضّل الصورة على الحقيقة، والانطباع على التقدير. وحين يصبح ضبط الانطباع جزءًا من هندسة القرار، ويغدو الرئيس نفسه مصدرًا مباشرًا لتقلبات كبرى في الحرب، ثم في البورصة والأسواق، تنزلق السياسة الخارجية من منطق التقدير إلى منطق الأداء.

وهنا لا تعود الحرب ملفًا أمنيًا خالصًا، بل تصبح مرآةً للأنا: فضاءً يُختبر فيه حضور الرئيس وصورته وهيبته. وعندها لا يكون التصعيد دائمًا نتاج حساب بارد، ولا التراجع دائمًا ثمرة مراجعة عقلانية، بل يغدو كلاهما جزءًا من إدارة المشهد.

وفي مثل هذه البيئة، لا تعود القرارات المصيرية مبنية على حسابات الدولة وحدها، بل أيضًا على احتياجات الصورة. وحين تتداخل الدولة مع الأنا، تصبح الحقيقة أول ما يُستبعد من الغرفة.

ثانيًا: الإهانة والاستعراض في خطاب ترامب

ويظهر هذا المنطق أيضًا في أسلوب ترامب الأوسع في إدارة علاقاته مع الحلفاء، لا سيما حين يتحول الفضاء الدبلوماسي أو الاستثماري إلى مسرح شخصي للهيمنة. ومن هذه الزاوية تكتسب قمة أولوية مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي 2026 دلالة خاصة.

فمعهد مبادرة مستقبل الاستثمار يقدّم نفسه بوصفه مؤسسة عالمية غير ربحية تُعنى بـ«الأثر على الإنسانية»، وتجمع المستثمرين وصنّاع القرار وقادة الأعمال حول قضايا الاستثمار والتكنولوجيا والنمو. لكن هذه الصورة المؤسسية الأنيقة لا تحجب حقيقة أن جذور المعهد وتمويله وشبكة دعمه ترتبط بوضوح بصندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي أطلق المبادرة أصلًا ويُعد شريكًا مؤسسًا لها، فيما يتولى محافظه ياسر الرميان رئاسة مجلس أمناء المعهد. ومن هذا السياق جاءت القمة، التي جمعت أكثر من 2000من القادة والمستثمرين، لكنها لم تكن مجرد قمة استثمارية أمريكية، بل منصة ذات رعاية، وتمويل، ونَفَس سعودي واضح.

وقد أثارت تصريحات ترامب خلال القمة جدلًا واسعًا، إذ بعد أن أشاد بولي العهد السعودي، استخدم تعبيرًا فُهم بوصفه مهينًا ومتعاليًا تجاه الأمير محمد بن سلمان. فقد قال إنه لم يكن يتصور أن يتزلف له ولي العهد إلى حد “تقبيل مؤخرته”، قبل أن يضيف، بلهجة آمرة، أن عليه الآن أن يكون لطيفًا معه. ولم تكن المشكلة في العبارة وحدها، بل في طبيعتها الاستعراضية والمهينة. ففي ميامي، لم يتحدث ترامب كرئيس يدير شبكة تحالفات معقدة، بل كرجل يحوّل العلاقات الدولية إلى مسرح شخصي للقوة والإخضاع، تُختزل فيه الدول إلى تابعين، ويُختزل فيه الحلفاء إلى أطراف ينبغي أن تُذكَّر، علنًا، بمن يملك الفضل ومن يملك اليد العليا.

وقد بدت عبارته بشأن ولي العهد تكثيفًا لأسلوب سياسي يقوم على المديح ثم الإهانة، ومزج الابتزاز بالمجاملة العلنية. وظهر ذلك أيضًا في حديثه عن السعودية واتفاقات أبراهام بلغة تمزج بين الضغط السياسي والمجاملة والاستعراض الشخصي، بما جعل الخطاب أقرب إلى إعلان هيمنة منه إلى ممارسة دبلوماسية منضبطة.

واللافت أن هذا الأسلوب لم يقتصر على حديثه عن ولي العهد. ففي تعليقه على ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي، لم يستخدم ترامب الإهانة المباشرة نفسها، لكنه قدّمه بلغة لا تقل دلالة في استعراضيتها وانتقاصها من الوقار المؤسسي. فقد قال إنه يعرفه جيدًا، لكنه لم يكن يعرف حتى اسم عائلته، ثم حوّل الأمر إلى مادة تندر علني، متسائلًا على نحو فظ: “من هو ياسر بحق الجحيم؟”، قبل أن يختزله لاحقًا في أنه رجل يملك “الكثير من القوة” و”الكثير من المال”. وهنا أيضًا لم يكن الأمر مجرد مزاح ثقيل، بل تقليلًا مغلفًا بألفة مصطنعة.

وفي الحالتين، لم تكن هذه العبارات مجرد زلات لسان أو نكات مرتجلة، بل استعراضًا متعمدًا للهيمنة داخل فضاء سعودي التمويل والرعاية.

ثالثًا: الحليف في عالم ترامب: من الشراكة إلى الإخضاع

وما تكشفه هذه الوقائع عن ترامب ليس فقط فجاجة الأسلوب، بل طبيعة العلاقة التي يبنيها مع الحلفاء. فهو لا يتعامل معهم دائمًا بوصفهم شركاء داخل تحالف مستقر تحكمه اللياقات والالتزامات المتبادلة، بل كثيرًا ما يتعامل معهم بمنطق النفوذ الشخصي، والقوة التفاوضية، والإذلال المغلف بالمجاملة. وهذا يجعل فكرة الحليف، في عالمه، أقرب إلى طرف يجب أن يبقى ممتنًا، أو خاضعًا، أو مستعدًا للتكيف مع مزاجه، لا إلى شريك يمكنه الوثوق بثبات العلاقة ومؤسسيتها.

وبمعنى أدق، يوحي هذا السلوك بأن التحالف عنده ليس قيمة ثابتة، بل علاقة مشروطة بالنفع والولاء الشخصي، وأن الاحترام البروتوكولي ليس أولوية إذا تعارض مع رغبته في استعراض القوة، وأن الحليف يمكن أن يُمدَح ويُهان في الجملة نفسها بحسب ما يخدم المشهد. ولهذا فالمشكلة ليست فقط أن ترامب قد يكون حليفًا فظًا، بل إنه قد يكون أيضًا حليفًا غير موثوق بالمعنى المؤسسي، لأن مواقفه قد تتقلب سريعًا، وخطابه قد يهين من يفترض أنهم شركاء، وقراراته قد تُصاغ على إيقاع الانطباع الشخصي لا الالتزام الاستراتيجي طويل المدى.

إذا كان ترامب يحترم من يملك كلفة مضادة، ويعامل الضعف بوصفه قابلًا للضغط، فإن الحليف لا يحمي نفسه معه بالمجاملة وحدها، بل ببناء قدرة على فرض الكلفة وحدود واضحة للسلوك، كما حدث في الملف الحوثي. وبعبارة أوضح، فإن التعامل معه يحتاج إلى حدود واضحة، وأوراق قوة عملية، وتفاوض جماعي لا فردي، وتقليل الاعتماد النفسي والسياسي على رضاه الشخصي.

ولم يكن هذا الأسلوب مقصورًا على حلفاء واشنطن في الخليج. فقد ظهر أيضًا بوضوح في طريقة ترامب في التعامل مع حلف شمال الأطلسي، حيث دأب على إحراج الحلفاء الأوروبيين علنًا، والتشكيك في التزامات الدفاع المشترك، والتعامل مع التحالف لا بوصفه إطارًا استراتيجيًا ثابتًا، بل بوصفه علاقة مشروطة بالدفع والامتثال. ثم جاء رفض الحلف الانخراط في الحرب ليكشف الوجه الأوضح لهذا المنطق، حين لوّح ترامب لاحقًا بأن الولايات المتحدة “لن تنسى” موقفهم، في إشارة تحمل نبرة عقابية صريحة.

وهكذا لا تعود العلاقة مع الحليف قائمة على الثقة المؤسسية، بل على الطاعة السياسية، ولا تبدو الإهانة مجرد زلة أو فجاجة عابرة، بل أداة ضمن منطق أوسع يعيد تعريف الحليف نفسه: ليس شريكًا داخل منظومة مستقرة، بل طرفًا يجب أن يثبت قيمته باستمرار تحت الضغط، والتوبيخ، والابتزاز.

فهل يعني ذلك أنه يريد جرّ الخليج إلى الحرب؟ يمكن قراءة هذا السلوك بوصفه محاولة لدفع الخليج إلى موقع أكثر انخراطًا في المواجهة. فمجمل سلوك ترامب وخطابه يوحيان بقوة بأنه يسير في هذا الاتجاه: يلمّح أحيانًا إلى انخراط حلفائه الخليجيين في الحرب، ويضغط عليهم أحيانًا أخرى علنًا للقيام بدور أكبر، وفي الحالتين يستخدم الإهانة والابتزاز أداةً لدفعهم إلى الاصطفاف. وعلى هذا الأساس، لا تبدو إهانته للأمير محمد بن سلمان مجرد فجاجة لفظية، بل جزءًا من أسلوب أوسع يقوم على التنمر السياسي على الحلفاء لإرغامهم على الدخول في الحرب وتحمل كلفتها.

رابعًا: بانون ومنطق الضغط على الخليج

وتزداد هذه القراءة قوة حين توضع إلى جانب خطاب ستيف بانون. فبانون ليس مجرد معلّق يميني قريب من ترامب، بل أحد أبرز منظّري التيار القومي الشعبوي داخل معسكره، وأحد أكثر الأصوات تأثيرًا في الجناح المتشدد من حركة “ماغا”، حتى بعد خروجه من البيت الأبيض منذ سنوات. فقد شغل منصب كبير الاستراتيجيين في بداية ولاية ترامب الأولى، ثم واصل من خارج الإدارة لعب دور سياسي وإعلامي مهم عبر برنامجه “غرفة الحرب”، الذي تحوّل إلى منصة يومية لتعبئة القاعدة الترامبية وصياغة كثير من مفردات خطاب “أمريكا أولًا”.

ويكشف خطاب بانون عن تصور شديد الصراحة لطبيعة الحرب وحدود الدور الأمريكي فيها. فهو يرى أن الأهداف المعلنة يمكن تحقيقها من دون قوات برية أمريكية، ويرفض منطق الزج المفتوح بالجنود الأمريكيين ما لم تكن واشنطن مستعدة لتعريف أهداف أوسع وأشد كلفة. وفي المقابل، يدفع بوضوح نحو تحميل العرب، ولا سيما دول الخليج، نصيبًا أكبر من أعباء المواجهة، متسائلًا بحدة: أين القوات العربية؟ وأين سلاح الجو العربي؟ وأين الإمارات وقطر والسعودية؟ بل يذهب أبعد من ذلك حين يقترح أن تكون أي موجة برية أولى في جزر خليج هرمز “عربية مئة في المئة”.

وفي الوقت نفسه، لا يكتفي بانتقاد العرب، بل يقول أيضًا إن على الإسرائيليين أن يفعلوا أقل، وإن على العرب والناتو أن يفعلوا أكثر، بما يعكس رغبته في تقليص الطابع الإسرائيلي المباشر للحرب الأمريكية وإعادة تعريفها كصراع “عربي ضد الفرس” أكثر منه حربًا أمريكية إسرائيلية مفتوحة.

ومن هذا المنظور، لا يرى بانون الخليج حليفًا يجب أن يحظى بالحماية المجانية، بل طرفًا يطلب المظلة الأمريكية من دون أن يدفع ما يكفي من كلفة عسكرية أو استراتيجية أو مالية. أما إيران، فيتعامل معها بخطاب قائم على الهوية، ذي حمولة تاريخية، يصرّ على تسميتها “الفرس”، ويطرح الحرب ضدها بوصفها حرب استنزاف يجب أن يتحمل عبئها الإقليم أولًا.

وباختصار، فإن ما يقوله بانون هو أن واشنطن لا ينبغي أن تخوض هذه الحرب وحدها، وأن الحلفاء العرب، إذا كانوا يعتبرونها حربهم أيضًا، فعليهم أن يقاتلوا ويدفعوا ويخاطروا، لا أن يكتفوا بالشكوى من غياب الحماية الأمريكية. وفي هذا المعنى، يبدو أن المطلوب ليس فقط زيادة انخراط الخليج في الصراع، بل أيضًا تهيئة المسرح لانسحاب أمريكي إسرائيلي لاحق يترك دول الخليج في مواجهة مفتوحة مع إيران.

الخاتمة: حين تتقدم الأنا على الدولة

في المحصلة، لا تكشف هذه الوقائع مجرد فجاجة في الخطاب أو اضطرابًا في الأسلوب، بل تكشف انقلابًا أعمق في معنى القوة نفسها. فحين تختلط الأنا بالقرار، والإهانة بالتفاوض، والاستعراض بإدارة الحرب، لا يعود الحليف شريكًا داخل منظومة مستقرة، بل يتحول إلى طرف يُختبر ويُضغط عليه ويُطالَب بإثبات ولائه تحت الإهانة أحيانًا، وتحت الابتزاز أحيانًا أخرى.

وعند هذه النقطة، لا تعود الحرب حدثًا استثنائيًا، بل تغدو أداة ضغط داخل عرض سياسي أكبر، ولا يعود الاستقرار الإقليمي قيمة قائمة بذاتها، بل ورقة قابلة للمساومة داخل مشهد تتقدم فيه صورة الرئيس على مقتضيات الدولة.

ومن هنا، فإن ما ينكشف ليس خللًا في الأسلوب فقط، بل أثرًا مباشرًا لشخصية ترامب على الإدارة نفسها. فحين يصبح إرضاء غروره جزءًا من عمل المؤسسة، تتراجع الكفاءة، ويختلط القرار بالمزاج، وتتحول الدولة إلى جهاز يكيّف أداءه باستمرار لإشباع الأنا الرئاسية، لا لخدمة المصلحة العامة. وهنا لا يعود الخطر في تقلب ترامب وحده، بل في أن هذه التقلبات نفسها تتحول إلى نمط حكم، وتدفع المحيطين به إلى الانشغال بإدارة مزاجه ومجاراة غروره بقدر انشغالهم بصنع القرار.

وعند هذا الحد، لا تعود المشكلة في رئيس فظ أو متقلب فحسب، بل في طريقة حكم تُفرغ التحالف من معناه المؤسسي، وتحوّل القوة إلى أداء، والدبلوماسية إلى مسرح، والدولة إلى جهاز يتكيف مع غرائز الفرد بدل أن يضبطها. وهذا هو جوهر المسألة: حين تصبح الأنا معيارًا ضمنيًا لإدارة الحرب والتحالفات، لا يختل الأسلوب فقط، بل يختل معنى الدولة نفسها، ومعه معنى الشراكة، وحدود الثقة، وفكرة الاستقرار التي يفترض أن تقوم عليها السياسة الدولية.

وفوق ذلك كله، فإن هشاشة هذا النمط لا تتجلى في فجاجة الخطاب أو نزعة الإخضاع وحدهما، بل أيضًا في هشاشة الوعد نفسه في عالم ترامب. فهو لا يتعامل مع التعهدات بوصفها التزامات مستقرة، بل بوصفها أدوات قابلة للتعديل أو التراجع أو الإنكار متى تغيّر ميزان المنفعة أو تبدّل المشهد. وبهذا المعنى، لا تبدو العلاقة معه قائمة على ثقة يمكن البناء عليها، بل على مزاج سياسي متقلب لا يعرف الثبات إلا بقدر ما يخدم صورته ومصلحته.

وإذا كان مكيافيلي قد ربط الحكم بالحيلة وتقلب الضرورة، فإن ترامب يدفع هذا المنطق إلى أقصى نرجسيته: لا حليف ثابتًا عنده بالمعنى الحقيقي، لأن الحليف الوحيد الذي يبقى في مركز ولائه هو ترامب نفسه.
bitalmakki@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى