سراج الدين مصطفى يكتب : أغنية العزيزة .. أجمل طلب عضوية الحزب الشيوعي !!

نقر الأصابع .. 

تعد أغنية العزيزة محطة استثنائية في تاريخ الإبداع الغنائي السوداني لما تحمله من أبعاد إنسانية وفنية وسياسية متشابكة شكلت وجدان المستمعين عبر الأجيال وتبدأ حكاية هذا النص الرفيع في ندوة للحزب الشيوعي عندما قرأ الشاعر الشاب وقتها سعدالدين ابراهيم نص الأغنية ونال إعجاب سكرتير الحزب عبدالخالق محجوب الذي سأل على الفور عن عضويته في التنظيم وعندما علم أنه لم يقدم طلب انضمام بعد أطلق مقولته التاريخية الصادمة بأن هذا النص هو أجمل طلب انضمام للحزب الشيوعي ورغم تصنيفه الدائم ضمن شعراء اليسار السوداني إلا أن سعدالدين لم ينضم رسميا للحزب وظل الجدل يدور حول هذا الأمر تماما مثل الجدل الذي دار حول الفنان مصطفى سيد أحمد في ذات السياق

وتكتمل فرادة العمل في كواليس صناعته ومسيرته الطويلة حيث يروي سعد الدين أن الملحن عمر الشاعر وضع اللحن في البداية ليغنيه الفنان زيدان ابراهيم بحكم الثنائية الإبداعية المعروفة بينهما لكن الشاعر اقترح مغامرة فنية متمثلة في تقديم اللحن عبر صوت جديد يستقبله الجمهور دون أحكام مسبقة لأن وجود النص في مسيرة زيدان كان سيجعله مجرد أغنية عادية وسط روائعه الكثيرة ونجحت هذه الرؤية الثاقبة عندما صدح بها الفنان فتحي حسين وقدمها بشكل متميز فتح له أبواب النجومية وعندما توقف عن الغناء تلقفها بذكاء الفنان الطيب مدثر وارتبطت به ارتباطا وثيقا لتبقى العزيزة أغنية متفردة ومتقدمة على زمانها

وتكمن القيمة الفنية للنص في تجاوزه البلاغة التقليدية المعتمدة على الوصف المباشر للجمال وبناء عالم شعوري كامل من الحنين والغياب والعتاب الرقيق وهو ما يمثل ملمحا تجديديا واضحا في فترة السبعينيات فالشاعر لا يبدأ بالغزل المعتاد وإنما ينطلق من مفارقة مؤلمة تعبر عنها لوعة المحب في قوله (العزيزة الما بتسأل عن ظروفنا) فالمحبوبة هنا ليست كائنا مثاليا بل شخصية غائبة ومقصرة ومع ذلك تظل عزيزة في منطقة نفسية معقدة تجمع بين اللوم والمحبة

وتبرز الأخيلة الشعرية المبتكرة في مقاطع مثل (المواعيد لسة حزنانة بتنادي) ومثل (الأماسي بتبكي في أسى ما اعتيادي) حيث يتحول الزمن والليل إلى كائنات حية تشارك الشاعر حزنه وفراقه وتتجلى الخصوصية البيئية في عبارة (سلميلنا على ضفايرك موجة موجة) التي تحول الشعر إلى أمواج متحركة تحمل ذاكرة الحنين أما التعبير الأكثر عبقرية وفرادة فهو (والله أحضانك بلد) حيث يتجاوز التشبيه التقليدي للمحبوبة بالوطن ليجعل من أحضانها وطنا كاملا يختصر معاني الأمان والسكينة والانتماء في صورة مكثفة علقت بالوجدان السوداني وينتمي النص إلى مرحلة حداثية تجاوزت اللغة المباشرة نحو لغة يومية شفاهية بسيطة وعميقة في آن واحد مثل (سلميلنا على عيونك) ومثل (كلميها قولي ليها) ليبقى هذا العمل عابرا للزمن بقدرته على إنتاج الجمال من مفردات الحياة العادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى