ترامب وساعة الصفر: رقصة الموت فوق حافة الهاوية

​بقلم: المهندس محمد عبد اللطيف هارون

​في تمام الثامنة مساءً بتوقيت شرق أمريكا، يتوقف نبض العالم بأسره ليراقب شاشة واحدة، ورجلاً واحداً، وقراراً يترنح بين “أم الصفقات” و”أب الحروب”، حيث لم يعد الأمر مجرد توقيت عسكري لعملية “الغضب الملحمي” التي انطلقت شرارتها في شباط الماضي، بل هو الذروة الدرامية لاستراتيجية “حافة الهاوية” التي جعلها دونالد ترامب دستوراً لحكمه ومنهجاً ثابتاً لإخضاع الخصوم والحلفاء على حد سواء، وبينما ينشغل الخبراء النفسيون اليوم في تحليل تقلبات شخصية ترامب —بين من يراها نرجسية صبيانية وانفصاماً يدفعه للمواجهة، ومن يراها دهاءً تجارياً وعبقرية في الحرب النفسية تهدف لإرباك الخصم وتشتيت طاقاته— يبدو أن الحقيقة الميدانية تبرهن على قدرته المذهلة في توظيف “اللا-يقين” كأداة عمل سياسي، فحين يهدد بإعادة إيران إلى “العصر الحجري” وتدمير جسورها ومحطاتها الكهربائية في ذات اللحظة التي يمتدح فيها ذكاء شعبها ويصفهم بأنهم يستحقون الحرية، فهو لا يتخبط عبثاً، بل يمارس تكتيك “المساومة الكبرى” الذي يبدأ بسعر عالٍ جداً ليجبر الطرف الآخر على القبول بأي تكلفة أقل، مستنداً في ذلك إلى نجاحات عسكرية استعراضية كعملية إنقاذ الطيارين في عمق الأراضي الإيرانية التي وصفها بأنها “تاريخية ستُدرس في الكتب” وصورها كملحمة جرت في “ليلة عيد الفصح” وتحت جنح الظلام، ليرسل من خلالها رسالة “بروباغندا” مشفرة للعالم مفادها أن جيشه تحت قيادته هو قوة خارقة لا تُهزم، وأن حلفاءه التقليديين في “الناتو” ليسوا سوى “نمور من ورق” لا مكان لهم في حسابات القوة الجديدة التي يقودها، وهو ما يفسر تحركه الدبلوماسي المتزامن عبر نائبه “جيه دي فانس” الذي حطّ رحاله في بودابست لترسيم حدود عالم “القوميين الجدد” وبناء تحالف “ماجا” العالمي القائم على صفقات الطاقة والنفط والقيم الحضارية التقليدية بعيداً عن ترهل البيروقراطية الدولية و”تلقين” قضايا الجندر، ليجد العالم نفسه الآن أمام “الثامنة مساءً” الأكثر رعباً في التاريخ الحديث، حيث يضع ترامب مسدسه على الطاولة وينتظر خلف شاشات المنصات المختلفة، مراهناً بكل شيء على أن النظام في طهران أمام هول “الجنون المطبق” والوعيد بالجحيم الذي يظهره، سيختار الانحناء للعاصفة وقبول شروطه القاسية لتجنب الدمار الشامل للبنية التحتية، لأن الهزيمة في قاموس ترامب ليست خياراً مطروحاً كونها تعني تحطم أسطورة “الرجل الذي لا يُقهر” وصورته التي يريد تخليدها حتى على العملة الورقية، فإما أن تنتهي هذه الرقصة فوق حافة الهاوية بصفقة تجعل منه بطلاً سلامياً يفرض إرادته بالرهبة، أو يقوده عناده ونرجسيته المفرطة إلى تنفيذ ضربة خاطفة تنهي النزاع بقوة النار، مؤكداً في كلتا الحالتين أن تاريخ 2026 لا يُكتب بأقلام الدبلوماسيين الهادئة، بل بتوقيتات “ساعة الصفر” الحارقة وجرأة السير نحو الهاوية دون أن يرمش له جفن؛ وهي هاوية ستقرر مصير العالم، فإما أن يندفع فيها ليحرق حضارة ضاربة في القدم عمرها آلاف السنين ويحرق معها المنطقة بأسرها في أتون حرب شاملة، أو ينتهي به المطاف راضخاً لشروط طهران بعد إخراج المشهد بسيناريوهات “هوليودية” مصطنعة تهدف فقط لحفظ ماء وجهه وتجميل تراجعه، وفي كلتا الحالتين، وأياً كان المسار الذي ستسلكه أحداث هذه الليلة، فهي بلا شك تمثل النهاية الفعلية لأسطورة ترامب التي قامت على وهم القوة المطلقة والقدرة على تطويع التاريخ بالتهديد وحده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى