كردفان تستعيد زمام المبادرة.. تحرير بارا وأم سيالة وجبرة الشيخ وام قرفة

اعادة تشكيل ميزان القوى

مناوي: العمليات العسكرية الأخيرة تمثل بداية حقيقية لمرحلة الحسم

 خبير استراتيجي لـ”العودة”: تحرير مدن الإقليم يترجم أهم التحولات في مسرح العمليات

 الناطق باسم المشتركة لـ”العودة”: دمرنا 73 عربة قتالية.. وقريباً وجهتنا دارفور

أهمية المدن المحررة: عقد استراتيجية وشرايين إمداد لحسم المعركة بكردفان

حركة تحرير السودان تنعي القائد البطل “مستر هجوم 77

——

في منعطف ميداني واستراتيجي فاصل يشهد إعادة صياغة جذرية لخريطة العمليات العسكرية في إقليم كردفان، حقق الجيش السوداني مدعومًا بالقوة المشتركة للحركات المسلحة انتصاراً واسع النطاق تكلل باستعادة مدينة بارا ومواقع حيوية واستراتيجية بالغة الأهمية في شمال كردفان، شملت أم سيالة وجبرة الشيخ وبركة وأم قرفة، وذلك عقب اشتباكات ضارية أسفرت عن تهاوي دفاعات مليشيا الدعم السريع وتكبيدها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد تجاوزت تدمير 73 عربة قتالية. يأتي هذا التطور المتسارع متزامناً مع تأكيدات رسمية من وزارة الدفاع السودانية بأن العمليات تندرج ضمن استراتيجية شاملة لتطهير المدن وبسط الأمن، بينما وصف حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي هذه الانتصارات ببداية مرحلة جديدة من الحسم. وفي ذات السياق، أكد مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتيجية الدكتور إسماعيل الناير أن تحرير هذه العقد الحيوية يمثل ضربة قاصمة لمراكز الثقل وشبكات الإمداد الخاصة بالمليشيا، مما ينقل زمام المبادرة بصورة كاملة للقوات المسلحة، بالتزامن مع نعي حركة وجيش تحرير السودان لأحد أبرز قادتها الميدانيين اللواء عبدالعزيز إسماعيل أبكر “مستر هجوم 77” الذي استشهد في ميدان الواجب الوطني.

 

تقرير – عماد النظيف

 

تمكن الجيش السوداني مدعومًا بالقوة المشتركة للحركات المسلحة، السبت، من تحقيق انتصار ميداني بارز تمثل في استعادة مدينة بارا ومواقع استراتيجية مرتبطة بها في شمال كردفان مثل أم سيالة وجبرة الشيخ بعد اشتباكات ضارية.

وفي هذا الإطار الميداني المتكامل، أوضحت وزارة الدفاع السودانية في بيان صحفي صدر أمس السبت أن هذه العمليات تأتي ضمن استراتيجية شاملة تنفذها القيادة العامة في عدة جبهات بكردفان ودارفور لتطهير المدن من عناصر مليشيا الدعم السريع، مشيرة إلى أن التنسيق المحكم بين محور بارا ومحور أم سيالة وباقي الجبهات يعزز من قدرة القوات النظامية والمساندة على بسط الأمن وحماية المدنيين من الانتهاكات المستمرة.

 

فلاش باك: الأهمية الاستراتيجية والجغرافية

تتكامل هذه المكاسب الميدانية مع الأهمية الاستراتيجية والجغرافية الكبيرة للمنطقة؛ إذ تتميز مدينة بارا بموقعها الهام على الطريق الحيوي الذي يربط بين العاصمة السودانية الخرطوم وإقليم كردفان، حيث تبعد حوالي 300 كيلومتر عن مدينة أم درمان، وحوالي 45 كيلومتر عن مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، مما يجعل تحريرها انتصاراً مهماً يعزز سيطرة الجيش ويساهم في تأمين الطرق الحيوية واستعادة الأمن والاستقرار في البلاد، لا سيما وأن بارا تعد ثاني أكبر مدن شمال كردفان وشهدت تبادلاً للسيطرة عليها عدة مرات.

وعلى امتداد هذه الشرايين الحيوية، تُمثل جبرة الشيخ محطة رئيسية على طريق الصادرات وسوقًا حيوية للمحاصيل والماشية ومركزًا حضريًا تتجمع حوله مجتمعات الرعاة والرحّل، بينما تقع أم سيالة بالقرب من ذات الطريق الرابط بين شمال كردفان وأم درمان، بما يتيح للجيش طريقًا إضافياً لإرسال الإمدادات إلى الأبيض وإبعاد مخاطر شن الهجمات على ولايتي النيل الأبيض والخرطوم، وبذلك تتضافر السيطرة على بارا وجبرة الشيخ لتؤمن مدينة الأبيض من الجهة الشرقية وتفتح آفاق ربطها بأم درمان فور تطهير ما تبقى من جيوب المليشيا على امتداد طريق الصادرات.

 

تصريحات القيادات والميدانيين

تأكيداً على هذا الترابط الميداني، كشف المتحدث باسم القوة المشتركة للحركات المسلحة، متوكل علي وكيل، في تصريح لصحيفة “العودة”، عن تحرير مدينتي بارا وأم سيالة بولاية شمال كردفان من قبضة قوات الدعم السريع، ووعد بمواصلة العمليات حتى تحرير جميع المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيا، مضيفاً بالقول: “قريباً سنكون في دارفور”.

وتعزيزاً لهذه المعطيات، أعلنت القوة المشتركة عن تحقيق هزيمة ساحقة للمليشيا في مناطق بركة، وأم قرفة، وجبرة الشيخ، وبارا، نتج عنها تدمير أكثر من 73 عربة قتالية ومقتل أعداد كبيرة من قياداتها وعناصرها ميدانيًا؛ حيث أوضح متوكل علي وكيل في بيان منفصل أن القوات المسلحة والقوة المشتركة وقوات “قشن” والقوات المساندة تمكنت من تحرير وتأمين هذه المناطق بكاملها، كاشفاً عن تدمير 73 عربة قتالية مدججة بالسلاح والاستيلاء على آليات أخرى ومقتل أعداد كبيرة من ضباط وعناصر الدعم السريع.

وعلى خطى التنسيق المشترك ذاته، أكد حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، أن العمليات العسكرية الأخيرة التي أسفرت عن تحرير مناطق بارا، أم قرفة، أم سيالة، وجبرة الشيخ تمثل بداية مرحلة جديدة من الحسم وليست نهاية المعركة. وأوضح مناوي، في منشور على صفحته الرسمية بموقع “فيسبوك”، أن القوات المسلحة والقوة المشتركة والمقاومة نفذت عمليات نوعية محكمة أربكت صفوف الميليشيا وكسرت شوكتها، مخلفة خسائر فادحة في الأرواح والعتاد وسط تهاوي دفاعاتها، مختتماً بالتغني ببطولات المقاتلين والترحم على الشهداء والدعوات بالشفاء للجرحى والمصابين.

الرؤية الاستراتيجية

تأسيساً على ما سبق، وضمن قراءة تحليلية معمقة لأبعاد هذا التحول، قال مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتيجية، الدكتور إسماعيل الناير عثمان، لـ”العودة” إن تحرير مدن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة بواسطة القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة يمثل في تقديره واحداً من أهم التحولات الاستراتيجية التي شهدها مسرح العمليات في إقليم كردفان منذ اندلاع الحرب. موضحاً أن هذه العملية لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد استعادة لمدن أو تحقيق انتصار ميداني محدود، وإنما تمثل خطوة متقدمة في إعادة تشكيل ميزان القوى ونقل زمام المبادرة بصورة متزايدة إلى القوات المسلحة التي أصبحت تنفذ حملة عسكرية مترابطة تستهدف استعادة مراكز الثقل الاستراتيجية للمليشيا.

وأشار إلى أن مركز الثقل حسب مفاهيم الاستراتيجية العسكرية هو المصدر الذي تستمد منه القوة قدرتها على الاستمرار والقتال، وأن ضرب هذا المركز يؤدي إلى إضعاف العدو بصورة متسارعة. ولفت إلى أن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة بالإضافة إلى كونها مواقع جغرافية فإنها كانت تشكل عقداً استراتيجية ضمن منظومة الحركة والإمداد التي اعتمدت عليها مليشيا الدعم السريع لربط محاورها في شمال كردفان بامتداداتها غرباً نحو دارفور وحتى الحدود مع ليبيا عبر الصحراء جلبا للمرتزقة والعتاد العسكري، وبالتالي فإن تحرير هذه المدن يعكس بصورة مباشرة قطع أجزاء مهمة من شبكة المناورة والإمداد التي اعتمدت عليها المليشيا طوال الفترة الماضية.

وامتداداً لهذا التحرير، أضاف أن العمليات العسكرية للقوات المسلحة تكشف عن تحول واضح في الفكر العملياتي حيث انتقلت من التركيز على الدفاع واستعادة المدن الكبرى إلى استراتيجية أكثر شمولاً تقوم على تفكيك البيئة العسكرية للمليشيا وعزل قواتها عن مصادر التشوين والإمداد والسيطرة على المفاصل الحيوية التي تمنح المليشيا القدرة على المناورة. وأكد أن خسارة المليشيا لهذه المدن لا تعني فقط فقدان مساحة جغرافية وإنما تعني فقدان حرية الحركة وانكماش المجال العملياتي وارتفاع تكلفة إعادة الانتشار، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرتها في تنفيذ عمليات هجومية أو المحافظة على تماسك قواتها في المحاور المختلفة.

ومشيراً إلى أن هذا الإنجاز يعزز من قدرة القوات المسلحة على تأمين ولاية شمال كردفان وربطها بالمحاور العسكرية الأخرى بما يخلق تواصلاً عملياتياً بين مناطق السيطرة ويقلل من فرص تسلل قوات المليشيا أو إعادة بناء خطوط الإمداد التي كانت تعتمد عليها، ومبيناً من الناحية العسكرية أن تحرير بارا يحمل أهمية خاصة باعتبارها إحدى أهم العقد التي تربط طرق الحركة بين وسط السودان وغربه، بينما تمثل جبرة الشيخ وأم سيالة نقاط ارتكاز مهمة ضمن شبكة التحركات الميدانية، وعندما تفقد المليشيا هذه العقد فإنها لا تخسر الأرض فقط وإنما تخسر المرونة العملياتية التي تمثل أحد أهم عناصر النجاح في الحروب الحديثة.

وتابع مبدياً رأيه بأن هذه التطورات الميدانية والاستراتيجية تؤكد أن القوات المسلحة أصبحت تنفذ عمليات تقوم على مبدأ تجريد المليشيا من عناصر القوة تدريجياً بدلاً من الاكتفاء بخوض معارك استنزاف طويلة، وهي مقاربة تعد من أنجح المدارس العسكرية لأنها تركز على شل قدرة الخصم على القتال بدلاً من الاكتفاء بإلحاق الخسائر البشرية به. وأضاف أن هذه الانتصارات سيكون لها أثر نفسي ومعنوي بالغ ترتفع فيه الروح المعنوية للقوات التي تحقق تقدماً متواصلاً بصورة طبيعية بينما تتراجع ثقة القوة المنسحبة في قدرتها على استعادة زمام المبادرة خاصة عندما تتكرر خسارة المواقع الحيوية خلال فترة زمنية قصيرة. وموضحاً أن تحرير هذه المدن يوجه رسالة إلى المجتمعين الإقليمي والدولي مفادها أن الدولة السودانية تمتلك القدرة على استعادة السيطرة على أراضيها على يد قواتها المسلحة والقوات المساندة وأن ميزان القوى على الأرض يشهد تغيرات متسارعة ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم مسار هذه الحرب.

وختم بالقول إن المرحلة المقبلة ينبغي أن تركز على تثبيت هذه المكاسب من خلال الانتشار الأمني وتأمين الطرق وإزالة مخلفات الحرب وإعادة مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية، لأن القيمة الحقيقية لأي انتصار عسكري تظهر عندما يتحول إلى استقرار دائم يشعر به المواطن في حياته اليومية. معتقداً أن ما تحقق في بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة لا يمثل نهاية العمليات في كردفان بل بداية مرحلة جديدة عنوانها تضييق الخناق على ما تبقى من جيوب المليشيا وعزلها عن امتداداتها اللوجستية وصولاً إلى استعادة السيطرة الكاملة على ولايات كردفان. ومؤكداً في الختام أن تحرير هذه المدن يمثل أكثر من انتصار عسكري فهو خطوة استراتيجية نحو إعادة بناء الجغرافيا الأمنية للدولة السودانية، وأن استمرار القوات المسلحة في تطبيق هذا النهج القائم على استهداف مراكز الثقل وقطع خطوط الإمداد للمليشيا والسيطرة على العقد الاستراتيجية يجعل ميزان القوى مرشحاً لمزيد من التحول لمصلحة الدولة الأمر الذي يقرب السودان من مرحلة استعادة الاستقرار ويفتح المجال لبدء إعادة الإعمار وبناء السلام على أسس أكثر رسوخاً.

نعي عسكري

وفي خضم هذه المعارك الفاصلة ووفاءً لدماء الأبطال، نعت حركة وجيش تحرير السودان، السبت، أحد أبرز قادتها، اللواء عبدالعزيز إسماعيل أبكر، المعروف بلقب “مستر هجوم 77″، الذي استشهد أثناء أدائه واجبه الوطني.

وأشادت الحركة، في بيان نعي أصدره الناطق العسكري العقيد محمد حسن هارون “أوباما”، بمناقب الفقيد الذي عُرف بالشجاعة والانضباط والإخلاص، ودوره البارز في تنفيذ العديد من المهام العسكرية وتمسكه بمبادئه حتى لحظاته الأخيرة.

وتقدمت قيادة الحركة بخالص التعازي لأسرة الفقيد ورفاقه، مؤكدة أن رحيل القادة الشجعان لن يزيدها إلا إصراراً على مواصلة واجبها في الدفاع عن الوطن والشعب والوفاء لتضحياتهم، واختتمت بيانها بالدعاء له بالرحمة والمغفرة ولذويه بالصبر والسلوان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى