“المدفوعات الفورية”.. رهان السودان على الاقتصاد الرقمي

خبير اقتصادي: نظام المدفوعات الفورية السريعة ضرورة لتنشيط السيولة وتحقيق الشمول المالي
هل تنجح التحديثات التقنية في عبور الأزمة المصرفية ؟
كمال كرار لـ”العودة”: تحديث منصة BBAN خطوة تقنية مهمة
يواجه الاقتصاد السوداني تحديات بنيوية بالغة التعقيد في ظل تداعيات الحرب التي أدت إلى انقسام النظام المالي وتآكل رؤوس أموال المصارف بفعل التضخم الجامح. وفي خضم هذا المشهد القاتم، أعلن بنك السودان المركزي عن إنجاز تطويرٍ شاملٍ لمنصة التحويلات المالية (BBAN)، كخطوةٍ تستهدف تفعيل أدوات الدفع الرقمي لضمان استمرارية النشاط المالي. ورغم الطموح التقني الذي تعكسه هذه التحديثات في ربط (26) مصرفاً ومعالجة أكثر من (234) مليون معاملة، إلا أن السؤال الاقتصادي الجوهري يظل قائماً: هل يمكن للحلول الرقمية أن تنجح في استعادة حيوية الاقتصاد الوطني دون إصلاحات هيكلية شاملة تنهي انقسام المؤسسات وتستعيد الثقة في الجهاز المصرفي؟ إن هذا التقرير يسلط الضوء على الفجوة بين الأداء التقني المتصاعد والواقع الاقتصادي المأزوم، مستعرضاً تباين الرؤى بين الطموح الرقمي للبنك المركزي وواقع التحديات التي يفرضها استمرار الحرب لمواكبة النمو المتزايد في الخدمات المصرفية الإلكترونية وتعزيز موثوقيتها.
تقرير : عماد النظيف
تحديثات جديدة
اعلن بنك السودان المركزي عبر شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية “EBS” عن إنجاز تطوير شامل لمنصة التحويلات المالية بين المصارف باستخدام رقم الحساب المصرفي الأساسي “BBAN”، وذلك ضمن برنامج تطوير البنية التحتية الوطنية للمدفوعات الرقمية، ورفع جاهزية الأنظمة لمواكبة النمو المتزايد في الخدمات المصرفية الإلكترونية وتعزيز موثوقيتها.
وتُعد منصة “BBAN” الركيزة الوطنية الوحيدة التي تتيح تنفيذ التحويلات المالية البينية بين المصارف السودانية، حيث تربط حالياً 26 مصرفاً عبر شبكة مركزية توفر بيئة تشغيل آمنة وموثوقة، ما يجعلها عنصراً حيوياً في منظومة المدفوعات السودانية.

وقال مدير شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية، سيف الدين حسن أحمد بري، إنه تم تحديث البنية التقنية والانتقال إلى بيئة تشغيل أكثر تطوراً، مع تعزيز المرونة التشغيلية ورفع قدرة المنصة على التوسع، إضافة إلى تحسين استمرارية الأعمال وضمان الأداء العالي حتى مع تزايد حجم المعاملات، وفقاً لموقع “المشهد” السوداني.
وأضاف أن أعمال التطوير شملت أيضاً تعزيز منظومة الأمن السيبراني، وتطوير آليات حماية البيانات وتأمين الاتصالات بين الأنظمة المصرفية، فضلاً عن تحسين سرعة معالجة المعاملات وتقليل زمن الاستجابة، بما يرفع من موثوقية الخدمة ويحد من المخاطر التشغيلية، ويضمن استمرار تقديم الخدمة بكفاءة حتى في أوقات الذروة.
وأكد أن التطوير لا يقتصر على تحسين الأداء الحالي، بل يمثل أساساً لبنية تحتية أكثر مرونة وقابلة للتكامل مع حلول التكنولوجيا المالية مستقبلاً، بما يعزز قدرة القطاع المصرفي السوداني على مواكبة التطورات العالمية في صناعة المدفوعات الرقمية.
وتجاوز عدد المعاملات المنفذة عبر “BBAN” خلال عامي 2025 و2026 أكثر من 234 مليون معاملة، ما يعكس الثقة المتزايدة من المصارف السودانية في كفاءتها واعتماديتها.

إنجاز تقني ومصرفي
أكد الخبير الاقتصادي كمال كرار أن تحديث منصة رقم الحساب المصرفي الموحد (BBAN) يمثل إنجازاً تقنياً ومصرفياً مهماً في مسار العمل المالي بالبلاد، مستدركاً في الوقت ذاته بأن هذا الإنجاز لن يحقق كامل آثاره الاقتصادية المرجوة ما لم يندرج ضمن برنامج شامل لإصلاح القطاع المصرفي، واستعادة الاستقرار الاقتصادي، وتوحيد النظام المالي الذي يعاني حالياً من الانقسام بين الخرطوم، ونيالا نتيجة تداعيات الحرب، التي وصفها كرار بأنها “العقبة الأكبر” أمام أي إصلاح اقتصادي مستدام.
وأوضح كرار في تصريحات لـ”العودة” أن الحرب لم تكتفِ بشطر النظام المصرفي، بل تسببت في انهياره، في وقتٍ ابتلع فيه التضخم رساميل البنوك بشكل مخيف. وشدد على أن معيار نجاح هذه الخطوة لا يتوقف عند كفاءة المنصة تقنياً أو عدد المعاملات المنفذة، بل يقاس بمدى قدرتها على دعم النشاط الاقتصادي الحقيقي، وتخفيض تكاليف المعاملات التجارية، وتنشيط حركة التجارة الداخلية، وتيسير دفع الأجور وتحويل الأموال بين الولايات.
وفيما يتعلق بالرقابة النقدية، أشار الخبير الاقتصادي إلى أن تعزيز المدفوعات الإلكترونية يمنح بنك السودان المركزي قدرة أفضل على مراقبة حركة الأموال، ومحاصرة الاقتصاد غير الرسمي، وتعزيز جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، علاوة على توفير قاعدة بيانات دقيقة تخدم صياغة السياسات النقدية.
ومع ذلك، دعا كرار إلى عدم المبالغة في تقييم أثر هذه الخطوة بمعزل عن الأزمة الهيكلية، مشيراً إلى تحديات جوهرية ما تزال قائمة، أهمها ضعف الثقة في الجهاز المصرفي، وتضرر فروع المصارف، وصعوبة وصول المواطنين للخدمات، فضلاً عن استمرار شح السيولة النقدية وتقلب سعر الصرف.
وشدد كرار على ضرورة تزامن هذا التطوير مع توسيع نطاق الشمول المالي ليشمل الشرائح غير المتعاملة مع البنوك، عبر تبسيط إجراءات فتح الحسابات وربط المنصة بالمحافظ الإلكترونية وأنظمة الدفع عبر الهاتف المحمول. وختم الخبير الاقتصادي رؤيته بالتأكيد على أن منصة (BBAN) يمكن أن تشكل في المستقبل أساساً لمنظومة وطنية متكاملة للمدفوعات الرقمية، تشمل التحويلات الفورية، وربط أنظمة التحصيل الحكومي، ودعم قطاع التكنولوجيا المالية (FinTech)، وهو ما من شأنه تعزيز كفاءة الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النقد الورقي.

خطوة استراتيجية
قال الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي في تصريح خاص لـ “العودة” إن نظام المدفوعات الفورية السريعة بين البنوك المحلية بات مطلباً لا يمكن تأجيله، وذلك لمساهمته المباشرة في توفير خيارات دفع آمنة ومواكبة للتطورات الرقمية، وتنشيط دوران السيولة داخل النظام المالي المحلي، وخفض الاعتماد على التعاملات النقدية وما يترتب عليها من تكاليف تشغيلية وأعباء أمنية. وأضاف أن النظام يمثل خطوة استراتيجية واضحة نحو التحول الرقمي عبر تعزيز استخدام التعاملات المالية الإلكترونية.
وأوضح فتحي أن تشغيل نظام التحويلات المالية بين البنوك المحلية باستخدام رقم الحساب المصرفي الأساسي BBAN سيسهم في تطوير نظم المدفوعات في السودان، وتطوير البنية التحتية الرقمية بما يخدم أهداف الشمول المالي، كما سيُظهر الإمكانيات التشغيلية للبلاد على صعيد أنظمة المدفوعات الرقمية.
وبيّن أن من أبرز فوائد النظام الجديد تسريع عمليات تحويل الأموال بين البنوك المحلية، حيث يتمكن المستفيد من إجراء الحوالات الفورية وتصل إلى حساب الطرف الآخر بشكل فوري وعلى مدار اليوم، كما يستطيع المحول إجراء العملية دون الحاجة إلى إضافة الطرف المحول له مسبقاً في القنوات البنكية أو تفعيل حسابه.
وتطرق الخبير في حديثه إلى الدور الحيوي للتحويلات المالية في دعم المناطق الريفية، مشيراً إلى أن نحو ثلث التحويلات يتدفق إلى هذه المناطق حيث يصل إلى الاقتصادات المحلية ويدعم سبل العيش في أماكن نادراً ما تصل إليها أشكال التمويل الأخرى. وأكد أن هذا هو المكان الذي يمكن أن يكون فيه الأثر الاجتماعي والاقتصادي للتحويلات أكبر، عندما تدعمه بيئات مواتية تربطها بالادخار والاستثمار والخدمات المالية.
للتصدي بفعالية للتحديات المعقدة التي تواجه القطاع المصرفي السوداني ، يقول فتحي يتطلب الأمر تبني نهج شامل ومتعدد الأوجه يجب العمل على توحيد السياسات النقدية والمالية لضمان استقرار العملة والسيولة .
استعادة ثقة المودعين يعتبر أمراً بالغ الأهمية لاستقرار النظام المصرفي. يتطلب ذلك استقراراً سياسياً و امنياً واقتصادياً عاماً، بالإضافة إلى إجراءات من قبل البنوك المحلية والبنك المركزي تعمل على زيادة الشفافية في العمليات المصرفية والإفصاح عن المعلومات المالية لتعزيز الثقة. وتطوير وتحسين جودة الخدمات المصرفية المقدمة للعملاء، بما في ذلك الخدمات الرقمية . وتسهيل التحويلات المالية
من المغتربين السودانيين التي تعتبر مصدراً حيوياً للسيولة والدخل للعديد من الأسر السودانية . لذا، يجب العمل على تبسيط وتأمين قنوات التحويلات المالية من الخارج، وضمان وصولها السريع والآمن إلى المستفيدين. وهذا يتطلب التنسيق مع البنوك والمؤسسات المالية الدولية لضمان انسيابية هذه التحويلات ،مع تحديث أنظمة الدفع والتسوية، وتطوير الخدمات المصرفية الرقمية (مثل الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول والإنترنت) لزيادة الشمول المالي وتسهيل المعاملات، بالإضافة إلى تعزيز الأمن السيبراني لحماية البيانات والمعاملات المصرفية .
وخلص هيثم محمد فتحي إلى أن تحديث البنية التحتية التقنية ورفع قدرة منصة BBAN سيعزز التنمية الاقتصادية من خلال زيادة فاعلية المعاملات المالية بين جميع الأطراف في قطاعي الشركات والتجزئة، وتمكين المؤسسات المصرفية وشركات التقنية المالية من تحسين المنتجات المالية الحالية وإدارة التدفقات النقدية لقطاع الأعمال. كما سيساهم النظام في زيادة الشفافية في المدفوعات بين الشركات والأفراد، وتفعيل الابتكار في الخدمات المالية، علاوة على رفع مستوى جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين النهائيين.




