العنصرية فى السودان بين الحقيقة والتوظيف السياسي

بقلم/ محمد فؤاد عيد

إقراء معى هذا المحتوى: “السودان يعلن الحرب على العنصرية.. وقانون صارم يطارد من يتعاطاها قولآ وفعلآ حيث تتجه السلطات جادة إلى سن وإجازة قانون جديد بهدف مكافحة العنصرية وخطاب الكراهية والتحريض على الفتن ومحاربتها بلا هوادة للمحافظة على السلم المجتمعي”.

هذه هي كلمات المحتوى كما جاءت فى إحدى محركات البحث التى تهتم بالشأن السوداني، وللأمانة لا ادري مدى صحة ما جاء فيه إن كان حقيقة أم زيف، ولا فرقعة إعلامية تقف من خلفها أهداف سياسية خبيثة.

وبأي حال فلنذهب ونفترض بأن ما جاء فى المحتوى حقيقة وإن إدارات التشريع بأجهزتنا العدلية الوطنية بصدد إنجاز هذا العمل بسنها قانون التجريم والتحريم لتطبق فى سودان اليوم الذى لا تربطه صلة بسودان الأمس الذى عرفناه.

وهو الأمر الذى جعلني اغوص فى مدلول ومعنى مصطلح (عنصرية) وهى كلمة بغيضة ووصف سلبي يحمل فى طياته تهديد لوحدة وتماسك المجتمعات، ومن علامات عدم تطور الأمة حيث تعمل على التمييز بين خلق الكريم على عدة أسس منها العرق واللون والقبيلة وتتبعها الجهوية وهو مفهوم يحمل فى طياته التنمر والاقصاء والظلم والكراهية، فهى بالتالي مصدر أصيل لهدم تماسك الوحدة المجتمعية لذلك تظهر العنصرية بكثافة فى تلك المجتمعات التى تعانى من الضعف والانقسام وتمدد النزاعات واستشراء الفساد بأنواعه والتى لا تحتكم إلى الوازع الدينى في معاملاتها الدنيوية.

وتتغذى العنصرية وتنمو أكثر فى تلك البيئة التى تعانى من الانقسام والضعف وكذلك النزاعات المستمرة بين كياناتها وشرارتها تتولد فى معظم الأحوال من الكلمة الجارحة او النظرة الدونية وهى بمثابة إشعال اللهيب بين تلك الكيانات الاجتماعية وتصنف العنصرية او التمييز فى العديد من البحوث الاجتماعية بأعتبارها داء او مرض تنتشر عدواته لتصيب الكل وتتحول كنوع من البارود القاتل يوجه نحو الفرد او الجماعة وفى الغالب فئة تنتمي لعرق واحد او لون واحد كذلك تأثيرها أحيانآ أقوى من السلاح لذلك يمكن مضاهاتها به حيث يتم استخدامها فى المعارك السياسية وربما الحروب. إذا نظرنا إلى القارة الأفريقية نجد ان أولى الشعوب التى عانت من هذه النقمة هى دولة جنوب أفريقيا حيث كان حكم “الابارت هايد” وعانى اهل هذا البلد من نظام الفصل العنصرى والتمييز وتقسيم البشر بشكل ممنهج وحرمت مجموعات صاحبة حق من أبسط الحقوق واصبحت أقلية فى اوطانها وكان اللون هو مأساتهم التى حرمت المواطنين من أبسط مقومات الحياة الكريمة واتسعت الفجوة بين فئات المجتمع وكانت الفوارق الطبقية تولد نزاع جديد من اجل الهوية هو فى حد ذاتة أكبر مهدد إجتماعي فى هذا البلد، وليس بعيدآ عن جنوب أفريقيا نجد نوع أخر من العنصرية القبيحة وهى التى كانت تعانى منها دولة رواندا حيث القتال بسبب الهوية حيث فقدت فئة من المجتمع الشعور بالإنتماء وتحولت الدولة لساحة صراع دموي لم تشهده أفريقيا من قبل.

إذا انتقلنا إلى محيطنا العربى فسنجد العنصرية ايضآ مستشرية فقط بملبس ولون مختلف فهنالك العديد من دول المنطقة العربية يعانى فيها بعض الافراد الوافدين إليها خاصة فى مجالات العمالة والتشغيل فى مثل تلك الدول وهذا بشهادة الكثيرين ولا يقتصر هذا التعنصر على هولاء الذين يعملون أعمال هامشية بل طالت كذلك أصحاب الدرجات العلمية والذين يعملون فى مواقع لها وزنها فى عدد من المواقع إلا إنهم يسردون حكايات تشيب لها الرؤوس والسبب فى ذلك اللون وتذبذب الأوضاع السياسية فى بلدان بعض هولاء الوافدين الذين أصبحوا يعيشون فى تلك البلدان على مضض رغم ان الدين الذى يجمعهم واحد.

واصبح ما يسمى بالعروبة والوحدة العربية مجرد شعارات لا تطبق فى واقع الحياة .

كذلك إذا انتقلنا إلى تلك الدول التى ترفع شعارات حقوق الإنسان والحريات فحدث ولا حرج حجم العنصرية والتمييز التى ربما تواجة العديد من الفئات خاصة عند التقديم لوظائف معينة والتى أصبحت محصورة على فئة معينة فطاعون العنصرية والتمييز يجوس بينهم خاصة بين ساستها وطبقتها المستنيرة وتجد القانون ينفذ أحيانآ بطريقة إنتقائية ولا يفوتنا كذلك التمييز الدينى الذى نتلمسه من بعض شعوب تلك البلدان ضد ديانات معينة حيث تضرر العديد من الافراد واصبحوا يمارسون عقائدهم فى الخفاء ولا ننسى دور اعلامها الموجة لخدمة هذا الأمر.

 

العنصرية فى السودان:

 

السودان بلد شاسع المسافات عرض وطولآ عانى كثيرآ قبل إستقلاله الذى ناله بعد تضحيات جسام لكن قبل خروج المستعمر لعله قد بذر بذور الفتن والفرقة بين أفراد مجتمعة فهم يعرفون طينة وطبيعة السودانى الفريدة التى تختلف ولا تشبه غيره من شعوب أفريقيا، لذلك سعى المستعمر لوضع خطة طويلة الأمد لجعله بلد يعانى من سلسلة متتابعة من التوتر والنزاع الهدف منه تفتيت المجتمع وجعله يعيش فى سلسلة من الصراعات بهدف القدرة على السيطرة علية فالمستعمر لم يغادر إلا بعد ان رسم حدود تفصل المجتمع السوداني عن بعضه الذى كان مسالمآ بطبعه وصنع حدود لبعض المناطق بإعتبارها مناطق مقفولة بل كان التوظيف وإتاحة فرص التعلم فى عهده محدودة على فئات معينة وعائلات تعد على أصابع اليد، وهكذا نجح المستعمر فى وضع وصنع بذرة التمييز والفرقة وكما هم يعرفون فرق تسد وهى السياسة التى كانت تنتهج.

حيث تعمق الانقسام وعمت الكراهية وتعمقت فى النفوس في مجتمع يشهد له العالم بالتسامح بداء الاستهداف نحو شرائح ومجموعات معينة ومن ثم تبع ذلك بث خطاب محشو بالكراهية المرتبط بالهوية بدلآ عن التركيز فى الهوية الوطنية ولعل هنالك مجموعة من العوامل قد ساعدت على ذلك اهمها غياب العدالة الاجتماعية والتهميش والفقر وانعدام الفرص المتكافئة، والجميع يعلم أن السودان دولة بحجم قارة متعددة الأعراق والثقافات واللغات ومن يسمع ذلك يعتقد ان بلد بتلك المزايا كان يفترض ان تكون هذه العوامل مصدر قوة وطاقة وثراء لها لكن للأسف ومنذ الاستقلال وفى ظل غياب مشروع وطني جامع يهدف لجمع الصف حول هوية وطنية موحدة تحول الكيان برمته إلى إنقسام وتناحر وهذا الأمر لم يحدث بين ليلة وضحاها وإنما تدرج عبر سنوات طوال وللأسف لعل الطبقة المحظوظة والتى نالت جرع من الإستنارة والتعليم خاصة تلك التى ابتعثت للخارج وعادت.

كانت إحدى العوامل المساعدة فى تكريس هذا الانقسام فما رأته أم أعينهم فى الخارج حاولوا ان يستوردوا بعضآ منه للداخل فى مجتمع لا يشبة مجتمع الغير فى شيء لكن لم تفلح جهودهم وهنا برز مصطلح العنصرية كنتاج مؤكد لكل تلك العوامل علمآ بأن العنصرية في السودان لا تظهر بشكلها الصريح كما نجدها في مجتمعات أخرى بل تتجلى فى صور أكثر تعقيدا قبلية متجذرة.. تمييز جهوي.. نظرة دونية مرتبطة باللون أو الأصل.

ولعل إذا أخذنا ما حدث في إقليم دارفور خير مثال لذلك فبعد اندلاع النزاع عام ٢٠٠٣ نجده مثالآ صارخآ لهذا التداخل فيما بين الصراع السياسي والبعد العرقي ولم تكن الحرب فى بداياتها مجرد نزاع حول السلطة والموارد بل تعداها حيث حملت في طياتها ملامح الاستقطاب العرقي مع تغذيته بالكراهية رغم ان النزاعات القبلية كانت فى الأصل موجودة بين الفينة

والأخرى فى ذلك الإقليم وغيرها من المناطق حيث كانت هنالك النزاعات القبلية التى تحدث بين الفتنة والأخرى مثال ذلك النزاع الذى نشب بين الدينكا والرزيقات واخر بين الصبحة والشلك وكذلك بين المعاليا والرزيقات وآخر بين العرب والفور.. جميعها كانت نزاعات قبلية تحدث لأسباب حيث كانت حكومة المركز تسعى على تضميدها عبر أجهزة متخصصة فى مثل هذه النزاعات وكانت الادارات الأهلية تلعب دور مشهود فى ذلك.

لكن بعد صدور قرار إلغاء دور تلك الإدارات وتحجيم دورها خلال فترة حكم إحدى حكومات الخرطوم اتسعت ملامح الاستقطاب العرقي وتعمقت الجراحات وظهرت الخطابات العنصرية خاصة مع ظهور وسائل التواصل الإجتماعي والتي كانت منصة قائمة بذاتها لبث خطابات التفرقة والتمييز والتحريض، لذلك نجد ان العنصرية او الإحساس بعدم المساواة والتمييز لا يمكن فصله عن الصراع السياسي الذى كان صراع ملتهبا حول السلطة والنفوذ والثروة وحينها ظهر مصطلح الأقاليم المهمة ولجأت الطبقة المستنيرة إلى تعبئة القبيلة، والجهة، والعرق حيث تحولت القبيلة إلى أداة تعبئة حيث يصبح الانتماء سلاحا والهوية تلاشت فى هذا الصراع الدامي وتنامى معه الإحساس بعدم المساواة والتمييز فى توزيع السلطة والعدالة الاجتماعية.

واخطر ما فى العنصرية هو كيفية تعاطيها حال وجودها خاصة عندما تتحول إلى أداة فى يد الفاعلين السياسيين او العسكريين فهى لا تكتفي بتقسيم المجتمع بل تولد هذا الصراع على اجيال متعاقبة. ومواجهة العنصرية فى السودان لا اظن إنها تحتاج إلى نص قانوني بقدر احتياجها إلى مشروع وطني يذكر الفئات المجتمعية بمعنى الانتماء على أساس المواطنة لا القبلية او الجهوية ولا على أساس الحقوق والامتيازات.

حيث يبقى السؤال هل نحن حقآ نحتاج إلى قانون يجرم العنصرية رغم انة لا يمكن ان يغير النفوس، نعم.. انه يمكن ان يصنع حدود واضحة المعالم لما هو مقبول وما هو مرفوض، وهو اعتراف من الدولة بأنها تقف على مسافة واحدة من جميع الكيانات التى تكونها وجعله الكرامة الإنسانية ليست محل تعاطى او تفاوض والعنصرية يمكن ان تهزم بالقانون لكن يجب محاربتها اولا فى العقول. تهتم عندما يرى المواطن ان العدالة تطبق بلا استثناء والفرص لا تمنح إلا على أساس الكفاءة وليس الانتماء لكى لا يتحول المجتمع إلى ساحة صراع. لذلك نشجع صنع مثل هذا القانون إن صح خبر الراوى.

اللهم أنى قد بلغت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى