الإنهيار الكبير..(٢) كيف دخلت المليشيا مرحلة التآكل المتسارع؟..

سقوط القادة وتفكك الحواضن..المشهد يتغير من الداخل..

الدولة تستعيد زمام المبادرة..إنفتاح سياسي ودبلوماسي واسع..

ما بعد النيل الأزرق..هل بدأت فعلياً مرحلة ما قبل النهاية؟..

تقرير تحليلي/علم الدين عمر 

لم تعد التطورات الجارية في السودان مجرد تحولات ميدانية معزولة أو تبدلات تكتيكية مرتبطة بحركة القتال اليومية..فقد باتت التغييرات تعكس إنتقالاً تدريجياً في طبيعة الصراع نفسه.. من مرحلة “التمدد السريع” الذي اعتمدت عليه مليشيا الدعم السريع في بداية الحرب.. إلى مرحلة “الإستنزاف البنيوي” التي بدأت تضرب مفاصل المشروع العسكري والسياسي للمليشيا بصورة متسارعة..

فالوقائع القادمة من عدة محاور..وعلى رأسها إقليم النيل الأزرق وبعض مناطق كردفان ودارفور.. تشير إلى تصاعد واضح في معدلات الإنسحاب والتفكك داخل صفوف المليشيا..وسط معلومات متزايدة عن هروب مجموعات قتالية كاملة من مواقعها..وتنامي حالات التذمر ورفض تنفيذ الأوامر داخل بعض القطاعات الميدانية..خاصة بعد تراجع الإمداد.. وسقوط عدد من القادة الميدانيين.. واتساع الإحساس بالعزلة والإنكشاف..

هذه التطورات لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد خسائر ميدانية عادية..لأن الجيوش والتنظيمات المسلحة قد تتراجع في بعض الجبهات ثم تعيد تنظيم صفوفها..لكن ما يحدث الآن يبدو أقرب إلى حالة إنهاك شاملة تضرب البنية النفسية والتنظيمية للمليشيا في آن واحد..وهو ما يفسر تصاعد محاولات الإنسحاب الفردي والجماعي من مناطق العمليات..

 

الإنسحاب من الميدان..تقدم غريزة النجاة على منطق القتال و(المشروع)..

 

المعلومات المتداولة حول فرار مجموعات من عناصر المليشيا باتجاه مناطق حدودية أو محاولتهم الوصول إلى ممرات آمنة نحو جنوب السودان أو بعض مناطق دارفور تعكس تحولاً خطيراً في المزاج القتالي داخل التشكيلات المسلحة..

فالمقاتل الذي كان يتحرك سابقاً تحت تأثير خطاب التعبئة والحسم السريع.. أصبح اليوم يتحرك بدافع النجاة الشخصية..وهو تطور بالغ الحساسية في أي صراع مسلح..لأن إنهيار الروح المعنوية عادة يسبق الإنهيار العسكري الكامل..

الأكثر أهمية أن هذه الإنسحابات لا تجري وفق ترتيبات عسكرية منظمة..وإنما في كثير من الأحيان بصورة عشوائية وغير منسقة..ما يكشف تراجع قدرة القيادة على السيطرة الميدانية.. وضعف منظومات الإتصال والإمداد.. وفقدان الثقة بين العناصر والقيادات العليا..

ومع اتساع رقعة الحرب.. أصبحت المليشيا تواجه معضلة مركبة..فهي من جهة تحتاج إلى الإنتشار للحفاظ على نفوذها في عدة مناطق..لكنها من جهة أخرى لم تعد تملك القدرة اللوجستية والقيادية التي تسمح لها بإدارة هذا الإنتشار الواسع..

تساقط القادة..الضربة التي أربكت مراكز السيطرة..

 

خلال الأشهر الأخيرة.. بدا واضحاً أن المليشيا فقدت عدداً من العناصر القيادية المؤثرة ميدانياً..سواء عبر العمليات العسكرية أو الإنشقاقات أو حالات التواري والإختفاء.

وفي ظل حروب غير النظامية كالتي تخوضها المليشيا..يشكل القادة الميدانيون العمود الفقري للتماسك الداخلي.. لأن كثيراً من الولاءات داخل هذه التشكيلات لا تقوم على العقيدة المؤسسية بقدر ما تقوم على الروابط الشخصية والقبلية والمصلحية..

ولذلك فإن تساقط القيادات لا يؤدي فقط إلى خلل عسكري مباشر..بل يفتح الباب أمام اضطراب شبكات النفوذ الداخلية.. وتصاعد التنافس والصراع بين المجموعات المختلفة..

ويبدو أن هذه الأزمة تفاقمت بعد تشكيل ما عُرف بـ”حكومة التأسيس”..حيث تصاعد شعور وسط قطاعات واسعة من المقاتلين بأن القرار السياسي أصبح يُدار بواسطة دوائر مدنية وواجهات سياسية بعيدة عن الميدان.. بينما تُترك العناصر القتالية لمصيرها في مناطق العمليات..

هذا التناقض بين “من يدفع الكلفة” و”من يحصد النفوذ” أصبح أحد أخطر أسباب التآكل الداخلي..

 

الصحوة المجتمعية..تحولات المزاج العام في السودان..

 

في المقابل.. تشهد الساحة السودانية تحولاً مهماً في المزاج المجتمعي..خاصة مع اتساع حالة الإرهاق الشعبي من الحرب وتداعياتها الإقتصادية والإنسانية..

فالكثير من المجتمعات المحلية التي التزمت الحياد أو تعاملت ببراغماتية مع واقع الحرب.. بدأت تميل بصورة أوضح نحو فكرة إستعادة الدولة المركزية ومؤسساتها.. باعتبارها الضامن الوحيد للإستقرار ومنع الإنهيار الكامل..

كما أن الإنتهاكات الواسعة..وحالات النزوح..والإنفلات الأمني..أسهمت في إعادة تشكيل الوعي الشعبي تجاه طبيعة الصراع.. إذ لم تعد قطاعات واسعة تنظر إلى الحرب باعتبارها مجرد مواجهة سياسية كما حاولت تسويقها المليشيا والدوائر المرتبطة بها.. بل كتهديد مباشر لفكرة الدولة نفسها..

وهنا يمكن ملاحظة تنامي ما يمكن وصفه بـ”الصحوة المجتمعية” التي بدأت تظهر في الخطاب العام..وفي المواقف المحلية.. وحتى في طبيعة التفاعل مع التحركات الرسمية للدولة..

هذه التحولات لا تحدث دفعة واحدة.. لكنها تتراكم تدريجياً.. ومع الوقت تصبح عاملاً مؤثراً في إعادة تشكيل البيئة السياسية والإجتماعية المحيطة بالحرب..

الدولة تتحرك في كل المسارات

بالتوازي مع ذلك.. تبدو الدولة السودانية أكثر انفتاحاً على إدارة الصراع عبر مسارات متعددة.. وليس فقط من خلال المواجهة العسكرية المباشرة..

فعلى المستوى السياسي والدبلوماسي..هناك تحركات متزايدة لإعادة بناء شبكة العلاقات الإقليمية والدولية..ومحاولة تقديم الدولة باعتبارها الطرف القادر على حماية وحدة السودان ومنع تحوله إلى ساحة فوضى مفتوحة..

كما أن الإنفتاح على العواصم الإقليمية.. وتكثيف الحضور الدبلوماسي.. ومحاولات إستعادة التوازن في العلاقات الخارجية.. كلها مؤشرات على أن الدولة تسعى لتوسيع هامش المناورة السياسية بالتوازي مع التقدم الميداني..

وفي السياق نفسه.. بدأت تتشكل تدريجياً قناعة لدى بعض الأطراف الدولية والإقليمية (وربما الأكثرها تأثيراً) بأن استمرار الفوضى في السودان لم يعد خياراً قابلاً للتحمل..خاصة مع تنامي المخاوف المرتبطة بالأمن الإقليمي..والهجرة.. وتهديدات الحدود.. واحتمالات تمدد الجماعات المسلحة..

وهذا ما يمنح الدولة مساحة حركة أوسع مقارنة بالمراحل الأولى للحرب.. حين كان المشهد أكثر ضبابية وتعقيداً..

 

تراجع مشروع المليشيا..من التمدد إلى الإنكماش..

 

التحولات الحالية تكشف كذلك أن المليشيا أنتقلت فعلياً من مرحلة “مشروع التوسع” إلى مرحلة “إدارة التراجع”..

ففي بداية الحرب.. كان الخطاب يقوم على فرض واقع سياسي جديد بالقوة.. مع الإعتماد على الإنتشار السريع وإرباك مؤسسات الدولة..أما اليوم.. فتبدو الأولوية الأساسية هي الحفاظ على ما تبقى من مناطق النفوذ ومنع الإنهيار الكامل..

وهذا التحول في طبيعة الأهداف يعكس تغيراً جوهرياً في موازين القوة..

كما أن تراجع خطاب التعبئة..وتآكل الحواضن..وتصاعد الإنقسامات الداخلية.. كلها عوامل تجعل قدرة المليشيا على إعادة إنتاج نفسها أكثر صعوبة مع مرور الوقت..

فالحرب الطويلة..لا تُسقط التشكيلات المسلحة عادة بضربة واحدة..بل عبر سلسلة متراكمة من الإنهاك والتفكك وفقدان الثقة..ويبدو أن المشهد الحالي في السودان يقترب تدريجياً من هذه المرحلة..

 

ما بعد النيل الأزرق..ملامح مرحلة جديدة..

 

ما يجري اليوم في النيل الأزرق ومحيطها قد يشكل نقطة تحول مهمة في مسار الحرب كلها..

فتراجع القدرة على الإمداد.. وتسارع الإنسحابات.. وتساقط القيادات.. وتغير المزاج المجتمعي.. بينما تتحرك الدولة بثقة أكبر على المستويات العسكرية والسياسية والدبلوماسية.. فإن ذلك يعني أن المشهد يتجه نحو مرحلة جديدة مختلفة تماماً عن البدايات الأولى للتمرد..

وربما تكون أخطر ما في هذه المرحلة أنها لا تقوم فقط على تغير الميدان.. بل على تغير القناعة نفسها داخل قطاعات واسعة كانت تعتقد سابقاً أن المليشيا قادرة على فرض معادلة طويلة الأمد..

أما الآن.. فإن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه بقوة داخل السودان وخارجه لم يعد..هل تتراجع المليشيا؟..

بل.. إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا التراجع قبل الوصول إلى لحظة الانكشاف الكامل؟..

لينقلنا هذا السؤال للمرحلة القادمة..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى