وعود واشنطن كروت ضغط.. وتجارب فاشلة

الخرطوم: أمين محمد
وصف رئيس تحرير صحيفة “إيلاف” الاقتصادية خالد التجاني النور، العلاقة بين السودان ومؤسسات التمويل الدولية بـ “المعقدة”، مؤكداً أن صندوق والبنك الدوليين مؤسستان تسيطر عليهما الأجندة السياسية أكثر من المعايير الفنية المحايدة. وأشار التجاني إلى أن أي اختراق في هذا الملف يظل رهيناً بقرار “الفيتو” الأمريكي، لافتاً إلى أن التجارب التاريخية أثبتت استخدام واشنطن لوعود إعفاء الديون كأداة لتمرير سياسات لا صلة لها بالاعتبارات المالية أو النقدية، ومشدداً على أن تخفيف ديون السودان رهينٌ بحسابات واشنطن السياسية، لا بمعايير صندوق النقد الفنية.
*الخيار الصفري*
واستعرض التجاني تجربة عام 2011 إبان انفصال جنوب السودان، مبيناً أن السودان قبل بما عُرف بـ “الخيار الصفري” ضمن ترتيبات “أديس أبابا” المالية عام 2012، حيث تحملت الخرطوم كامل أعباء ديون الدولة الموحدة لإعفاء الدولة الوليدة من أي التزامات مالية. وأوضح أن هذا القبول كان مقابل وعود دولية بالتحرك لإعفاء ديون السودان عبر مبادرة “هيبك” (الدول الفقيرة المثقلة بالديون)، وهو الوعد الذي لم تفِ به الولايات المتحدة رغم استيفاء السودان لكافة الاشتراطات الفنية بشهادة مسؤولي البنك الدولي آنذاك.
*فيتو سياسي*
وكشف المحلل الاقتصادي عن وجود “شرط سياسي خفي” غير معلن، يتمثل في ضرورة تطبيع العلاقات مع واشنطن كبوابة وحيدة للحصول على موافقتها داخل أروقة المؤسسات الدولية، مؤكداً أن ديون السودان تراكمت نتيجة نكوص الولايات المتحدة عن وعودها. ولفت التجاني إلى أن مبادرة “هيبك” التي انطلقت عام 1996 استفادت منها نحو 37 دولة، ولم يتبقَ حبيساً لها سوى السودان وإريتريا، واصفاً اللقاءات المتكررة مع مسؤولي الخزانة الأمريكية بأنها “حديث دبلوماسي” يندرج ضمن كروت الضغط للتأثير على السياسات الداخلية.
*إدارة المخاطر*
وفيما يتعلق بالحظر الاقتصادي، أوضح التجاني أن العقوبات رُفعت عملياً ودائماً منذ أكتوبر 2017، إلا أن عودة السودان للنظام المالي العالمي لا تزال معطلة بسبب قضايا “إدارة المخاطر” ونظام التحويلات الدولية. وحمّل التجاني البنك المركزي جزءاً من المسؤولية لعدم قيامه بالدور المطلوب في تضمين البنود التي تساعد في عمليات التحويل، مؤكداً أن الفشل في إحداث اختراق بهذا الملف منذ عام 2017 لا علاقة له بالعقوبات الأمريكية المرفوعة، بل بقصور في الإجراءات المصرفية الداخلية.
*تحرير الصرف*
وبشأن استقرار العملة، أكد التجاني أن شركاء التنمية لا يقدمون دعماً مباشراً لرفع قيمة الجنيه، بل إن برامج صندوق النقد الدولي (تحت المادة الرابعة) تدفع باتجاه “تحرير سعر الصرف” وترك العملة لقوى السوق، وهو ما يتنافى مع فرضية التدخل لصالح قوة الجنيه. وجزم بأن استقرار سعر الصرف هو قرار داخلي بحت مرتبط بسياسات بنك السودان المركزي، وقدرته على توفير احتياطات من النقد الأجنبي لتأمين الاستيراد وكبح التضخم.
*نزيف الذهب*
واختتم رئيس تحرير “إيلاف” إفادته بالإشارة إلى أن الحل الحقيقي للأزمة الاقتصادية يكمن في سيطرة الحكومة على موارد الذهب ومنع تهريبه، مبيناً أن هناك فجوة هائلة بين الإنتاج الفعلي وما يتم توريده للبنك المركزي. وكشف التجاني أن السودان أنتج رسمياً نحو 70 طناً من الذهب العام الماضي، بينما لم يصل للمركزي سوى 14.7 طناً بقيمة 1.5 مليار دولار، ما يعني تسرب 55 طناً خارج القنوات الرسمية. وشدد على ضرورة بسط “الولاية الكاملة على المال العام” لضمان توفر السيولة الدولارية، بدلاً من بناء التوقعات على آمال كاذبة بتطبيع العلاقات مع واشنطن في الظرف الراهن.



