المشير ​سوار الذهب.. المارشال الذي ترفّع عن بريق السلطة وانتصر لوعده

المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: 

​في لقاءٍ قبل أيام ضمن بودكاست “السودان 360” الذي يقدمه الصحفي عبد المنعم سليمان “بيجو”، أطل الدكتور النور حمد بحديثٍ انزلق فيه نحو محاولات بائسة للنيل من مكانة المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب، واصفاً إياه بـ”المضلل” في سياق تزييفٍ سياسي يسعى لتشويه مواقف تاريخية سكنت وجدان الشعب السوداني. إن ما دفع قلمي اليوم لتسطير هذه السطور، يتجاوز مجرد الرد على تلك المزاعم و الافتراءات، ليشكل ممارسة لمسؤولية أخلاقية تفرضها ضرورة الدفاع عن رمزٍ وطني غادر دنيانا، ولم تعد له القدرة على الذود عن نفسه ، بخلاف بقية الأسماء التي وردت في ذات اللقاء، فهم أحياء كفيلون بالدفاع عن مواقفهم.

إن استحضار سيرة هذا النبيل الراحل إنما هو انتصار للحقائق في وجه “التدليس”، وتأكيد على أن تاريخ الأمم المحتشد بشواهد نادرة لرجالٍ لم تفتنهم كراسي الحكم ولم تُغوِهم سطوة السلاح من النوادر التي يجب أن تمتلكها الأجيال الحالية، سيبقى المشير في صدارة المشهد كأيقونة عالمية للزهد والوفاء بالعهد؛ فالتاريخ لا يكتبه الموتورون، إنما تسطره المواقف الصلبة التي لا تقبل التأويل.

​لقد جسد المشير سوار الذهب نموذج العسكري المحترف، المتشبع بقيم المؤسسة العسكرية السودانية العريقة؛ فحين انحاز لانتفاضة أبريل 1985، عبّر عن استجابةٍ وطنية لنداء الشارع وحقناً لدمائه. إن اتهامات النور حمد له بـ”الكوزنة” أو التمهيد لتمكين تيار بعينه، تعكس قراءة قاصرة وسذاجة مفرطة في تفسير كواليس القرار التاريخي. فالمشير الذي تردد طويلاً في قبول استلام السلطة متنازعا بين “بيعة” عسكرية وأخلاقية لرئيسه الذي كان حينها في رحلة إلى أمريكا، و بين الانحياز لصوت الشعب صاحب الحق الأصيل فوق حق الرئيس ، ليخضع في نهاية المطاف حين حاصره قادة الانتفاضة بحقيقة أن إحجام الجيش سيفضي إلى مجازر دامية تجوب فيها قوات الأمن القومي الشوارع لتحصد أرواح الأبرياء. لقد اختار بحصافته “حقن الدماء” منحازاً للشعب، ومحولاً عقيدته الصوفية “الختمية” من مجرد عبادة صامتة إلى درعٍ سياسي يحمي أمةً من الانزلاق نحو الهاوية.

​أما فرية “التمكين” التي روج لها الدكتور، فتصطدم بصخرة الحقائق الدامغة على الأرض؛ ويكمن الرد الأبلغ عليها في نزاهة انتخابات 1986 التي شهد العالم بدقتها الاستثنائية. ففي تلك الممارسة الديمقراطية، سقط كبار رموز الجبهة الإسلامية وعلى رأسهم عرابهم د حسن الترابي في دوائرهم الجغرافية، ولو كان المشير يخطط حقاً لتمكينهم، لكانت موازين القوى في الفترة الانتقالية قد سلكت مساراتٍ مغايرة تماماً، ولرأينا هندسةً انتخابية تضمن لهم أغلبية مريحة، وهو ما لم يحدث في واقعٍ ظل فيه المشير يقف على مسافة متساوية من الجميع، متمسكاً بدوره كـ”حارسٍ للتحول” لا صانعاً للحكام.

و ​أكثر ما أغضب معسكر خصوم “سوار الذهب” هو انضباطه الدستوري الذي يصفه النور حمد بـ”التضليل” بينما يراه العقلاء قمة “الأمانة”؛ فقد رفض المشير إبطال قوانين سبتمبر 1983 بجرة قلم عسكرية، ليس تمسكاً بمحتواها، إنما لإيمانه العميق بأن المجلس العسكري مؤتمن على تسيير المرحلة الانتقالية لا مشرعاً يملك حق إلغاء قوانين دون تفويض انتخابي. لقد ترك الأمر للبرلمان المنتخب وللسيادة الشعبية، محترماً المبادئ القانونية الرصينة التي تمنع سلطة استثنائية من تقرير مصير تشريعات دائمة. هذا الترفع عن تغوّل السلطة جعل الشعب السوداني يُجمع على وصفه بالشريف العفيف، وهو ما دفعه لمغادرة منصبه طوعاً بعد عامٍ واحد، واضعاً رتبته العسكرية ومجده السياسي جانباً، في سابقة ديمقراطية أعجزت المحيط الإقليمي عن فهمها أو تكرارها.

​تجاوزت عظمة سوار الذهب حدود الوطن لتصبح ملهمةً للمنطقة بأسرها، وحظي بتقدير “غير مسبوق” في دول الخليج، ولا سيما دولة قطر التي وجد في دوحتها منصةً لدعم العمل الإنساني عبر منظمة الدعوة الإسلامية. ولم تكن جنازته المهيبة أو حضور سمو الأمير الوالد والشيخة موزا للسودان لتقديم العزاء إلا برهاناً على مكانته في قلوب القادة والشعوب. وتوج هذا القبول الإلهي بقرار نقل جثمانه ليدفن في البقيع جوار الصحابة الكرام، وهو تشريف لا يناله إلا الصادقون الذين أخلصوا النية. سيبقى سوار الذهب في ذاكرة السودان “خزاناً” من القيم وبحراً من التسامح، و يظل الفرق شاسعاً بين “رجل الدولة” الذي صنع فخراً ، وبين “المنظِّر” الذي جُبِلَ على إثارة الجدل وتشويه الرموز. لقد أدى سوار الذهب رحمه الله الأمانة، وحمى الأرض، وصان العرض، وترك لنا سفراً خالداً من المجد ترويه الأجيال عن مارشالٍ هزم بريق السلطة وانتصر لوعد قطعه و وطن أقسم على حمايته و الزود عنه.

////////////////

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى