منى ابوزيد تكتب : ما لا تقوله البيانات تفعله الودائع..!

هناك فرق ..

“الودائع سياسة دولية مهذبة لإعادة تعريف من يحتاج من، ولماذا”.. الكاتبة..

أعمق أشكال السيطرة في العلاقات الإنسانية هي تلك التي تُعاد فيها هندسة القرار دون أن يشعر صاحبه. فلا تنكسر العلاقة بالصدام، ولا تنهار بالقطيعة،

بل يُعاد تشكيلها ببطءٍ شديد عبر تعديل الإيقاع لا أكثر. وفي هذا النوع من العلاقات لا يقول لك الشريك غيِّر سلوكك، لكن كل ما حولك من امتيازات يتغيَّر بما يكفي لتفهم أنك ينبغي عليك أن تفعل ذلك..!

طرف يمنح بسخاء، يفتح الأبواب، ويجعل المسافة بينك وبين حاجتك أقصر مما ينبغي، حتى يبدو حضوره جزءاً من انتظام إيقاع حياتك، ثم فجأة ودون إعلان يبدأ الانسحاب من التفاصيل الصغيرة “تأخير، تقليص، إعادة حسابات غير معلنة”، لا يحدث شيء فجأة، لكن كل شيء يتبدل. لا يُطلب منك شيء صراحة، لكن يُعاد تشكيل قراراتك من الداخل..!

هذا النمط من السلوك لا يقتصر على العلاقات الفردية، بل يتمظهر أيضاً في سلوك الدول، حين تتحول المساعدة إلى أداة لإعادة ضبط السلوك. على سبيل المثال، بعد عزل الرئيس محمد مرسي تغيرت طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر. لم تكن هناك قطيعة، لكن كانت هناك إشارات مالية وسياسية محسوبة “مساعدات تُجمَّد، وأخرى تُراجع، وكأن الإيقاع نفسه هو الرسالة”..!

وفي حالة أخرى عاشت لبنان تجربة أكثر حدَّة، حين ارتبط جزء من الدعم الخارجي بمواقف سياسية تتعلق بحزب الله. لم يكن الانقطاع كاملاً، لكنه كان كافياً لإعادة تعريف معنى الدعم نفسه “ليس ثابتاً، بل مشروطاً بالاتجاه العام للسلوك السياسي”..!

أما في مثال أبعد فقد وجدت سريلانكا نفسها داخل بنية ديون طويلة الأمد مع الصين، حيث تحول التمويل التدريجي إلى شكل من أشكال النفوذ الممتد، دون حاجة إلى إعلان مباشر..!

وفي سياق آخر ظلت باكستان تتأرجح بين مستويات دعم مختلفة منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، حيث أصبح التمويل من الولايات المتحدة مرتبطاً بدرجة الانخراط في ملفات أمنية وسياسية محددة، وكأن المال هنا لا يعمل كمنحة، بل كمؤشر على درجة الاصطفاف..!

في هذا السياق نفسه لا تبدو العلاقة بين الإمارات وباكستان حدثاً منفصلاً، بل امتداداً لهذا النمط المتكرر “المال كأداة لإعادة ضبط الإيقاع، وليس مجرد دعم اقتصادي”. المطالبة بإعادة ودائع أو تعديل آجالها ليس مجرد إجراء مالي تقني، بل جزء من إعادة تعريف صامتة لشروط العلاقة “ما الذي يعنيه أن تكون شريكاً، وما الذي يعنيه أن يستمر الدعم دون ترجمة سياسية متسقة”..!

الإمارات هنا لا تتحرك بوصفها ممولاً فقط، بل بوصفها طرفاً يعيد رسم حدود التوقع “أن الدعم ليس تلقائياً، وأن الاستمرار في العلاقة يحتاج إلى تقارب في الرؤية بقدر ما يحتاج إلى تعاون اقتصادي”. في المقابل تتحرك السعودية عبر مسار مختلف في الشكل، عبر تمديد ودائع أو إضافة دعم جديد، بما يعكس محاولة لتعزيز الاستقرار المالي لباكستان، وفي الوقت نفسه تثبيت حضور سياسي مختلف في معادلة الإقليم..!

أما باكستان فهي ليست مجرد مستقبِل للدعم وكفى، بل دولة تتحرك داخل شبكة معقدة من الأدوار المتداخلة “شريك اقتصادي، ووسيط بين واشنطن وطهران، وطرف يحاول الحفاظ على هامش مناورة في نظام إقليمي يتقلص فيه الوسط تدريجياً”، لكن هذا الهامش لم يعد واسعاً كما كان. فالعالم اليوم أقل تسامحاً مع المناطق الرمادية. والمسافة التي كانت تُقرأ حكمة، أصبحت تُقرأ سؤالاً مفتوحاً عن طبيعة الموقف ومآلاته..!

إذن ما يبدو كمعاملات مالية بين دول، قد يكون في جوهره إعادة تعريف لطبيعة الحلف نفسه،

هل هو التزام طويل الأمد، أم توازن مؤقت يُعاد ضبطه عند كل منعطف، أم علاقة تُدار بقدر ما يُدار فيها من توقعات غير معلنة. فالمال حين يدخل مضمار السياسة لا يعود مالاً

بل يصبح لغة، واللغة حين تتغير نبرتها تغيَّر كل شيء!.

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى