المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: فزورة تصحيح الشهادة السودانية

بعد ثلاث سنوات عجاف من الحرب والتشريد وتوقف نبض التعليم، تنفس “الصبر السوداني” الصُّعَدَاء مع انطلاق امتحانات الشهادة السودانية في الثالث عشر من أبريل الماضي، والتي اختتمت أعمالها في الثالث والعشرين من ذات الشهر.
هذا الحدث لم يكن مجرد إجراء أكاديمي، بل كان ملحمة وطنية وتحدياً سيادياً أثبتت فيه وزارة التعليم والأسر والطلاب تمسكهم بالحياة والمستقبل رغم الجراح. ولأن موعد الامتحانات أُعلن قبل نحو ثمانية أشهر، فقد استبشر الجميع خيراً بأن الدولة استعادت زمام المبادرة، وامتلكت الوقت الكافي لترتيب المراكز الداخلية والخارجية على أكمل وجه، مما منح الدفعة الحالية “أسبقية زمنية” نادرة تفوق دول الجوار التي لا تبدأ امتحاناتها إلا في يونيو، وهو ما كان يتيح للطالب السوداني فرصة ذهبية للحاق ببوابات القبول الجامعي العالمي مبكراً ودون أي ضغوط نفسية.
لكن الصدمة الكبرى تجلت في “البرود الإداري” الذي أعقب هذا الإنجاز؛ إذ اعتبرت لجنة امتحانات السودان هدفها انعقاد الامتحانات و ليس ظهور النتيجة ، اذ فوجئ الرأي العام بصدور قرارات تحدد مصفوفة لأعمال كنترول الشهادة استعداداً للتصحيح تستغرق الفترة من ٢٣ أبريل وحتى السادس من يونيو المقبل (الموعد المعلن لانطلاق عمليات تصحيح الامتحانات)، مما يعني وجود فجوة زمنية تتجاوز الأربعين يوماً بين آخر امتحان وبداية التصحيح.
هذا الفراغ القاتل كشف بوضوح أن لجنة امتحانات السودان تعاملت مع القضية بعقلية الجزر المعزولة، وتناست أن الامتحان حزمة واحدة لا تنتهي بوضع الطلاب للأقلام، بل بإعلان النتائج. إن تجميع طرود الإجابات من الولايات الآمنة والمراكز الخارجية عبر خطوط الطيران المباشرة المتوفرة أو عبر البر لم يكن ليحتاج لأكثر من أسبوع واحد، ثم تفريغ الطرود وترقيمها بالأرقام السرية في عشرة أيام على الأكثر. وكان الأحرى باللجنة أن تكون جاهزة بالزمان والمكان والبدائل اللوجستية لعمليات التصحيح قبل أن يجلس أول طالب على مقعده، بدلاً من إهدار هذا الوقت الثمين في انتظار المجهول (عقلية التخطيط الصفري).
ما يثير الدهشة والاستهجان في آنٍ واحد، هو تفاصيل الاجتماع الأخير للجنة الترتيبات بولاية الخرطوم في منتصف مايو، حيث انخرط المسؤولون في نقاشات بدائية حول “تهيئة بيئة السكن، وتوفير مياه الشرب، وضمان الإمداد الكهربائي، وشراء الجازولين للمولدات” لاستضافة سبعة آلاف معلم ومعلمة! هذه التفاصيل الخدمية كان يجب الفراغ منها وحسمها بالكامل خلال شهري مارس وأبريل الماضيين كجزء أصيل من خطة الطوارئ.
إن التعلل بأزمات الكهرباء والمياه في الخرطوم لتبرير تأخير التصحيح يمثل عذراً أقبح من ذنب؛ فإذا كانت العاصمة غير مهيأة لوجستياً، فلماذا لم يتم نقل مركز التصحيح فوراً إلى ولايات أكثر استقراراً مثل الولاية الشمالية أو نهر النيل؟ الطالب السوداني الذي دفع ثمن الحرب من عمره لا يملك رفاهية الوقت لانتظار حل الأزمات الهيكلية للخدمات حتى يتم تصحيح ورقته.
إن هذا التراخي الإداري غيّر المعادلة بالكامل، وحوّل “الأسبقية الزمنية” إلى مأزق حقيقي، فالنتيجة لن ترى النور – في أفضل السيناريوهات – إلا في أواخر أغسطس أو أواسط سبتمبر ربما، و ستليها بواقع الحال أسابيع أخرى من التعقيدات البيروقراطية في استخراج الشهادات وتوثيقها من وزارتي التربية والخارجية.
هذا الجدول الزمني المتكدس يضع الطلاب في “مأزق سبتمبر”، حيث تفتح الجامعات في أغلب دول العالم مطلع سبتمبر، وتكون بوابات القبول الإلكتروني قد استنفدت مقاعد الوافدين قبل أن يحصل الطالب السوداني على شهادته. هذا التباطؤ يحرم الطلاب من فرص التنافس العادل، ويجبر الكثير منهم على خسارة عام دراسي كامل أو الانتظار للفصل الدراسي الثاني، مما يحول الإنجاز الحكومي باقامة امتحانات الشهادة في موعدها المعلن من قصة نجاح إلى أزمة قلق وضغط نفسي متجدد للأسر التي ظنت أن قطار التعليم قد عاد أخيراً إلى مساره الصحيح. ولا عذر يمكن أن يقبل ولا مبرر لأن تكون المدة الزمنية بين آخر جلسة امتحان و ظهور النتيجة أكثر من أربعة أشهر و بمقارنة بسيطة بيننا و الدول التي تحيط بنا ندرك مقدار أزمة التخطيط التي تلازمنا ..
فبالنظر في مصفوفة الامتحانات وتصحيحها وظهور نتائجها في الدول المحيطة بنا، نجدها جميعها تعقد امتحاناتها في يونيو (أي بعد ما يقارب الشهرين من امتحانات الشهادة السودانية) ومع ذلك تظهر نتائجها قبل نتائجنا بحوالي شهرين و ذلك وفقا لتجارب الدول المستقرة أمنيا و سياسيا و تظهر قبلنا بحوالي شهر في تلك الدول التي تواجه صراعات داخلية وعدم استقرار أمني و سياسي. على سبيل المثال :
*أولاً: نماذج الدول المستقرة*
** جمهورية مصر العربية* : جلس لامتحانات الثانوية العامة يونيو ٢٠٢٥م ، حوالي ٨٠٠ ألف طالب وطالبة في الفترة من ١٥ يونيو حتى ١٠ يوليو ٢٠٢٥ م ، وتم اعتماد النتيجة وإعلانها يوم ٢٢ يوليو، أي بعد ١٢ يوماً فقط من نهاية الامتحانات.
* *المملكة العربية السعودية* : في منظومة تعليمية رقمية ومستقرة، جلس للامتحانات أكثر من ٥٠٠ الف طالب وطالبة،حيث تنتهي الامتحانات في مطلع يونيو، و يتم إعلان النتائج بالكامل عبر نظام “نور” الإلكتروني في غضون ٣ إلى ٥ أيام فقط من آخر امتحان، مما يتيح للطلاب التقديم الفوري للجامعات المحلية والعالمية.
*ثانياً: نماذج دول الصراعات والحروب*
* *الجمهورية العربية السورية* : رغم المعاناة المستمرة من تداعيات الحرب، عقدت امتحاناتها عام ٢٠٢٥ بدءاً من ١٠ يوليو وانتهت في ٢٥ يوليو لعدد ٣٤٥ ألف طالب وطالبة، واعتمدت النتيجة وأُعلنت في ٣٠ أغسطس، أي بعد ٣٥ يوماً من نهاية الامتحانات.
* *دولة ليبيا* : على الرغم من الانقسام السياسي والأزمات اللوجستية والأمنية، جلس للامتحانات الشهادة الثانوية في ٢٠٢٥م بفرعيها العلمي والأدبي نحو ١٢٠ ألف طالب وطالبة، انتهت امتحاناتهم في أواخر يونيو، لتُعلن النتائج بالكامل في فترة لم تتجاوز ٢٥ إلى ٣٠ يوماً بفضل التنسيق الإلكتروني الموحد.
هذه التجارب التي تعرضنا لها أنما اردنا أن نوضح بها كيف يمكن ان تدار العملية وفق مصفوفات زمنية مبرمجة منذ وقت مبكر حيث لا شئ يجب أن يترك للصدفة .. و للأسف ينداح هذا الخلل الإداري لدينا على كثير من مناحي الأداء في مختلف قطاعات الدولة السودانية التي باتت تحتاج إلى ثورة حقيقية في المفاهيم الإدارية الاستراتيجية ، ان اردنا النهوض من كبوتنا الحالية و اللحاق بركب الأمم .



