الدولار يفتح جراح (حكومة الامل)

هزيمة الجنيه السوداني أمام أسطورة (السلع الكمالية)

سياق الأزمة وتداعيات الحظر.. ندرة السلع وتفاقم التضخم

الغرفة القومية: القرار فشل في كبح الدولار

—–

كمال كرار: التحدي الحقيقي في إدارة الأولويات

 

في وقت يشهد فيه الاقتصاد السوداني اضطرابات متلاحقة وتذبذباً حاداً في قيمة العملة الوطنية، تتزايد الدعوات لمراجعة قرار حظر استيراد 46 سلعة بما يوازن بين ترشيد النقد الأجنبي، ودعم الإنتاج، ومتطلبات إعادة الإعمار واستقرار الأسواق، في ظل ندرة السلع وتصاعد الأسعار. وقد أثار القرار جدلاً واسعاً لشموله مواد أساسية لإعادة الإعمار كالأسمنت والسيراميك والدهانات والأثاثات، إضافة لسلع استهلاكية كالأرز والصلصة. ويرى مختصون أن هذه السلع لا تمثل نسبة كبيرة من استهلاك النقد الأجنبي، بينما استُبعدت بنود ذات إنفاق أعلى، محذرين من تأثير القرار على الإنتاج المحلي والإمدادات، في ظل اعتماد المصانع على مدخلات مستوردة.

تقرير – عماد النظيف 

 

أكد الأمين العام لغرفة المستوردين، بكري إلياس، لـ (العودة) أن القرار كشف مشكلة الطاقة الحقيقية التي تعاني منها البلاد وتؤثر في الإنتاج، مؤكداً أن الصناعة المحلية لن تستطيع تلبية حوجة السوق، فلا يمكن حكر السوق لقطاع لا يغطي الطلب. وأضاف: “بعد الحظر، ارتفعت الأسعار بصورة كبيرة من غير مبرر سوى الحظر، وهو ما حذرنا منه”. وطالب إلياس الجهات المسؤولة بالتحلي بالشجاعة لمراجعة القرار بعد ثبوت فشله في الحد من ارتفاع الدولار، مشيراً إلى أن الدولار يعتمد على العرض والطلب، وما يحدث حالياً هو طلب عالٍ جداً ومعروض أقل. وحذر من أن الأسواق ستعاني في الأيام المقبلة من ندرة واحتكار وارتفاع جنوني للأسعار نتيجة السياسات غير المدروسة والتوقيت غير المناسب.

كما انتقد إلياس تعقيدات قطاع الاستيراد، مشيراً إلى رسوم وجبايات تعجيزية تفرضها الوزارات، وأخرى في الطرق بعد الجمارك، داعياً وزارة المالية للسماح للجمارك بإعادة النظر في الرسوم الجمركية والرسم الإضافي والفئات المفروضة لموازنة الكارثة والتضخم. وأضاف أن الغرفة قدمت خططاً لترشيد الاستيراد والاستراتيجيات لكنها لم تجد أذناً صاغية. وأكد رفض الغرفة التام لحظر أي سلعة، مشيراً إلى أن الشركة المنفذة للنظام مملوكة لجهة خارج السودان، وهي سبب في زيادة الطلب على الدولار لكون رسومها تدفع بالخارج. كما طالب إلياس هيئة الموانئ بوضع لائحة لمواجهة فوضى شركات الملاحة في بورتسودان التي تفرض رسوماً غير محددة يومياً، مما يفاقم التكلفة.

رؤية استراتيجية

 

وفي ذات السياق، يقدم الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي رؤية متكاملة تتجاوز حدود الحظر، حيث يرى أن احتياطيات النقد الأجنبي هي الركيزة الأساسية لتعزيز ثقة المستثمر ودعم العملة الوطنية، وتمكين الدولة من امتصاص الصدمات والوفاء بالتزاماتها الدولية. ولتعظيم هذه الاحتياطيات، يشدد فتحي على ضرورة تحفيز تحويلات العاملين بالخارج عبر القنوات الرسمية، وذلك بتوفير أدوات استثمارية ومشاريع حقيقية، وإصدار أوعية ادخارية وشهادات استثمار دولارية ذات فوائد مرتفعة، مع إحكام الرقابة على السوق المصرفية وإلغاء السوق السوداء.

ويدعو فتحي إلى تحول هيكلي في الاقتصاد، عبر الانتقال من النمط الاستهلاكي إلى الإنتاجي، وذلك بمنح مزايا تفضيلية للمصانع المحلية – كالإعفاءات الضريبية وتوفير المواد الخام بأسعار مخفضة – مما يرفع جودة المنتج المحلي ويجعله بديلاً تنافسياً للمستورد، ويعزز من فرص الصادرات السودانية بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام. كما يشدد على أهمية ضبط الإنفاق الحكومي بالعملة الصعبة، وإعادة ترتيب الأولويات، وتفعيل قيود حازمة على استيراد السلع الكمالية، مشيراً في الوقت ذاته إلى ضرورة تطوير النظام النقدي والمالي ليكون أكثر مرونة في التعامل مع الاضطرابات والأزمات الراهنة.

من جانبه، أكد رئيس الغرفة، الصادق جلال الدين صالح، أن الوقائع أثبتت فشل القرار، مشيراً إلى أن ما يحدث نتيجة لقرار اقتصادي تجاهل الأسباب الحقيقية (كمضاربات الوقود) وذهب لمعالجة النتائج. وأوضح أن السلع المحظورة تمثل 11% من واردات 2025 لكنها تسهم بـ 38% من الإيرادات الجمركية، مما يفاقم عجز الموازنة.

 

رصد ميداني لقفزات أسعار السلع

 

​كشف الصادق جلال الدين أن مرور قرابة الشهر على القرار أدى لارتفاعات كبيرة في الأسعار وفق رصد (24 مايو 2026):

​الأرز: زيادة 98% (من 43 ألف إلى 85 ألف).

​الإندومي المصري: زيادة 54% (من 26 ألف إلى 40 ألف).

​صابون بودرة محلي: زيادة 48% (من 25 ألف إلى 37 ألف).

​سيراميك مصري: زيادة 42% (من 33 ألف إلى 43 ألف).

​قميص كولن: زيادة 40% (من 200 ألف إلى 280 ألف).

​مفرش سرير: زيادة 39% (من 18 ألف إلى 25 ألف).

​صابون بودرة مستورد: زيادة 31% (من 38 ألف إلى 50 ألف).

​صابون مستورد: زيادة 26% (من 127 ألف إلى 160 ألف).

​أسمنت محلي: زيادة 22% (من 670 ألف إلى 820 ألف).

بدائل أكثر مرونة

 

بدوره، وصف الخبير الاقتصادي كمال كرار القرار بـ “القفزة في الفراغ”، مؤكداً أن نتائجه غير ملموسة. وأوضح قائلاً: “نظراً لعدم وجود بيانات دقيقة، يمكن القول بثقة إن القرار لم يسهم في ترشيد النقد الأجنبي أو خفض صعود الدولار، فآلية تنفيذه غير فعالة بسبب التهريب وصعوبة ضبط الحدود، فضلاً عن تعقيدات إدارة الاقتصاد في ظل انقسام السلطة”.

 

واقترح كرار بدائل أكثر مرونة، كفرض رسوم جمركية إضافية ترفد الخزينة ولا تؤدي لاختفاء السلع، مع تصنيف الواردات إلى ثلاث فئات:

 

*الأولى:للأدوية والغذاء ومدخلات الإنتاج ومواد الإعمار (أولوية قصوى)

 

*والثانية: للسلع الوسيطة (رسوم وحصص)،

 

*والثالثة: للسلع الكمالية (رسوم مرتفعة). وختم كرار بأن التحدي الحقيقي ليس فقط خفض الطلب على العملة، بل في وقف الحرب وإدارة الأولويات وتوجيه الموارد نحو القطاعات المنتجة، مؤكداً أن أي قرار منفرد يظل قاصراً ما لم يُتبع بإجراءات هيكلية لدعم الصادرات، مكافحة تهريب الذهب، وجذب استثمارات المغتربين.

 

ضرورة الإصلاح الهيكلي

 

​ختم الخبراء ورئاسة الغرفة بأن التحدي الحقيقي ليس فقط خفض الطلب، بل في وقف الحرب وإدارة الأولويات وتوجيه الموارد نحو القطاعات المنتجة. وأكد الصادق جلال الدين أن استمرار القرار يفاقم الأعباء المعيشية، مجدداً دعوته للإلغاء الفوري للقرار، بينما أكد كرار أن أي قرار منفرد يظل قاصراً ما لم يُتبع بإجراءات هيكلية لدعم الصادرات، مكافحة تهريب الذهب، وجذب استثمارات المغتربين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى