السودان يعيد تموضعه عربياً..

مجلس الجامعة العربية أعاد القرار للأمانة العامة لإتخاذ ما يلزم..

معركة صامتة داخل الجامعة العربية انتهت بإختراق سياسي مهم لصالح السودان..

أربع رسائل هامة حملها القرار العربي بشأن السودان..

 نجاح تثبيت الرواية الرسمية للدولة داخل واحدة من أعقد الساحات الدبلوماسية العربية..

  تحول متقدم في مقاربة الجامعة تجاه الأزمة السودانية..

الخرطوم والقاهرة تديران تنسيقاً دبلوماسياً عالي الحساسية لحماية الدولة السودانية من العزل السياسي..

 السودان يربح تدريجياً معركة الشرعية والسيادة داخل الفضاء العربي..

قراءة وتحليل/علم الدين عمر 

دبلوماسية تحت الضغط..

في واحد من أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ السودان الحديث.. خاضت المندوبية الدائمة للسودان لدى جامعة الدول العربية معركة دبلوماسية شديدة الحساسية بهدف حماية موقع السودان داخل المنظومة العربية..ومنع تمرير أي مقاربات تنتقص من شرعية الدولة السودانية أو تضع مؤسساتها الوطنية في موضع الإستهداف السياسي..

لم تكن المهمة سهلة بأي حال من الأحوال.. فالأزمة السودانية تحولت خلال العامين الماضيين إلى ملف إقليمي شديد التشابك.. تتقاطع فيه حسابات الأمن القومي العربي مع مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة.. بينما تعرضت الرواية الرسمية السودانية لمحاولات ضغط وتشويش مستمرة داخل عدد من المنابر السياسية والإعلامية..

وسط هذه البيئة المعقدة.. تحركت مندوبية السودان الدائمة بجامعة الدول العربية بالتنسيق الكامل مع سفارة السودان بجمهورية مصر العربية..وفق إستراتيجية تقوم على العمل التراكمي الهادئ، وإدارة التوازنات الدقيقة داخل الجامعة العربية..وبناء مساحات تفاهم واسعة مع العواصم العربية المؤثرة.. بهدف تثبيت موقف السودان الرسمي كدولة تخوض معركة للحفاظ على سيادتها ومؤسساتها الوطنية ووحدة أراضيها..

وخلال الفترة الماضية..تصاعد دور السفير عماد الدين عدوي وطاقمه الدبلوماسي..الذين نجحوا في إدارة هذا الملف بدرجة عالية من المهنية والإنضباط السياسي علي الرغم من الضغوط الكبيرة التى تتعرض لها سفارة السودان بالقاهرة التي تضطلع بمهام المندوبية إلي جانب أعمالها الأخري..في وقت كانت فيه بعض الأطراف تسعى لدفع النقاش العربي نحو مسارات أكثر إلتباساً بشأن طبيعة ما يجري في السودان..

 

إختراق سياسي داخل المؤسسة العربية..

 

قرار مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين بشأن “حفظ وصيانة أمن السودان واستقراره”.. لا يمكن التعامل معه كبيان دبلوماسي تقليدي..بل مثل إختراقاً سياسياً مهماً يعكس نجاح الخرطوم في إعادة صياغة موقعها داخل المؤسسة العربية..

فالقرار جاء بعد سلسلة طويلة من الإتصالات والمداولات والتحركات السياسية المعقدة في الشأن السوداني كله وليس التطورات الأخيرة فحسب..وقد أعاد تثبيت عدد من المرتكزات الجوهرية في الموقف العربي تجاه السودان خلافاً لما قد يبدو كبيان متردد..وفي مقدمتها التأكيد على سيادة الدولة السودانية.. ووحدة مؤسساتها الوطنية..ورفض تهديد إستقرارها أو المساس ببنيتها السيادية..

وفي السياق العربي.. تكتسب مثل هذه المواقف أهمية مضاعفة..لأن الجامعة العربية لا تتحرك وفق منطق الدولة الواحدة..بل وفق شبكة واسعة من التوازنات والحساسيات السياسية والأمنية المتباينة..

ولذلك..فإن نجاح السودان في الحفاظ على مساحة متقدمة داخل هذه المؤسسة.. وفي دفعها نحو مواقف أكثر وضوحاً تجاه إستقرار الدولة يعكس حجم الجهد السياسي والدبلوماسي الذي تم بذله بعيداً عن الأضواء..

 

إعادة تثبيت الرواية السودانية..

 

في الأشهر الأولى للحرب..واجه السودان تحدياً بالغ الصعوبة تمثل في تعدد الروايات ومحاولات إعادة تعريف الأزمة خارج إطارها المرتبط بحماية الدولة ومؤسساتها..

لكن التحرك السوداني داخل الجامعة العربية ركز بصورة واضحة على إعادة تقديم الأزمة باعتبارها معركة تتعلق بالحفاظ على الدولة السودانية ومنع إنهيارها.. وليس مجرد صراع سياسي تقليدي على السلطة كما حاولت بعض الداوئر تصويره وتسويقه..

هذا التحول في طريقة عرض الملف السوداني لعب دوراً مهماً في تغيير طبيعة النقاش داخل الدوائر العربية..خاصة مع تنامي المخاوف الإقليمية من تداعيات انهيار السودان على أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي والهجرة غير الشرعية وانتشار الجماعات المسلحة..

في واقع إقليمي شديدة التعقيد.. تتقاطع فيها الحسابات الأمنية مع رهانات النفوذ وإعادة تشكيل الخرائط السياسية في المنطقة..نجح السودان في تحقيق إختراق دبلوماسي مهم داخل أروقة جامعة الدول العربية..قبل هذا القرار الصادر عن مجلس الجامعة على مستوى المندوبين الدائمين بشأن “حفظ وصيانة أمن السودان واستقراره”..

القرار..الذي جاء بعد سلسلة طويلة من التحركات والإتصالات والمداولات الهادئة والخشنة.. لا يمكن قراءته كموقف بروتوكولي عابر أو كصياغة دبلوماسية تقليدية.. بل مثل مؤشراً سياسياً مهماً على تحولات متقدمة في المزاج العربي تجاه الأزمة السودانية..وعلى نجاح الخرطوم في إعادة تقديم روايتها الرسمية بصورة أكثر تماسكا وتأثيراً داخل الفضاء العربي..

خلال الأشهر الماضية..كانت معركة السودان في كل الاتجاهات.. الميدان العسكري.. الحرب الإعلامية وفي ساحات التأثير السياسي والدبلوماسي..وبينما كانت الأنظار تتجه غالباً إلى خطوط النار والتحركات العسكرية.. كانت هناك جبهة أخرى تعمل بصمت واحترافية عالية داخل الجامعة العربية ومؤسساتها المختلفة..عبر المندوبية الدائمة للسودان بالجامعة بالتنسيق الكامل مع سفارة السودان بجمهورية مصر العربية..

كان السفير عماد الدين عدوي وطاقمه الدبلوماسي..قد أداروا ملفاً شديد الحساسية والتعقيد.. وسط توازنات عربية دقيقة..وتقاطعات إقليمية متشابكة.. ومواقف متفاوتة تجاه الأزمة السودانية..

فالمعادلة داخل الجامعة العربية ليست بسيطة..إذ تتحرك كل دولة وفق حساباتها الخاصة ومصالحها الإقليمية ومخاوفها الأمنية.. كما أن بعض القوى الإقليمية حاولت منذ اندلاع الحرب التأثير على مسارات النقاش العربي بما يخدم رؤيتها الخاصة للصراع في السودان..

لكن الدولة..وعبر عمل دبلوماسي متدرج ومنظم..إستطاعت خلال الفترة الأخيرة أن تعيد تثبيت عدد من الثوابت الأساسية داخل الخطاب العربي الرسمي تجاه السودان..وفي مقدمتها التأكيد على السيادة ووحدة الأراضي.. ورفض أي تهديد للمؤسسات الوطنية..وعلى رأسها القوات المسلحة السودانية..

حيث تستمر الجهود والتفاهمات الثنائية بين السودان ودول الجامعة إمتداداً لمسار متصاعد من الدعم السياسي العربي لمؤسسات الدولة السودانية.. خاصة بعد اتساع حجم المخاوف الإقليمية من سيناريوهات الإنهيار الشامل أو التفكك أو تمدد الفوضى المسلحة في المنطقة..

الجامعة العربية.. بوصفها كتلة سياسية وجغرافية ذات تأثير معتبر..تدرك اليوم أن ما يجري في السودان لم يعد شأناً داخلياً محدود التأثير.. بل أزمة ترتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر..واستقرار القرن الإفريقي..وأمن الحدود..والهجرة غير الشرعية..وحركة الجماعات المسلحة.. والتوازنات الإقليمية الحساسة..

وبذلك فإن القرار حمل في مضمونه رسائل سياسية متعددة..بعضها معلن وبعضها ضمني..

الرسالة الأولى تتعلق بالتأكيد علي رفض أي مساس بالدولة السودانية كمؤسسة قائمة..وهو ما ينسجم مع القلق العربي المتزايد من نماذج التفكيك والإنهيار التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين..

 

أما الرسالة الثانية.. فتتصل بإدانة إستهداف البنية التحتية والمنشآت المدنية وما ترتب على ذلك من خسائر بشرية وإقتصادية ضخمة.. وهي نقطة مهمة لأنها تعكس تحولاً متزايداً في طبيعة الخطاب العربي تجاه الحرب.. من لغة الحياد التقليدي إلى الإقتراب أكثر من توصيف آثار الحرب ومسؤولياتها..

بينما تمضي الرسالة الثالثة في إعادة منح السودان مساحة سياسية أوسع داخل المنظومة العربية..بعد فترة حاولت خلالها بعض الأطراف دفع الأزمة السودانية نحو مسارات بديلة خارج الإطار العربي..

اللافت كذلك أن القرار أعاد التأكيد على كافة القرارات السابقة المتعلقة بالسودان..وهو أمر يحمل دلالات مهمة على مستوى تراكم المواقف الرسمية العربية وعدم السماح بإعادة ضبط النقاش من نقطة الصفر في كل مرة..

ورغم أن قطاعات واسعة من السودانيين كانت تتطلع إلى موقف عربي أكثر صراحة وحسماً تجاه الإعتداءات الإثيوبية الأخيرة على السودان..فإن القراءة المهنية لطبيعة العمل الدبلوماسي داخل الجامعة العربية تكشف أن الوصول إلى صيغ توافقية داخل مؤسسة تضم هذا العدد من الدول والمصالح ليس أمراً سهلاً..

فاللغة الدبلوماسية كثيراً ما تتحرك عبر التدرج..وتوازن بين الممكن السياسي والمطلوب الإستراتيجي..كما أن بعض الملفات الحساسة تخضع لحسابات إقليمية أعقد من أن يتم التعبير عنها بصورة مباشرة وحادة داخل البيانات الرسمية..

ومع ذلك.. فإن مجرد تثبيت قضية الأمن السوداني كأولوية عربية مستمرة..وربط إستقرار السودان بالأمن العربي الجماعي..يمثل في حد ذاته مكسباً سياسياً مهماً للخرطوم في هذه المرحلة..

ويبدو واضحاً أن التنسيق السوداني المصري لعب دوراً محورياً في دعم هذا المسار..ليس فقط بحكم العلاقات التاريخية بين البلدين فحسب وإنما أيضاً بسبب إدراك القاهرة العميق لخطورة مهددات إنهيار الدولة السودانية على الأمن القومي المصري والعربي..

وخلال الفترة الماضية.. تحولت القاهرة إلى واحدة من أهم منصات الحراك السياسي والدبلوماسي المرتبط بالأزمة السودانية.. سواء عبر الجامعة العربية أو عبر الإتصالات الثنائية ومتعددة الأطراف..

هذا التنسيق أتاح للسودان هامش حركة أكبر داخل المؤسسات العربية.. وساعد في مواجهة محاولات العزل أو التشويش على الرواية الرسمية للدولة السودانية..

كما أن الأداء المهني للمندوبية السودانية داخل الجامعة العربية ساهم في بناء شبكة واسعة من الإتصالات والتفاهمات..قائمة على تقديم السودان كدولة تخوض معركة وجود ضد مشروع تفكيك شامل.. وليس مجرد طرف في نزاع سياسي عابر..

أهمية العمل الدبلوماسي الهادئ الذي لا يحظى غالباً بالإهتمام الإعلامي الكافي مقارنة بما يجري في الميدان العسكري تظهر من هذه الزاوية بالتحديد..

فالنجاحات التي تتحقق داخل المؤسسات الإقليمية والدولية في الغالب لا تُبنى بالخطابات الحماسية.. وإنما عبر عمل تراكمي طويل.. قائم على إدارة التفاصيل الدقيقة.. وبناء التحالفات.. واحتواء التباينات.. وتقديم الملفات بصورة إحترافية قادرة على التأثير في مراكز القرار..

وفي فيما يبدو بدأ السودان بالفعل خلال الأشهر الأخيرة في استعادة جزء مهم من حضوره السياسي العربي..بعد فترة معقدة أتسمت بتعدد المنابر والمبادرات وتضارب الرؤى بشأن مستقبل الأزمة..

كما أن التحولات الميدانية الأخيرة.. وتماسك مؤسسات الدولة..والتراجع النسبي لبعض الرهانات الإقليمية المرتبطة بالحرب.. كلها عوامل ساهمت في تعزيز الموقف السوداني داخل الدوائر العربية..

لكن الأهم من ذلك كله.. أن الدولة تبدو أكثر إدراكاً لحقيقة أن معركة الدولة تمر كذلك عبر إدارة العلاقات الدولية والإقليمية بكفاءة عالية..

ففي وضع شديد التعقيد كالذي تمر به المنطقة والعالم اليوم..تصبح الدبلوماسية امتداداً مباشراً للأمن القومي.. وتتحول قاعات التفاوض والمنظمات الإقليمية إلى ساحات إشتباك موازية لا تقل أهمية عن الميدان..

ولذلك..فإن الرؤية لما تحقق داخل الجامعة العربية خلال الفترة الماضية لا ينبغي النظر إليه كنجاح إجرائي محدود..بل باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة تثبيت السودان داخل محيطه العربي والإقليمي..وإعادة بناء شبكة دعمه السياسي تدريجياً..

لقد خاضت المندوبية السودانية وسفارة السودان بالقاهرة معركة صامتة ومعقدة..نجحتا خلالها في الحفاظ على مساحة السودان داخل الجامعة العربية..وفي منع إنزلاق المؤسسة العربية نحو مواقف أكثر إلتباساً أو ضبابية تجاه الأزمة..

وإذا كانت المعارك العسكرية تُقاس بالمناطق التي يتم إستردادها على الأرض..فإن المعارك الدبلوماسية تُقاس بالمساحات التي يتم الحفاظ عليها داخل خرائط النفوذ والشرعية والمواقف الدولية..

ويبدو أن السودان نجح في تحقيق نقطة متقدمة جديدة في معركته الطويلة دفاعاً عن الدولة والسيادة والإستقرار..

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى