سراج الدين مصطفى يكتب : تأمل فى أغنية واقف براك !!

نقر الأصابع ..

تعد أغنية واقف براك واحدة من النصوص الغنائية التي تكشف عن شاعر يمتلك حسا تصويريا عاليا وقدرة لافتة على صناعة المشهد الشعري بلغة تمزج بين البساطة والعمق في آن واحد فقد استطاع الشاعر مدني النخلي أن يجعل من الحزن كائنا يتحرك ومن الوجع صورة ترى ومن الانتظار زمنا يثقل القلب دون أن يفقد النص موسيقاه الداخلية أو صدقه الإنساني وجاء أداء مصطفى ليمنح هذه الكلمات بعدا وجدانيا مضاعفا فامتزج اللحن بالصورة وأصبحت القصيدة تجربة شعورية كاملة تنبض بالإحساس

 

يفتتح الشاعر نصه بصورة آسرة في قوله واقف براك والهم عصف ريحا كسح زهرة صباك وهي من أجمل بدايات الأغنية السودانية لأنها تختصر رحلة الفقد كلها في مشهد واحد فالهم هنا ليس شعورا عابرا بل ريح عاتية اقتلعت زهرة العمر بكل ما فيها من براءة وحلم ثم ينتقل إلى صورة أكثر إدهاشا حين يقول ليلا فتح شرفة وجع قمرا رحل فارق سماك فيجعل الليل بوابة للألم بينما يتحول القمر وهو رمز الأمل والجمال إلى غائب يترك السماء خاوية من الضوء وهي استعارة جديدة تحمل كثافة شعرية عالية

 

ويواصل مدني النخلي بناء لوحته عندما يقول جدد عذاب الارصفة ضي المصابيح البعيدة اتعب عيونك وانطفا حيث تتحول الأرصفة إلى ذاكرة تمشي عليها الخطوات ويصبح ضوء المصابيح رمزا للأمل البعيد الذي يتعب العين وهي تلاحقه حتى ينطفئ وكأن الانتظار نفسه صار جزءا من العذاب ثم يأتي السؤال لمتين مواعيدك سراب والريد شقا وحرقة وجفا ليعبر عن حالة إنسانية يعرفها كل عاشق حين تتحول الوعود إلى سراب لا يمسك وتصبح المحبة امتحانا طويلا

 

ويبلغ النص ذروة جماله في المقطع الأخير بعد المشاوير البقت ممدوده في نبض التعب بتعود وتلقى رجاك زول حفظ الوداد زمنا صعب ففي هذه الكلمات يفتح الشاعر نافذة للأمل بعد كل هذا الحزن مؤكدا أن الوفاء ما زال ممكنا وأن هناك من يصون الود رغم قسوة الزمن ويختتم بقوله والباقي من ليل الهوى وعطر الصبابة الما انسكب والباقي من كل الغنا وسيل الكتابة الما نضب وهي خاتمة تؤكد أن الحب الحقيقي لا ينتهي وأن الشعر يظل قادرا على حفظ المشاعر الجميلة كلما عجزت الأيام عن الاحتفاظ بها ولذلك بقيت واقف براك من العلامات المضيئة في الغناء السوداني الحديث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى