“كارثة صامتة تستنزف المستقبل” أزمة المياه في المدارس السودانية

“تحذير من “فاقد تربوي” يهدد مستقبل الأجيال”
في كل صباح يحمل آلاف الأطفال السودانيين حقائبهم المدرسية أملاً في يوم جديد من التعلم لكن كثيرين منهم يواجهون واقعاً مختلفاً مدارس تفتقر إلى مياه الشرب النظيفة ومرافق صحية لا تفي بأبسط معايير السلامة.
وبين العطش ومخاطر الأمراض تتراجع قدرة الطفل على التحصيل وتتسع دائرة الفاقد التربوي لتتحول أزمة المياه والإصحاح البيئي من مشكلة خدمية إلى تحدٍّ إنساني وتنموي يهدد مستقبل جيل كامل.
وفي السودان، حيث تتوافر موارد مائية كبيرة تبرز مفارقة حرمان عدد من المدارس من أبسط مقومات الحياة، ما يطرح أسئلة ملحة حول أولويات التنمية وحق الأطفال في بيئة مدرسية آمنة تحفظ صحتهم وكرامتهم، وتكفل لهم تعليماً لا تعوقه ندرة الخدمات الأساسية.
تقرير : نشوة أحمد الطيب
_ مجلس رعاية الطفولة: “المياه أزمة تمس التعليم و المرافق الصحية خطر مباشر”
” البيئة المدرسية غير آمنة”
_ د. عبد القادر: نقص المياه واقع عام لا استثناء
” العطش يهدد صحة التلاميذ و المراحيض غير الصحية بؤرة أمراض”
في حديث خاص لصحيفة “العودة” سلّط الدكتور عبد القادر عبد الله الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة، الضوء على واحدة من أكثر القضايا حساسية وإلحاحاً في الواقع التربوي السوداني: غياب المياه النظيفة والمرافق الصحية الملائمة في المدارس وما يترتب على ذلك من آثار صحية واجتماعية بالغة على الأطفال.

جاء هذا التصريح على خلفية مشاركته في فعالية تنسيقية بمدرسة الشهيد عمر أحمد موسى بمنطقة الدخينات بمحلية جبل أولياء بمناسبة يوم الطفل الأفريقي في مبادرة تجمع بين الجهات الحكومية والمنظمات الدولية والوطنية سعياً لإعادة الاعتبار لملف الطفولة بوصفه استثماراً استراتيجياً في مستقبل الوطن.
تنسيق ميداني
أوضح الدكتور عبد الله أن الفعالية جاءت نتاج عمل تنسيقي رفيع المستوى، شارك فيه مجلس طفولة ولاية الخرطوم، ووزارة التنمية بالولاية، إلى جانب منظمة “جسمارك” والمنظمة الدولية للهجرة ومنظمات وطنية أخرى. وأشار إلى أن اختيار مدرسة الشهيد عمر أحمد موسى بمنطقة الدخينات لم يكن عشوائياً، بل جاء تزامناً مع الاحتفال بيوم الطفل الأفريقي في 16 يونيو، وهو مناسبة يُعاد فيها النظر سنوياً في قضايا مياه الأطفال والصرف الصحي والنظافة داخل البيئة المدرسية.
أزمة المياه
انتقل الأمين العام إلى جوهر القضية، مؤكداً أن نقص المياه في المدارس ليس استثناءً بل انعكاس لأزمة أوسع تعاني منها المنازل والشوارع والمساجد في مختلف الولايات، وذلك على الرغم من أن السودان يقع على ضفاف نهر النيل. ورأى أن هذا التناقض يكشف عن خلل في إدارة الموارد المائية، لا عن ندرة حقيقية فيها.
وحذّر من أن غياب مياه الشرب النظيفة يعرّض الأطفال لمشكلات صحية خطيرة، من أبرزها أمراض الكلى، وهي معاناة تمتد شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً في عموم البلاد.

معاناة المرافق
لم يقف الحديث عند أزمة المياه بل امتد إلى واقع المراحيض المدرسية التي وصفها الدكتور عبد الله بأنها في معظمها متهالكة وغير مبنية بمواصفات صحية سليمة، وهو ما يجعلها بيئة خصبة لانتشار البعوض والذباب، وبالتالي مصدراً محتملاً للأوبئة، خاصة في أوقات الفطور وداخل الفصول الدراسية. واعتبر أن هذا الواقع يستدعي تدخلاً عاجلاً من وزارة الري والجهات المحلية والولائية المعنية، لضمان توفير المياه في كل مدرسة، على مستوى المدينة والقرية والوحدة الإدارية، بما يحفظ للطفل حقه في بيئة تعليمية آمنة وكريمة.
الطفل ثروة
ربط الأمين العام بين هذا الملف ورسالة أوسع تحملها وزارة تنمية الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية مفادها أن الأطفال يمثلون ثروة وطنية حقيقية، وأن الإهمال التربوي سواء في المدرسة أو داخل الأسرة يعني ضياع رأس مال بشري لا يمكن تعويضه. واستخدم عبارة “يا حسرتها” ليعبّر عن حجم الخسارة التي تنتظر المجتمع إن لم يُحسن الاستثمار في أطفاله عبر مؤسساته التربوية والأسرية.
” نذير حرب “
وجّه الدكتور عبد الله جانباً من تصريحه إلى فئة الأطفال الأكثر هشاشة، داعياً المجتمع المحلي إلى تعزيز الكفالة الأسرية، الدائمة والبديلة، لضمان عدم تعرض هؤلاء الأطفال لأي فاقد تربوي، سواء كانوا داخل أسرهم الطبيعية أو خارجها. وحمل تحذيره طابعاً مستقبلياً واضحاً، حين وصف كل فاقد تربوي بأنه “نذير حرب مستقبلية”، في إشارة إلى الكلفة الاجتماعية الباهظة التي يمكن أن تنتج عن إهمال هذا الملف اليوم.
المدرسة الجاذبة
عرض الأمين العام رؤيته لما ينبغي أن تكون عليه المدرسة السودانية: بيئة حكومية جاذبة، تضم كادراً تعليمياً كافياً ومؤهلاً في كل التخصصات، وتتوفر فيها النظافة والمياه والظل المناسب والطاقة النظيفة. واعتبر أن ضبط هذه العناصر مجتمعة هو ما يضمن تقليل الفاقد التربوي، ويحد من انتشار الأمراض، ويرسّخ ثقافة النظافة والاهتمام بالبيئة داخل المجتمع المدرسي.
دور الإعلام
لم يفصل الدكتور عبد الله بين الجهد المؤسسي والدور المجتمعي، حيث أشار إلى أن الإعلام يمثل وسيطاً تربوياً بالغ الأهمية، وأن انتشار الوعي بقضايا الطفولة عبر المنابر الإعلامية يمنح الأجيال القادمة فرصة أفضل لمستقبل أكثر استقراراً.
“مستقبل يبدأ بالماء”
قد يبدو الماء في المدرسة تفصيلاً بسيطاً، لكنه بالنسبة لطفل يقضي ساعات يومه بين الفصول هو حق أساسي لا يحتمل التأجيل. وعندما تتحول رحلة التعلم إلى معاناة بسبب العطش أو غياب المرافق الصحية الآمنة، فإن الخسارة لا تقع على الطفل وحده، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله. فالأوطان التي تستثمر في أطفالها تبدأ من أبسط الحقوق وأولها بيئة مدرسية تحفظ الصحة والكرامة، وتمنح كل طفل فرصة عادلة للتعلم والنمو وصناعة المستقبل.




