بلنارتي وبعث الذاكرة في عصر الانقطاع

بقلم/ المهندس محمد عبد اللطيف هارون

وَزُرِ القَريبَ وَإِن جَفاكَ فَرُبَّما .. عادَ القَريبُ إِلى المَوَدَّةِ وَالرِضا

وَصِلِ الأصاغر وَالأَكابِرَ مِنهُمُ .. و اغفر لذو جهل جريرة ما مضى

وقديما قيل (سريقاول ميللينلمون) و ترجمة معناها (صانع المعروف لا يضام)

 

​في خضمّ التحولات المتسارعة التي يعيشها إنسان العصر، برزت فجوةٌ اجتماعية صامتة كادت أن تذرو معها أقدس الروابط الإنسانية، حيث تراجعت العناية بشجرة العائلة وغابت ثقافة توثيق العلاقات الرحمية الأفقية منها والرأسية. إننا اليوم نشهد ظاهرةً موجعة؛ إذ تمر الأجيال تلو الأجيال ليجد الأبناء أنفسهم يلتقون في زحام الطرقات بأبناء رحمهم وعصبتهم، يتبادلون النظرات كالغرباء، دون أن يدركوا أن بينهما دماً واحداً وتاريخاً مشتركاً. هذا الانحلال التدريجي في معرفة الأصول لا يمثل مجرد نسيانٍ لأسماء، بل هو انقطاعٌ لتلك “الشجنة” المقدسة المعلقة بعرش الرحمن، والتي جعلها الخالق ميزاناً للبر والصلة، ونذيراً بالهلاك لمن قطعها. إن الغفلة عن هذه الروابط في مجتمعاتنا العربية بصفة عامة والسودانية على وجه الخصوص، تنذر بجفاف الوجدان الجمعي، مما يحتم علينا استدعاء إرث الآباء الذين كانوا يرون في صلة الرحم صمام أمانٍ لوحدة المجتمع وبقائه.

​لقد كان أسلافنا يدركون بوجدانهم الفطري أن “المحنة” هي الوقود الذي يحفظ القلوب من الصدأ، ولعل دعوة جدتي “آمنة أحمد إدريس” -رحمها الله- حين كانت تلهج بلسانها كلما حللنا في رحابها متفيئين دوحتها البراح : “الله يزيد المحنة بينكم”، عبارة كانت تمثل دستوراً روحياً غاب عنا بريقه حين غابت . إن هذه الدعوة البسيطة في مبناها، العميقة في معناها، تلخص فلسفة كاملة في التربية والوصل؛ فالمحنة في قاموسنا الشعبي هي مزيج من الرقة والود والتكافل الذي يتجاوز حدود المادة. ونحن اليوم، بصفتنا الجيل الذي تسلم راية “كبار الأسرة”، نقف على أعتاب مسؤولية تاريخية؛ فإذا كان جيلنا يملك بقايا من تلك المعارف الرحمية بفضل معاصرته للأجداد، فإن أبناءنا يواجهون مستقبلاً من التيه الاجتماعي مالم نقم بجسر هذه الهوة، ونحول تلك المشاعر الشفاهية إلى وعيٍ ملموس يحميهم من سطوة الفردية والاغتراب.

​ومن صميم هذه المعاناة، انبثقت تجربة ملهمة من قلب الشمال السوداني، وتحديداً من بلدتي “جزيرة بلنارتي”؛ أرض الأجداد و مرتع صبا الآباء و الأمهات ، تلك البقعة التي تتوسد النيل عند التخوم الشمالية لمناطق الدناقلة، والتي لم تكن يوماً مجرد جغرافيا عابرة، بل كانت حاضرةً من حواضر مملكة “أرقو” التاريخية، ومركزاً للحكم والعلم والدين. بلنارتي، التي أنجبت صفوةً من الأخيار الذين أثروا الحياة العامة في السودان وبلغوا مدارج المجد في مختلف الميادين، تشهد اليوم ثورةً من نوع فريد يقودها شبابها الواعي. لقد تداعى هؤلاء الشباب لإطلاق مبادرة رقمية عبر تطبيق “الواتساب” تحت مسمى (أنساب و تعارف أبناء بلنارتي)، محولين هذه التقنية من أداة للترفيه إلى “ملاذٍ رحمي” ومنصة للاستقصاء التاريخي والاجتماعي. إن هدفهم ليس مجرد رصد الأسماء، بل هو إحياء الخيوط الممتدة بين العائلات التي استوطنت الجزيرة لقرون، وتوثيق الصلات التي كادت أن تذبل بفعل الهجرات والارتحال.

​إن هذه المبادرة الشبابية في “بلنارتي” تمثل عملاً حضارياً يقرظ القائمين عليه، فهي تقدم نموذجاً حياً لكيفية استثمار الفضاء الرقمي في “بعث الذاكرة” وترميم الهوية الجماعية. لقد أصبح هذا القروب مرجعاً لكل من أراد أن يعرف رحمه الممتد أفقياً لأبعد جار، ورأسياً لأعلى جدٍّ وجدة، وصولاً إلى الأحفاد الذين هم ثمرة هذا التاريخ. إنها دعوة صادقة وقوية لكل المجموعات العائلية والمناطقية ليلتقطوا هذه القبس من “بلنارتي”، ويعمموا الفكرة في ربوع الوطن؛ فالتعارف ليس مجرد ترفٍ معرفي، بل هو استجابة لأمر إلهي عظيم، وتحقيقٌ لدعوة جدتي “آمنة” بأن تزيد المحنة وتتصل الأرحام. فما أحوجنا اليوم لأن يعرف كل منا مَن هم “أهله”، لكي لا تظل الشجنة معلقة دون واصل، ولكي لا تضيع الأنساب في دروب الزمان الموحشة.

 

لا خير في قربى بِغَيرِ مَودَّةٍ ولرب منتفع بودّ أباعد

وإذا القرابة أقبلت بِمَودةٍ فاشدد لها كفّ القَبُولِ بِسَاعد

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى