مأساة بيوت الكراتين..
معسكرات نازحي غرب كردفان تحت رحمة الجوع وزخات المطر

تخمة المخازن وخواء البطون.. مأساة “الأمانات” المحتجزة وصراع الأمعاء الخاوية في الأبيض
جحيم “ثويبة”: صيف يحرق الأجساد وخريف يهدد بابتلاع “الملاجئ الورقية
الخرطوم | الأبيض | ربك: عماد النظيف
تتوسع هوة المعاناة في إقليم كردفان مع مرور كل يوم من عمر النزاع المسلح، وبينما تضيق الأرض بما رحبت على الفارين من جحيم الحرب في ولاية غرب كردفان، لم يعد الرصاص وحده هو المهدد الوحيد للحياة، بل برز التعنت الإداري كقاتل صامت يحاصر آلاف الأسر المنهكة التي نجا أفرادها من الموت بأعجوبة. بين ردهات مدن الأبيض والنهود وربك، تتكشف فصول مأساة إنسانية يندى لها الجبين، بطلها احتجاز الأمانات الإغاثية خلف قضبان البيروقراطية، في وقت يواجه فيه النازحون في مراكز الإيواء شبح الجوع والأوبئة، بينما يصارع الطلاب والمعلمون من أجل انتزاع حقهم في مستقبل أكاديمي ومهني بات مهب الريح وسط تجاذبات وصراعات السلطة والمال.

ارتهان الإغاثة: جريمة تجويع خلف قضبان البيروقراطية
في خطوة تعكس حجم الغبن الإنساني، فجّرت غرفة طوارئ دار حمر قنبلة مدوية في بيان للرأي العام والضمير الإنساني بتاريخ 7 مايو 2026، كشفت فيه عن واقع مرير وصادم واجهه مفوض العون الإنساني بغرب كردفان صبري يوسف جبارة فور وصوله في مهمة طارئة. وأكدت الغرفة أن مفوض العون الإنساني بولاية شمال كردفان يحتجز في مخازنه المساعدات المخصصة لنازحي دار حمر عمداً، رغم وصولها رسمياً من السلطات المركزية باسم المتضررين.
وجاء في متن البيان الصادر عن الغرفة: “إن حجب الغذاء والدواء عن النازحين وهم ضيوف داخل ولايتك ليس مجرد تعنت إداري، بل هو جريمة تجويع تخالف الدين والمروءة. أيعقل أن يفر أهلنا بكرامتهم وأطفالهم إلى ولاية جارة، ليجدوا أن إغاثتهم المسجلة باسمهم مركونة في المخازن بينما يفتك بهم الجوع في مراكز النزوح؟ إن احتجاز هذه الأمانات هو طعنة في قيم الإخاء والجوار، وهو سلوك لا يمكن وصفه إلا بأنه تجويع متعمد لأرواحٍ منهكة لم تطلب غير حقها المشروع”. وحملت الغرفة مفوض شمال كردفان المسؤولية القانونية والأخلاقية عن أي تدهور صحي يلحق بالنازحين، مشددة: “حقوق أهلنا في دار حمر ليست منحة من أحد، ولن نسمح بأن تكون لقمة عيش النازحين مادة للمماطلة أو المساومات الإدارية”.

يوميات البؤس: شهادات من مراكز ثويبة
بينما تقبع المساعدات في المخازن، ترسم شهادات النازحين في معسكرات مدينة الأبيض صورة قاتمة لواقع يفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية. تروي منيرة إسماعيل عبد الله (نازحة من منطقة أم رماد ) تفاصيل يومياتها القاسية قائلة: “ساكنة في المعسكر ولكن بعاني من مشاكل ازدياد في السكان وضيق ومشاكل في الحمامات ومشكلة المياه وبنجيب الموية من برا المعسكر وفي ضيق في السكن”.
وتشاطرها النازحة حرم عبد الكريم (معسكر ثويبة) هذه المأساة مع دخول فصل الصيف اللاهب، حيث تقول: “في ضيق في السكن في قلة في الحمامات مساحات ضيقة، الزمن جاي صيف محتاجين لظل ومساحات واسعة نعاني من اي شيء والملابس لا تليق بفصل الصيف ومشكلة شح في الموية مرات التنكر بجي ومرات التناكر تتأخر وبنضطرا نجيب الموية على رأسنا من محلات بعيدة”.
من جهته، يدق عوض عبد الله محمد (نازح من منطقة الخوي بغرب كردفان) ناقوس الخطر الأمني والصحي من مدرسة ثويبة الابتدائية، مؤكداً: “تواجهنا مشاكل امنية تتمثل في وجود بعض الشخصيات الما معروفه التى تخش المعسكر وايضا مشكلة الموية وجركانة الموية بالف جنية والمشكلة الصحية الصحة العلاجية وصحة البيئة ردئية جدا وايضا مشاكل الإكتظاظ ونحنا نواجه فصل الصيف”.
نداء الاستغاثة: تحذيرات رسمية من كارثة زخة المطر
على المستوى الرسمي التنفيذي، لم يكن صوت والي غرب كردفان، اللواء محمد آدم جايد، بعيداً عن هذه الاستغاثات. ففي حوار سابق له مع ( العودة)، أقر بصعوبة الوضع قائلاً: “الأوضاع الإنسانية صعبة للغاية وتحتاج لتدخل عاجل؛ فالطلبات كبيرة وما زال أهلنا المتضررون يحتاجون إلى مضاعفة الجهد التدخلي، خاصة والخريف على الأبواب. نحن بحاجة ماسة لتوفير الإيواء والغذاء، فالوضع الحالي لا يحمي من أقل “زخة مطر”. نناشد مفوضية العون الإنساني وكل المنظمات تقديم العون لأهلنا؛ فهم في أمس الحاجة للسند في المرحلة المقبلة. ونسأل الله أن تُحرر الولاية قبل دخول الخريف لتنتهي هذه المعاناة وتغنينا عن المتطلبات العاجلة، ولكن إذا لم يحدث ذلك، فنحن في أمس الحاجة لمواد الغذاء والدواء والكساء”.
فساد الإغاثة: 25 مليار تتبخر في جيوب السوق السوداء
وسط هذا البؤس، أطلق سليمان أبو حميدة حمد، الناطق الرسمي باسم مبادرة طوارئ النهود المركزية، عبر (صحيفة العودة) صرخة استغاثة محذراً من انهيار وشيك للأوضاع نتيجة توقف التكايا منذ ستة أشهر نتيجة انقطاع الدعم المالي واللوجستي. وفجّر أبو حميدة مفاجأة مدوية حول ضبط واقعة بيع 600 جوال دقيق من مخصصات الإغاثة في السوق السوداء بقيمة بلغت 25 مليون جنيه. واصفاً واقع الـ 48 ألف أسرة نازحة في شمال كردفان بالكارثي، حيث يضطرون للسكن في ملاجئ مهترئة مشيدة من الأكياس والكراتين الورقية. وحمّل أبو حميدة والي شمال كردفان ووزير الصحة المسؤولية المباشرة عن هذا التقصير الفاضح، مطالباً بالتدخل الفوري لإنقاذ آلاف الأسر من شبح الجوع والأوبئة قبل فوات الأوان.

المواجهة المباشرة: صبري جبارة يفضح مساومات كسوة العيد
وفي مخاطبة مؤثرة بمدينة ربك في ولاية النيل الأبيض، شنّ مفوض العون الإنساني بغرب كردفان، صبري يوسف جبارة، هجوماً لاذعاً على مفوضية شمال كردفان، كاشفاً بمرارة عن حرمان الأطفال من كسوة العيد ومساومة النازحين في الأبيض بين الترحيل القسري للمعسكرات أو الحرمان من لقمة العيش، مؤكداً بنبرة حادة: “لقد ذقت عذاب المليشيا في نفسي.. المخازن ممتلئة والشاحنات تملأ الطرقات، لكن نصيب نازحينا لا يصلهم!”.
مستقبل مجهول: مأساة معلقة في انتظار قرار سيادي
تعهد المفوض جبارة في ختام حديثه بمتابعة كافة التوصيات الصادرة عن لجان النيل الأبيض، بما في ذلك إعفاء الطلاب من الرسوم الدراسية وضمان وصول شحنة الأدوية المتبرع بها من الناظر منعم عبد القادر منعم منصور.
تظل القضية اليوم تراوح مكانها بين ترتيبات إدارية للامتحانات وواقع إنساني مرير يحبس الغذاء والدواء عن مستحقيه في مخازن الولاية الجارة، في انتظار قرار سيادي عاجل يفك ارتهان هذه الأمانات لإنقاذ أرواح تفتك بها البيروقراطية والجوع قبل حلول فصل الخريف.



