حين يصبح الخطأ مألوفًا: في تشريح انهيار منظومة القيم وسبل النهوض

بقلم/ د. محمد مصطفي الامين استاذ الجامعي
لم يكن ذلك المشهد مجرد واقعة عابرة خارج قاعة الامتحان، بل كان مرآة صادقة لخلل أعمق يتجاوز حدود التعليم إلى بنية المجتمع نفسه. حين تقف طالبة بعد خروجها من الامتحان، وتطالب – دون تردد – بما يشبه “حقًا” في الغش أو التسهيل، فنحن لا نقف أمام زلة فردية، بل أمام نتيجة طبيعية لمسار طويل من تآكل المعايير واختلاط المفاهيم.
لقد أصبح الخطأ، بفعل التكرار والتطبيع، جزءًا من المشهد اليومي، حتى فقدت الأجيال القدرة على تمييزه بوصفه انحرافًا. في بيئة تُكافأ فيها المحسوبية، وتُمرر فيها التجاوزات، ويُنظر إلى الالتزام باعتباره سذاجة أو ضعفًا، لا يعود مستغربًا أن يُعاد تعريف الغش بوصفه وسيلة “مشروعة” لتجاوز العقبات. هنا، لا ينهار السلوك فقط، بل ينهار الميزان الذي يُقاس به السلوك.
المأساة الحقيقية ليست في جرأة التعبير عن هذا الخلل، بل في اعتياده. أن يُقال الخطأ بصوت عالٍ لم يعد هو الصدمة، بل أن يُستقبل بقدر من التفهم أو الانقسام، وكأن المسألة وجهات نظر، لا قضية مبدئية تمس جوهر العدالة والنزاهة. غير أن اختزال الأزمة في الأفراد يُعد تبسيطًا مخلًا؛ فهؤلاء ليسوا صانعي الأزمة، بل أبناءها. ما نراه اليوم هو نتاج منظومة تراكمت فيها التشوهات، حتى أفرزت وعيًا يتكيف مع الخلل بدل أن يقاومه، وعيًا يرى في الالتفاف على القواعد مهارة، وفي تجاوزها نوعًا من الذكاء، لا خروجًا على القيم.
وإذا كان هذا هو التشخيص، فإن العلاج لا يمكن أن يكون جزئيًا أو مؤقتًا. إعادة بناء منظومة القيم تبدأ من حيث يُصنع الوعي: من التعليم، ولكن ليس بوصفه نقلًا للمعرفة فقط، بل بوصفه تربية للضمير. المطلوب هو بيئة تعليمية تُجسد القيم لا تُلقنها، معلم يكون قدوة قبل أن يكون ناقلًا للمعلومة، ونظامًا يكافئ الجهد الحقيقي ويضع حدودًا واضحة للتجاوز. كما أن تطوير أساليب التقييم ليقوم على الفهم والتحليل، لا الحفظ وحده، يحدّ من ثقافة الغش ويعيد الاعتبار لمعنى التعلم.
وليس هذا الطرح نظريًا معلقًا في الفراغ؛ فثمة تجارب إنسانية نجحت في غرس القيم حتى أصبحت جزءًا من السلوك اليومي. في تلك البيئات، لا يُرفض الغش خوفًا من العقوبة، بل احترامًا للذات وللآخرين، لأن الطالب تربى على أن النزاهة ليست خيارًا، بل جزء من هويته. وهنا تتحقق النقلة الأهم: من رقابة خارجية تفرضها القوانين، إلى رقابة داخليةك يحرسها الضمير.
إن استعادة التوازن القيمي ليست مهمة سهلة، لكنها أيضًا ليست مستحيلة. تبدأ بالاعتراف الصريح بحجم الخلل، وتمتد عبر إصلاح تدريجي يعيد الاعتبار لمفاهيم العدالة والاستحقاق. فالقضية، في جوهرها، لا تتعلق بامتحان ولا بطالبة، بل بسؤال أعمق: أي مجتمع نريد أن نبنيه؟
الإجابة لا تُكتب في البيانات، بل تُصاغ في المدارس، وتُمارس في تفاصيل الحياة اليومية، حتى يعود الصواب مألوفًا… ويستعيد الخطأ غرابته.



