​محجوب شريف: ترنيمة الحرية وعطر الذاكرة

بقلم المهندس: محمد عبد اللطيف هارون

​في كل مطلع أبريل، تنفتح في الروح نافذة للحنين، ليس فقط لرحيل جسد، بل لغياب صوتٍ كان هو البوصلة والملاذ. لا أدري كيف غاب عني هذا التاريخ للحظات، الثاني من ابريل ٢٠١٤ م ، و البقعة تنوب عن السودان في وداع محجوب شريف إلى مثواه الأخير ، هذا التاريخ الذي ظل يسكنني كوشمٍ لا يمحى، ليعيدني كل عام إلى تلك المنعطفات الكبرى التي شكلت هويتنا ووجداننا السوداني الأصيل.

​تأخذني الذكريات بعيداً، إلى عام 1983 م، حين خطونا أولى الخطوات في “الجميلة ومستحيلة” – جامعة الخرطوم. كان ليل “مايو” جاثماً بثقله على صدورنا الغضة، والدكتاتورية تحاول خنق أنفاس الشعب الحر. لكن الجامعة، كعادتها، كانت مرجلاً يغلي بالرفض، ضاجة بالنشاط “الممنوع”، وحبلى بتحركات منتصف الليل. كان الكر والفر سجالاً بين عسكر النظام وجسارة الطلاب، وكانت ملامح الثورة تلوح في الأفق كفجرٍ يأبى الانكسار.

​في ذلك الزخم، لم تكن القصائد مجرد كلمات، بل كانت “أناشيد خلاص” تقود الحراك. وكان لمحجوب شريف القدح المعلى؛ فمن منا لم يشدُ بـ:

​”يا والدة يا مريم”.. أيقونة الصمود.

​”حنبنيهو البنحلم بيهو يوماتي”.. دستور الأمل الأخضر.

​”يا شعباً تسامى” و “مساجينك”.. صرخات الانعتاق من القيد.

​لقد برع محجوب في جعل المرأة هي الرمز، والوطن هو الحبيبة الكبرى. تميز شعره بتلك “النغمة المخفية”؛ فقصائده لم تكن تُقرأ فحسب، بل كانت تخرج ملحنة بالفطرة، مصاغة بلغة بسيطة محكية، لكنها عميقة كالنيل، وصافية كقلوب الفقراء الذين عاش لأجلهم.

 

​ارتبط محجوب برفيق دربه “فنان أفريقيا” محمد وردي في ثنائية إبداعية زلزلت عروش الطغاة. تلك النصوص الثورية لم تكن تملأ الساحات فقط، بل كانت تملأ زنازين “مايو” أيضاً، حيث تقاسم الصديقان القيد كما تقاسما حب الوطن، فكان المعتقل لهما منبراً آخر للتبشير بالديمقراطية.

​عاش محجوب شريف نقياً، عفيفاً، وشفيفاً. لم يكن شاعراً يقول ما لا يفعل، بل كان “نبياً للكلمة”، يطبق في تفاصيل يومه البسيط ما ينادي به في قصائده. لم يعرف التدليس أو التزلف يوماً، بل كان تجسيداً حياً لقيمه، صادقاً في نضاله كصدقه في محبته.

اليوم، وبعد ١٢ عام على رحيله المر، و كدأبنا كلما مر علينا الثاني من أبريل أن نرفع الأكف تضرعاً

“اللهم اغفر لعبدك محجوب شريف، وتجاوز عن سيئاته، وأنزله منازل الصديقين والشهداء. اللهم اجعل مثواه الجنة، بقدر ما أحب هذا الشعب، وبقدر ما ناضل من أجل كرامة الإنسان السوداني.. اللهم آمين.”

​رحم الله محجوب شريف.. سيظل “بطاقتنا الشخصية” التي نبرزها بفخر أمام وجه الزمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى