الخرطوم.. عاصمة الصبر على الفشل

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

وبالأمس الأول طرحت الزميلة النابهة بصحيفة للعودة/ نشوة أحمد الطيب سؤالًا مهمًا قالت فيه: خريف العودة.. هل تصمد الخرطوم أمام أول موسم أمطار بعد عودة أهلها؟

حملت سؤالها أعلاه ووضعته على طاولة مسؤولي حكومة الولاية وناطقها الرسمي، وهنالك جملة إجابات على هذا السؤال جاءت على لسان الناطق الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم الأستاذ الطيب سعدالدين، وزير الإعلام. ونرى أن هنالك ضرورة ملحة لإقامة نقاط تفتيش لهذه الإجابات وقراءة ما إذا كانت تصلح إجابةً للسؤال أعلاه.

(*) الخرطوم.. من عاصمة البلاد إلى عاصمة الفشل…

وحتى لا يكون العنوان أعلاه غير دقيق في توصيف حالة العاصمة الخرطوم، يجب علينا التأكيد بأن حال العاصمة قبل الحرب لم يكن يؤهلها للبقاء كمدينة، ناهيك عن كونها “عاصمة” يمكن مقارنتها مع أقل عواصم الإقليم من حيث الخدمات والبنية التحتية والتخطيط العمراني والسكاني، فهي، وكما وصفها أحد الرواة، بأنها “القرية” الصغيرة، وأن هنالك محاولات “عبثية” كان القصد منها أن تصبح “مدينة” كبقية المدن، أو على أسوأ تقدير أن يعود بها الحال إلى ما كانت عليه في منتصف الستينيات والسبعينيات.

وهنا ينبغي الإشارة إلى أن خطاب حكومة الولاية، الذي يبدأ وينتهي، ولمدة أكثر من عام بعد التحرير، بأن العاصمة هي الأكثر تضررًا من الحرب، وأن هنالك أعذارًا لحكومة الولاية ظلت تدفع بها في وجه كل من يسأل سؤالًا كالسؤال الذي دفعت به الزميلة في مادتها الصحفية المخدومة مهنيًا، لتبرر حالة الفشل التام في إدارة شؤون الولاية.

قبل وبعد الحرب، هنالك ثوابت لا بد لحكومة ولاية الخرطوم من الاعتراف بها، وهي أن مطلوبات مواطن ولاية الخرطوم، وهي عاصمة البلاد، لا تشبه على الإطلاق مطلوبات مواطني عواصم الإقليم، وأنها أشياء لا تتعلق بالرفاهية وحياة القادرين على أسلوب ونمط الحياة في عواصم الدول.

على الدوام ظل مواطن العاصمة القومية الخرطوم يضع سقف أحلامه في حدود الحد الأدنى من المطلوبات، ولا يرهق حكومتها بمطالب تتجاوز ضروريات الحياة من خدمات مياه وكهرباء وصحة وتعليم، وظلت حكومة الولاية، بحكم تسميتها بالعاصمة، هي صاحبة النصيب الأكبر من الدخل القومي، وميزانيتها هي الأعلى من بين المدن فيما يخص الصرف على الخدمات، إن لم تكن حكومتها تتعامل على أساس أنها السودان، بينما لا نصيب ولا حظ لبقية الولايات والمدن.

في زمن ما، وفي الشهور الأولى بعد التحرير، يكون من المهضوم بالنسبة لمواطني ولاية الخرطوم تلك الحلول “الإسعافية” والمؤقتة لمدينة تنهض من تحت ركام الحرب، إلا أن استمرار هذا المنهج من حكومة ولاية الخرطوم، واستسلامها الملاحظ لأوضاع ما بعد الحرب، يعيدنا إلى حقيقة أن أوقات الحرب لها إداراتها، وأوقات ما بعد الحرب تحتاج إلى كادر حكومي يفهم، وقادر على استيعاب مطلوبات استعادة الحياة في مدينة كانت عاصمة للبلاد.

نستطيع، وقبل أن نضع أمام حكومة ولاية الخرطوم ورقة امتحان “الخريف”، وهي المادة الإجبارية في منهج مسؤوليات حكومة الولاية، أن نمنحها الدرجات والتقدير الذي يتناسب وأداءها في كل الملفات التي تسبق أوان الخريف، وأنها، كحكومة، وبوضعها الحالي، وبطريقتها في تقديم الأعذار، لا تستطيع تحقيق تقدير “مقبول” في التعامل مع كوارث الخريف.

ما لم تغرق العاصمة في “مطرة” أو “مطرتين”، على أسوأ تقدير، لتبلل رأس حكومة الولاية، فإنها لا تصحو من ثباتها لتتعامل مع موسم الأمطار المعروف بتوقيته في السودان وزمنه، إلا عند حكومة الولاية التي تتفاجأ به في مصارفها وخيرانها وأوبئتها التي تطحن مواطن الولاية.

السؤال الذي يحتاج إلى إجابات لدى الجهات صاحبة الحق في تقييم أداء الأجهزة الحكومية هو: هل السبب في هذا الفشل الذريع في إدارة شؤون العاصمة يمكن إرجاعه فقط لآثار الحرب، أم أن الأمر يمكن إرجاعه لسوء الإدارة والتخطيط؟

نسأل السؤال ونحن واضعون في اعتبارنا بأن الخرطوم، وبحسب رمزيتها كعاصمة للبلاد، وأنها المدينة المستفيدة من الخلل في توزيع السلطة والثروة وسياسات “مركزة” الخدمات، فإنها تجد النصيب الأكبر من حصة الدعم السياسي والمؤسسي على أعلى مستوياته، ولم يكن خافيًا على أحد بأن السلطات السيادية في البلد حملت عن أكتاف حكومة الولاية في الخرطوم أعباءً أصيلة، ومن صميم مسؤوليات حكومة الولاية، ووضعتها على أكتافها، إضافة إلى مجهودات الوزارات الاتحادية في دعم عودة الحياة إلى طبيعتها في العاصمة، وأن السهم الأقل في مشروع العودة هذا هو سهم حكومة الولاية “ست الجلد والرأس”.

اقتصاديًا، قد لا يمكننا تصنيف ولاية الخرطوم على أساس أنها ولاية “منتجة”، فالخرطوم مدينة “استهلاك” بامتياز، ولكن مع ذلك فإن حكومتها تعتبر الأعلى إيرادات من بقية الولايات والمدن بحكم الكثافة السكانية وتمركز النشاط التجاري، إلا أن قراءة كراسة الخدمات تقول بأنها لا تقابل ذلك بمستوى خدمات محترم يتناسب وحجم الإيرادات الحكومية المتوفرة لحكومة الولاية، وهذا الواقع يعزز من منطقية النظرية الاقتصادية التي تقول بأن كثرة الموارد لا تعني بالضرورة النجاح، وأن هذا النجاح مشروط بحسن إدارة هذه الموارد وحسن ترتيب الأولويات.

وبالرجوع إلى إجابات الناطق الرسمي باسم حكومة الولاية، فإننا نجد الادعاء ببداية الاستعدادات لموسم الخريف منذ ستة أشهر، إلا أن هنالك اعترافًا بأن الوضع الحالي فيما يخص شبكات الصرف لا يتجاوز ما نسبته 10% فقط في العاصمة، وكنتيجة طبيعية لهزال الاستعداد لفصل الخريف، فإننا موعودون بخريف كارثي على الولاية لم تحضر له حكومة الولاية سوى الأعذار والمبررات.

رسوم النفايات المفروضة إجباريًا على المواطنين العائدين، وهم مثقلون بآثار الحرب، والتي تفرض عليهم قبل الشروع في عملية الإنتاج أو التجارة، لا نرى لها انعكاسًا في تحسن الوضع البيئي في الولاية، وبالتالي فإن موسم الخريف سيكشف حال الولاية وحال نظامها الصحي الذي تعتقد حكومة الولاية ووزيرها بأنه يمكن معالجة الأوضاع الصحية عن طريق التصريحات والوعود.

الحلول المتأخرة والارتجالية، والتي لا يسأل العقل الرسمي في حكومة الولاية نفسه عنها إلا في الزمن “بدل الضائع”، من مطلوبات صيانة الطرق والجسور ومصارف المياه، ليكتشف بأن مادة “البيتومين” ونقصها يعطل صيانة الطرق في العاصمة الخرطوم.

حكومة وجدت في جدول أعمالها الزمن الكافي لإقامة الحفلات الجماهيرية و”البازارات” و”الفارغة”، لم يكن عقلها مشغولًا بالأسباب الحقيقية التي دفعت بالشركات المستوردة للمادة أعلاه للخروج من سوق الاستيراد، والتي من بينها سياسات حكومة الولاية وتعسفها مع المستثمرين، الشيء الذي جعل من الخرطوم، عاصمة البلاد، بيئة طاردة للاستثمار وغير مشجعة لرؤوس الأموال لتكون شريكة في مشروع عودة الحياة والخدمات إلى طبيعتها في الخرطوم.

لم تسمع حكومة ولاية الخرطوم بعلم “إدارة الأزمات” ومطلوباته، واقتصرت المعرفة به في حدود إدارة الطوارئ والنفير، ولم تعلم حقيقة أن إدارة الأزمات تبدأ قبل وقوعها، خاصة وأن موسم الخريف ليس مفاجئًا، ومطلوباته ليست جديدة، ولكنها تصر على انتظار الكارثة.

لم تتعلم بعد حكومة الولاية بأن استعدادات موسم الخريف عمل “وقائي” يبدأ في بداية الموسم، وليس على طريقة “رزق اليوم باليوم” التي تعمل بها حكومة الولاية.

التصريحات المتكررة والأعذار التي يأتي بها الناطق الرسمي لحكومة الولاية هي، بالضرورة، لا تصلح كمؤشر ومقياس لأحكام مواطني ولاية الخرطوم على أداء حكومة ولايتهم، بل إن المواطن يظل يطلق أحكامه بناءً على واقع ماثل أمامه، فيه غرق للشوارع، وضعف في شبكة المصارف، وتعطل نسبة كبيرة من المستشفيات والمدارس، وانقطاع دائم ومستمر لخدمات المياه والكهرباء، وارتفاع تكاليف المعيشة في مدينة كالخرطوم.

الناطق الرسمي لحكومة ولاية الخرطوم مشغول برسم صورة ذهنية عن حكومته لا تتناسب والواقع المعاش لدى المواطنين، بل ويمضي لما هو أكثر إثارة للقلق لدى المواطن بدعوته لاتخاذ المواطن تدابير التعامل مع فصل الخريف، وكأنه يقول له بأنك وحدك في معركة ظروف الخريف، بمثلما تركته حكومته في كافة المعارك الأخرى ليدير شؤونه بالجهد الأهلي والشعبي، وليكتفي هو وحكومته بعبء توجيه النصائح.

النتيجة النهائية التي نخلص لها من تعامل حكومة ولاية الخرطوم مع كارثة الخريف، وقضايا الخدمات، والمستوى العام لأداء حكومة الولاية، هي أنها في حصانة من المساءلة، وأن هنالك غيابًا تامًا لأجهزة قياس وتقييم الأداء الحكومي، وأن استمرار مسؤولي حكومة الولاية في مناصبهم حتى الآن، رغم الصبر الطويل للمواطنين على كل ملفات الفشل، مرتبط بحالة الرضا السياسي، ولا ارتباط لذلك بالأداء والنتائج.

يجب أن يتم النظر إلى موسم الخريف الحالي باعتباره ورقة الامتحان الأخيرة لحكومة ولاية الخرطوم، وإما أن تستعيد بها ثقة المواطنين وتنجح في تعامل معقول ومثالي مع موسم الأمطار، وعليها أن تعلم بأنه لا مجال لاستهلاك المزيد من المبررات بسبب الحرب.

ليست المشكلة أن الخرطوم خرجت من حرب مدمرة؛ فكل المدن التي تخرج من الحروب تبدأ مثقلة بالجراح. المشكلة الحقيقية أن تتحول الحرب إلى شماعة دائمة لتعليق كل إخفاق، وأن يصبح غياب المحاسبة جزءًا من المشهد. فالخرطوم لا تحتاج إلى مزيد من لجان الطوارئ ولا إلى بيانات مطمئنة، بل إلى إدارة تُقاس بما تنجزه على الأرض، لأن المواطن الذي صبر على الحرب لن يقبل أن يُطلب منه أيضًا أن يصبر على الفشل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى