منى ابوزيد تكتب : الكثرة تغلب الشجاعة..!

هناك فرق..

“هناك فرق بين التقصير والعجز. فالتقصير قرار، أما العجز فقد يكون نتيجة قرار اتخذه شخص آخر في مكان آخر”.. الكاتبة..!

 

ليس كل ازدحام شهادة على الفوضى، وليس كل تأخير دليلاً على التقصير. أحياناً تكون الطوابير الطويلة مجرد لغة تتحدث بها الأرقام حين تعجز المكاتب عن استيعابها..!

 

منذ سنوات، ظل السودانيون في القاهرة يرددون الشكوى نفسها” السفارة مزدحمة، والقسم القنصلي بطيء، والمعاملات تستغرق وقتاِ طويلاً”. ومع تكرار الشكوى، ترسخت في الأذهان رواية سهلة “أن المشكلة تكمن في أداء السفارة نفسها”. لكن ماذا لو كانت الحقيقة أكثر تعقيداً، وأكثر عدلاً أيضاً..!

 

القاهرة ليست مدينة كسائر المدن بالنسبة للسودانيين. إنها اليوم موطن للملايين منهم، بين لاجئ ونازح ومقيم وطالب ومريض وصاحب عمل. ملايين البشر يحتاجون إلى جوازات، ووثائق، وتوكيلات، وشهادات ميلاد، وتصديقات، ومعاملات لا تنتهي. ومع ذلك، ما يزال القسم القنصل في سفارة السودان بالقاهرة يعمل بإمكانات لا تعكس هذا الواقع الاستثنائي، لا في عدد الموظفين، ولا في الكادر الفني، ولا في عدد وإمكانيات أجهزة الحاسوب، ولا في البنية التشغيلية اللازمة لاستيعاب هذا السيل اليومي من المراجعين..!

 

وفي المقابل، نجد تمثيلاً قنصلياً متعدداً في مدن ودول أخرى، قنصلية هنا، وقسماً قنصلياً داخل سفارة هناك، وتمثيلاً إضافياً في مكان ثالث. بينما يبقى العبء الأكبر متمركزاً في القاهرة، حيث الكثافة السكانية السودانية الأعلى بلا منازع..!

 

هذه ليست مقارنة بين مدينة وأخرى، ولا انتقاصاً من حق أي جالية في خدمات قنصلية كريمة، بل هي دعوة إلى العدالة في توزيع الموارد، وإلى أن تتحرك مؤسسات الدولة وفق الجغرافيا البشرية وليس وفق الخرائط القديمة..!

 

الإدارة الرشيدة لا تقيس الحاجة بعدد المباني، وإنما بعدد الناس الذين يقفون أمام أبوابها كل صباح.

ليس من المنطقي أن تتساوى مدينة تضم عشرات الآلاف مع مدينة تضم ملايين البشر في حجم الكادر والإمكانات. وليس من العدل أن يُحاسَب الموظف على تأخير تسببت فيه معادلة مختلة منذ البداية..!

 

لقد أصبح القسم القنصلي في سفارة السودان بالقاهرة يخوض معركة يومية غير متكافئة،موظفون قليلون في مواجهة أمواج متلاحقة من المراجعين. يبذلون ما يستطيعون، لكن قوانين الواقع أكثر صرامة من حسن النوايا. فلا الشجاعة وحدها تصنع المعجزات، ولا الإخلاص وحده يختصر الزمن..!

 

ولهذا، فإن إعادة النظر في توزيع القنصليات والكوادر والإمكانات لم تعد ترفاً إدارياً، بل ضرورة وطنية. ينبغي أن تكون هنالك نسبة وتناسب بين عدد السودانيين في كل دولة أو مدينة، وبين حجم التمثيل القنصلي المخصص لخدمتهم. فحيث تزداد الحاجة، يجب أن تذهب الموارد. وحيث تتضاعف الأعداد، يجب أن تتضاعف الإمكانات..!

 

قد لا يحتاج الأمر إلى مبنى جديد بقدر ما تحتاج إلى رؤية جديدة،رؤية تدرك أن الحروب والهجرات قد غيرت خريطة الوجود السوداني خارج الوطن، وأن الخرائط الإدارية ينبغي أن تتغير معها. فلست كل معركة يخسرها الجنود يكون السبب فيها ضعفهم، بل لأن من رسم خطة المعركة لم ينتبه إلى عدد الجبهات التي تركهم يواجهونها..!

 

وهكذا يبقى الدرس بسيطاً وإن كان بالغ القسوة، حين تتراكم الأعداد، وتتضاءل الإمكانات، فإن الكثرة لا بد أن تغلب الشجاعة!.

 

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى