“ندوب تحت الجلد”..
حرب السودان تذبح طفولة نصف المجتمع وتشلّ مستقبل التعليم

باحثة اجتماعية: أطفال السودان يواجهون “طفولة بائسة” وتصدعاً في الكيان الأسري
وزارة الصحة: غياب الإحصائيات الرسمية لضحايا “صدمات الحرب” من الأطفال
تربويون: الهروب المدرسي “صرخة استغاثة”.. والمدرسة تحولت لمصدر ضغط نفسي
منظمات: 50% من المجتمع مهددون بـ “ضياع تعليمي” قسري ونقص حاد في الوصول
تحقيق: أمين محمد الأمين
من أزقة الخرطوم الملتهبة إلى ممرات مراكز الإيواء المزدحمة بالنازحين، تلاحق “أشباح الحرب” ذاكرة أطفال السودان، محولةً حقهم في الحياة والتعليم إلى عبء نفسي لا يطاق. وبينما يقر المسؤولون بفجوة التمويل وصعوبة الوصول للمناطق المعزولة، تكشف القصص الميدانية عن تحولات سلوكية واجتماعية مرعبة، حيث يتبادل الآباء والأبناء الأدوار في صراع البقاء. يسلط هذا التحقيق الضوء على “المذبحة النفسية” التي يتعرض لها نصف المجتمع، ويستنطق المعلمين والخبراء والمسؤولين لوضع خارطة طريق لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جيل “الندوب تحت الجلد”
*حكاية طفل*
في زاوية معتمة من ذاكرة النزوح، يروي أبٌ سوداني (فضل حجب اسمه) قصة ابنه الذي لم يتجاوز ربيعه الخامس، والذي غدا لسان حاله يلهج بالموت قبل أن يدرك معنى الحياة. بدأت المأساة في الخرطوم، حيث لم تكن أصوات الانفجارات وطلقات الرصاص مجرد ضجيج عابر، بل كانت سمفونية موت يومية شقّت طريقها إلى مسامع وبصر الصغير، الذي رأى من فظائع “أشلاء الجثث” ما لا تقوى على احتماله الجبال.
يقول الأب بنبرة يملؤها العجز والقلق الوجودي: “بينما كان الرصاص يمزق سكون ليلنا في الخرطوم، باغتني طفلي بسؤالٍ جمد الدماء في عروقي: يا أبي.. متى سنموت؟”. لم تكن الصدمة في السؤال فحسب، بل في تلك النظرة التي انطفأ فيها بريق الطفولة ليحل محله رعبٌ مبكر. لم يغسل النزوح غبار الفاجعة؛ فما زال الليل يتحول إلى مسرحٍ للهذيان والارتجاف، والطفل يردد بلسانٍ يرتجف: “سنموت.. نحن سنموت
*بلاغات ذاتية*
في مواجهة هذه المأساة، كشفت مديرة إدارة الصحة النفسية بوزارة الصحة الاتحادية، الاختصاصية هيام إبراهيم عبدالله، عن تحديات جسيمة تواجه ملف الصحة النفسية للأطفال، مقرةً بغياب المسوحات الميدانية الشاملة والاعتماد الكلي على “البلاغات الذاتية” للحالات التي تصل إلى المراكز الصحية ودور الإيواء.
اضطرابات مركبة: وأوضحت المسؤولة الاتحادية أن عمليات التقييم كشفت عن طيف واسع من الاضطرابات، أبرزها: القلق الحاد، التبول اللاإرادي، نوبات الفزع، وصعوبات التعلم، مشيرة إلى أن مؤشرات القلق تتجسد بشكل رئيسي في اضطرابات النوم الليلية الحادة.
*اعتراف مهني*
وأكدت “هيام” عدم توفر إحصائيات دقيقة تحصي عدد الأطفال المتأثرين نفسياً بالصراع، مرجعةً ذلك إلى تشتت التقارير وغياب المراكز المتخصصة. وحذرت من صعوبة الوصول إلى ولايات ملتهبة لا سيما في إقليم دارفور، بجانب كشفها عن “فجوة تنسيقية” مع وزارة التنمية والضمان الاجتماعي، والاعتماد بشكل أساسي على المنظمات الدولية كمنظمة الصحة العالمية.

*طفولة بائسة*
من جانبها، رسمت الباحثة الاجتماعية مها رضوان حمدان صورة قاتمة للواقع، واصفة المشهد بـ “الطفولة البائسة”. وحذرت من أن الصدمات الحالية تفوق طاقات الأطفال العمرية، حيث تحول النزوح ومشاهد العنف إلى وقود لاضطرابات نفسية وسلوكية مزمنة.
*التصدع الأسري*
وكشفت مها عن ظاهرة “انقلاب الأدوار”؛ إذ يواجه الآباء فقدان الاستقرار الاقتصادي، بينما تتحمل الأمهات أعباءً مضاعفة، ويُجبر الأطفال على تحمل مسؤوليات كبرى، مما يعزز شعورهم بالضياع وفقدان الهوية الأسرية.
*الحلول الممكنة*
دعت الباحثة إلى اعتماد “أنماط تكيف إيجابية” مثل إعادة تنظيم الروتين وتوفير مساحات للتعبير بالرسم والكتابة، مؤكدة أن الدعم النفسي يمكن تحقيقه بوسائل إبداعية بسيطة كالأعمال اليدوية وترميم الثقة بالنفس، رغم عوائق نقص التمويل وصعوبات التنقل في المناطق الملتهبة.
*مصدر ضغط*
في السياق ذاته، أكدت المعلمة بمدرسة “أبوبكر الصديق”، سميرة عبد القادر، أن الحالة النفسية باتت العائق الأول أمام التحصيل العلمي، محذرة من “الغياب الذهني” داخل الصفوف، مما يحول المدرسة إلى مصدر ضغط يدفع للتسرب والنفور.
*فجوة الخبرات*
كشفت المعلمة عن فجوة حادة في دعم تلاميذ مرحلة الأساس، محذرة من تأثر الجودة نتيجة غياب الكوادر الخبيرة بسبب الحرب، والاعتماد على معلمين جدد يحتاجون لتدريب مكثف على مهارات “الإسعاف النفسي”.
بديل إنقاذي: وترى “عبد القادر” الحل في التوسع بإنشاء “المساحات الصديقة للطفل”، مبدية تحفظاً على “التعليم الإلكتروني” حالياً بسبب العوائق الاقتصادية القاهرة للأسر التي تعجز عن توفير الأجهزة وتكاليف الإنترنت.

*حوكمة الحقوق*
إلى ذلك، كشفت المدير التنفيذي لمنظمة “إعلاميون من أجل الأطفال”، إنعام محمد الطيب، عن مؤشرات صادمة، مؤكدة أن الأطفال يمثلون نصف تعداد السكان، ويواجه الملايين منهم خطر الخروج النهائي من المنظومة التعليمية نتيجة النزوح القسري.
*عقبات الوصول*
وأوضحت “الطيب” أن المنظمة تركز على ملف “حوكمة حقوق الطفل” ومشروع “التعليم جيد النوعية” في ولايات البحر الأحمر، ونهر النيل، والنيل الأزرق. وأقرت بوجود “مناطق معزولة تماماً” يتعذر الوصول إليها ميدانياً، مما يدفعهم للاعتماد على شبكات المتطوعين المحليين لرصد الانتهاكات.
*شراكات دولية*
ولفتت إلى الشراكة الاستراتيجية مع منظمة “إنقاذ الطفولة” (Save the Children) والتعاون مع “اليونيسف” والشركاء الألمانيين لتمويل الدراسات الميدانية والحملات الإعلامية لرفع الوعي بحماية حق التعليم المجاني والإلزامي.
*خاتمة المحرر*
يبقى الأمل معلقاً على “إرادة الإنقاذ” قبل فوات الأوان؛ فالأرقام والشهادات المروعة التي استعرضها هذا التحقيق تعلن عن “حالة طوارئ نفسية وتربوية” قصوى. إن إنقاذ مستقبل نصف المجتمع السوداني يبدأ من ترميم تلك “الندوب غير المرئية” في أرواح الصغار، وإعادة الاعتبار للمدرسة كحضن آمن للتعافي.
إن الموت الذي يخشاه ذلك الطفل ليس موتاً جسدياً بالضرورة، بل هو “موت المستقبل” الذي نخشاه جميعاً إذا بقي أطفال السودان عالقين بين مطرقة الحرب وسندان الضياع التعليمي. فهل تتحرك الضمائر والمؤسسات لترميم ما دمرته المدافع في نفوس “بناة الغد”؟



