بروفيسور مأمون حميدة يكتب: المتميزون: رائد زراعة الكُلى 

 الجزء السادس

بروفيسور عمر بليل ومرض الفشل الكلوي 

عندما نقرأ كتاب بليل حياتين (TWO LIVES) لابد أن نقرأه بالمعرفة الطبية والعلاقات الإجتماعية في ذلك الزمان ستينات وسبعينات القرن الماضي. نعيش الآن في عهد سهل فيه علاج مرض الفشل الكلوي ولا يتبادر لذهن المريض عند التشخيص أنه حكم عليه بالوفاة كما كان مع عمر بليل 1968. فكان شجاعاً وهو الطبيب الذي يعرف مآلات هذا المرض بل ويكتمه سراً يؤرقه وحده. غسيل الكلى كان بدائياً ومعظمه عبر البرتون المؤلم وزراعة الكلى كانت في بداياتها ونتائجها غير مضمونة والمتبرعون هم من الذين ماتوا دماغياً في حوادث الحركة.

حكى عمر أن في أسبوع واحد في عنبر إنتظار الزراعة مات أربعة من المنتظرين ومن الذين فشلت فيهم عملية الزراعة وحتى عمر بليل نفسه عانى من فشل محاولة الزراعة الأولى حتى تبرع له أخيه صديق بليل (ضابط الشرطة لاحقاً).

نعيش في هذا الزمان حيث تقدم علاج مرضى الفشل الكلوي. تركتُ وزارة الصحة ولاية الخرطوم وهي تقدم خدمة لخمسة آلاف مريض فشل كلوي مزمن يعالجون بغسيل الكلى الدموي (Haemodialysis) في المراكز التي إنتشرت حتى في المراكز الصحية وتقوم مستشفيات الوزارة بــ 30 عملية ناجحة لزراعة الكلى شهرياً من متبرعين أحياء مجاناً فالأمر غير الأمر في عام 1968. كانت عملية عمر بليل من متبرع حي من أولى العمليات في العالم وما زال تبرع الأحياء بكلاهم أمراً نادراً في أوروبا.

عندما تم تشخيص حالته كتم الأمر عن زوجته وأهله وأصر على العودة لمدني ليموت بهدوء حتى لا يكلف أهله عناء موته بإنجلترا وبعد أن ذهب إلى مدني تحرك الأطباء زملاؤه في كلية الطب وأصروا على نقله للخرطوم الجزء الجنوبي (الجنوبية). وأصر الأطباء على نقله مرة أخرى لإنجلترا للعلاج. كان بروفسور داؤود على رأس الفريق المعالج الذي أتخذ قرار العودة إلى الخرطوم ثم إلى إنجلترا لزراعة الكُلى وكان أمره نهائياً. سأله عمر إذا كان يظن أن هنالك فرصة لنجاح عملية زراعة الكُلى. رد بروفسور داؤود أن على الطبيب أن يحاول بكل الطرق لشفاء المرضى ولا يستسلم للمرض فالطبيب أداة والشفاء من الله. بهذا حسم بروفسور داؤود الأمر تماماً وبدأت رحلة العودة لإنجلترا وفعلاً كتب الله له الشفاء لأن الله سطّر أن يقوم عمر بأعمال كبيرة مؤثرة على حياة الملايين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى