دبلوماسية “الكرسي الفارغ”.. مؤتمر برلين نموذجًا ..

ملح الأرض
خالد ماسا
ومنذ اندلاع الحرب في السودان منذ ثلاثة أعوام ظل السودان “حاضرًا” بشكل كبير على مستوى المنصات الإقليمية والدولية، وبعد أيام فقط من انطلاق الرصاصة الأولى كان ملف حرب السودان حاضرًا في “منبر جدة” برعاية سعودية أمريكية، يبحث اتفاقًا لوقف إطلاق النار والتفاوض حول المسارات الإنسانية، بل تم توقيع ما تم تسميته باتفاق جدة لاحقًا، والذي شهد تجاذبًا من قبل الموقعين عليه من حيث الالتزام بما تم اعتباره اتفاقًا.
وعلى الشاكلة ذاتها تحرك الإقليم ممثلًا في منظمة الاتحاد الإفريقي والمنظمة الحكومية للتنمية “إيغاد” لرأب الصدع السوداني، ولأن الحرب بدأت ترسل نذرًا بالتوسع والمساس بأمن وسلامة الإقليم، وكذلك فتحت مصر منابرها تحت مسمى مبادرة دول الجوار، وبالتالي بقبول السودان أو رفضه لم تعد الحرب ملفًا داخليًا يناقش بمعزل عن العالم المحيط، ولأن الأجواء الحاكمة في هذا الملف هي أجواء “حرب”، فإن الموقف الدبلوماسي السوداني كان متأرجحًا بين موقفي الرفض والقبول تأسيسًا على الموقف من الجهة نفسها وموقفها المعلن مما يدور في السودان.
(*) دبلوماسية “المقاطعة” ..
و”المقاطعة” ليست بدعة جديدة ابتدعتها الحكومة السودانية لتدير بها موقفها من السعي الدولي والإقليمي لوضع ملف الحرب في الإطار التفاوضي، بل هي تقليد دبلوماسي معلوم، ومنذ الإعلان عن انعقاد مؤتمر “برلين” الأخير في ألمانيا ظهر الموقف الحكومي المقاطع للمشاركة ردًا على عدم دعوتها بشكل رسمي للمشاركة، وتوجيه الدعوة لشخصيات وجهات ترى بأنها تمثل أطرافًا لها موقفها من الحكومة السودانية، ولازم ذلك الموقف حملة إعلامية مكثفة من أصحاب الموقف الداعم للحكومة السودانية، الغرض منها إرسال ما مفاده أن الحكومة السودانية غير راضية عن الطريقة التي أُدير بها التحضير للمؤتمر.
يمكننا اعتبار أن هنالك على الدوام موقفًا ثابتًا ظلت الدبلوماسية السودانية والجانب الرسمي في الحكومة يتمسكان به في تعاملهما مع أي حراك إقليمي ودولي يخص أزمة الحرب، وهو رفض المساواة بين الكتوف واستخدام مفهوم “طرفي الصراع”، باعتبار أن ذلك فيه مساس بالسيادة الوطنية، وحسابات “التفاوض” أو النقاش تتطلب في بعض الأوقات تحقيق مكاسب على طاولات التفاوض حتى قبل الجلوس على مقاعدها، وكذلك إرسال رسائل في بريد الآخرين بأن أي تنازلات بخصوص ثوابت العملية التفاوضية غير مطروح للنقاش.
لقراءة هذا الموقف وتفكيكه من حيث فعاليته ودعمه للموقف الرسمي للدبلوماسية الحكومية أو الإضرار بها، لا يمكن التعامل معه “إجمالًا”، لأن كل موقف يؤخذ منفصلًا، وهو يحدد إن كان وقتها موقفًا “سياديًا مشروعًا” أم هي “عزلة مكلفة”.
فيما يخص منصات ومنابر الإقليم، نجد أن الحكومة السودانية على علم بضعفها وعدم قدرة آلياتها على فرض واقع يتجاوز حسابات الأرض والميدان، وبالتالي استخدمت دبلوماسية المقاطعة، وكان “الكرسي الفارغ” هو صوت السودان الذي حققت به مكاسب لا يمكن غض الطرف عنها، وتتمثل في انتزاع مواقف داعمة للسيادة ووحدة الأراضي السودانية، في مقابل عدم الاعتراف الرسمي بأي حكومة “موازية” تمثل الطرف الآخر، وذلك لم يتحقق بالتفاوض والمشاركة بقدر ما أن رسالة “المقعد الفارغ” حققت سقفًا من المكاسب للحكومة.
بالمقابل، ففي ملعب السياسة وتقاطعات المصالح والتحالفات، فإنه لا يتحمل “الفراغ”، والغياب الذي يتركه الموقف الدبلوماسي للحكومة السودانية فتح مساحات سياسية للمليشيا ليمشي قائدها على “البساط الأحمر” ويقابل رؤساء الدول في الإقليم، والنجاح في خلق طوق إقليمي من جوار على الأقل داعم لموقف التعامل بمسافة واحدة، وهذا ما بدأ واضحًا في مواقف كمبالا ونيروبي وجوبا وأديس أبابا وأنجمينا، ولا يمكن مغالطة أن المقاطعة و”فتور” العلاقة مع هذه العواصم شكلت إسنادًا إضافيًا للمليشيا وفتحت أمامها شريان دعم “لوجستي” تواجه بورتسودان الآن بسببه صعوبات كبيرة.
الموقف من مؤتمر برلين حاليًا لا يمكن فهمه في ظل أنه يناقش قضايا لطالما ذكر الموقف الحكومي رسميًا بأنه منفتح باتجاهها، سواء كان ذلك يخص ملف المساعدات الإنسانية أو وقف إطلاق النار والتفاوض حول التحول السياسي.
موقف الحكومة السودانية الحالي من مؤتمر برلين يجب قراءته بنظرة أبعد من زوايا الرفض والقبول، لأن العنوان الأبرز في هذا المؤتمر هو دعم الاستجابة الإنسانية في السودان، وهو موضوع تهتم الحكومة السودانية بظهورها فيه بمظهر المهتم بالجانب الإنساني.
لا يمكن اتخاذ موقف المقاطعة بشكل صارم وصريح، وهنالك علم بأن الجهات المنظمة والداعمة للمؤتمر في برلين هي الاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمم المتحدة ودولة ألمانيا كمستضيف، بالإضافة لدول بوزن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وبالتالي فإن إرسال رسائل سالبة في بريد مجهود هذه الدول المعروف اهتمامها بملف حرب السودان ليس في الصالح.
وصف بعض الناشطين أو المحسوبين على الجانب الحكومي مؤتمر برلين بالمؤامرة على السودان والسعي لاستعماره، ظنًا منهم بدعم وتقوية الموقف الحكومي، يفتقد للحساسية الدبلوماسية، لأن مشاركة دول عُرف عنها الموقف الثابت والداعم لمؤسسات الدولة السودانية يجعل من هذا الوصف أهدافًا عكسية تُسجل في المرمى الحكومي، وتقطع الوصال بينها وبين أي دعم متوقع، ليصبح بالفعل مقعد السودان “فارغًا” في كل المنابر والمنصات، ويظهر الجانب الحكومي بمظهر المتعنت أمام أي فرصة وباب طرقه المجتمع الإقليمي والدولي لحل الأزمة السودانية، وبالتالي إدخال الداعمين في “حرج” دبلوماسي كبير.
في جانب آخر، الحكومة لديها تنسيق عالٍ مع منظمات دولية ناشطة في الجوانب الإنسانية وتساعدها في تحمل مسؤولياتها تجاه المواطنين، مثل برنامج الغذاء العالمي واليونيسيف ومفوضية اللاجئين، وتعلم جيدًا بأن جزءًا من التعهدات الدولية التي تم الالتزام بها في برلين تتعلق بالاستجابة الحكومية للتنسيق مع هذه المنظمات.
تعلم الحكومة أكثر من غيرها بأن طريقة مؤتمر برلين وما سبقه من مؤتمرات هي طريقة المجتمع الدولي في التعامل مع الأزمات، ولو اكتفى مؤتمر برلين بإعادة إدارة رأس الاهتمام الدولي بحرب السودان بعد نسيانها في خضم الحروب الدولية الأخرى، لجعل ذلك من مؤتمر برلين محل اهتمام لدى الدبلوماسية السودانية وتصحيحًا للأدوات المستخدمة فيها.
المواقف التي تمشي تحت حجج المخاوف من “التدويل” ورفض الوصايا الدولية لم تستوعب بعد الاهتمام الدولي والإقليمي بالآثار الإنسانية للحرب، والتزام السودان كدولة بالتعهدات والمواثيق الدولية، وبالمقابل يجب أن يفهم المجتمع الدولي ومنظماته بأنه لا يمكن فرض حلول على طرف أصيل يشكل جزءًا من الواقع بتجاوزه وعدم التعاطي المباشر معه.
العرف الدبلوماسي يلتزم بالحلول التفاوضية ويبحث عنها ويفتح لها بوابات منصاته ومؤتمراته وعواصم الدول التي تبدي رغبات جادة في التوسط للحل، والإصرار على ترك المقعد فارغًا في كل المناسبات قد يعني تلقائيًا استدعاء الحلول الأخرى، بما فيها استخدام الصلاحيات الممنوحة في المنظمة الدولية للبند السابع، وتبقى حدود استخدام المقاطعة ودبلوماسية المقعد “الفارغ” كتكتيك لتحسين المواقف التفاوضية والتأكيد على عدم الاعتراف بشرعية الأطراف الأخرى أو المحافظة على المظهر أمام الرأي العام الداخلي، ولكن في مقابل ذلك هنالك ثمن من المرجح جدًا أن يُدفع، متعلق بفقدان التأثير داخل “الغرف المغلقة” ومطبخ القرار الدولي، و”الفراغ” الذي تصنعه المقاطعة يفسح المجال لروايات الأطراف الأخرى، كما يؤدي ذلك لتآكل العلاقة مع المانحين للمساعدات في المنظمات الدولية.
(*) التناقض سيد الموقف من مؤتمر برلين ..
بالذي حدث في مؤتمر برلين يمكننا أن نفهم بأن “المقاطعة” لم تكن الموقف المتفق عليه من حكومة يوجد بها الآن طيف واسع من الشركاء، سواء على مستوى المقاعد الحكومية أو في ميدان القتال، ففصيل مناوي أعلن عن مشاركة مندوب له في المؤتمر بصفة “مراقب”، والتي تم إطلاقها عليه لا تجعل المقعد المخصص له في قاعة المؤتمر شاغرًا، وكذلك بقية المقاعد التي جلس عليها حلفاء الجانب الحكومي الآخرين، وكانوا بمثابة أذن الحكومة التي تسمع ما يقال في مؤتمر برلين حال أنهم لم يكونوا لسانها، وهذا يعطي تفسيرًا بأننا كنا أمام مقاطعة “شكلية” أكثر من أنها موقف استراتيجي حقيقي، بدليل رواج تصريحات لوزير المالية بترحيبه بالالتزامات المالية الصادرة عن مؤتمر برلين والبالغة 1.5 مليار دولار، باعتبار أنها تقابل جزءًا كبيرًا من الاحتياجات الإنسانية الفعلية التي خلفتها الحرب، والتي تصل إلى 2.5 مليار دولار، والاحتفاظ بالموقف السياسي المتحفظ من مؤتمر برلين وبعض الجهات المشاركة فيه.
وهنا يبرز السؤال أيضًا: في ظل “المقعد الفارغ” في المحافل الإقليمية والدولية، فمن الذي يقود ملف السودان؟ هل هي الأمم المتحدة أم المنظمات التابعة لها أم الدول المانحة؟
وبعد تجربة دبلوماسية “المقاطعة” والمقعد “الفارغ” في أكثر من موضع، هل أجرت الحكومة السودانية عملية تقييم لنتائج هذه الممارسة؟ وهل نحن أمام ممارسة “سيادية” ضرورية أم هي رفاهية سياسية لا يجوز استمراء استخدامها في بلد متفق على أنه يعيش أزمة حرب حقيقية تهدد وجوده بالأساس؟



