الابيض وصناعة الأثر

الأبيض ليست مدينة… إنها طريقة حياة

بقلم/ بكري يوسف البُر

هناك مدن تعرف بشوارعها، وأخرى تعرف بمبانيها أو بشخصياتها التي تركت بصماتها في التاريخ، أو بموقعها الجغرافي. غير أن الأبيض تنتمي إلى فئة نادرة من المدن التي يصعب اختزالها في حدود المكان. فالأبيض حالة إنسانية متكاملة، وطريقة خاصة في النظر إلى الحياة والتعامل مع الناس.

فالذي عاش في الأبيض يتذكر طرقاتها، ويتذكر وجوها باسمة، وأبوابها المفتوحة، وصداقات نشأت بلا مقدمات، ومجالس جمعت المختلفين دون أن تسألهم عن أصولهم أو قبائلهم أو انتماءاتهم. وقد أسهمت البيوتات والأسر العريقة، إلى جانب الأجيال المتعاقبة من الوافدين والمقيمين، في ترسيخ قيم اجتماعية أصبحت جزءا من هوية المدينة ووجدانها. فالأبيض لم تبنها جماعة واحدة، وإنما صنعتها أجيال من التجار والعلماء والإداريين والحرفيين وأهل التصوف والزراعة والرعي والأدباء والفنانين والشعراء وكتاب القصة، حتى غدت نموذجا فريدا للتعايش والتكافل والانفتاح على الآخر.

وفيها ظل السلام الاجتماعي قيمة حية تتناقلها الأجيال، نشأ الناس على احترام التنوع، وعلى الاعتزاز بالمدينة باعتبارها بيتا للجميع. وكانت الأبيض تعلم أبناءها، دون أن تشعرهم بذلك، أن الإنسان يعرف بخلقه وعمله وتلقائية تعامله، واحترامه للآخر قبل أي شيء آخر.

في الأبيض نشأت أجيال على قيمة الكفاية، وعلى الكرم، وعلى التعايش. كانت سوقا عظيمة للتجارة، لكنها كانت في الوقت نفسه مدرسة عظيمة للحياة. فيها التقى القادم من دارفور بالقادم من النيل، والتاجر بالراعي، والمزارع بالموظف، والأديب بالشاعر والقاص، فصنعت من هذا التنوع نسيجا اجتماعيا متماسكا قل أن يوجد في مدينة أخرى.

ولم تكن الأبيض رائدة في التعايش الاجتماعي وحده، وإنما عرفت أيضا بروح المبادرة والسبق. فهي مدينة استثنائية، سباقة، وكما يقول أهلها: “سعنها نديان”. وقد ظهر اسمها مبكرا في مسيرة النهضة السودانية الحديثة؛ إذ كان من بين المساهمين في تأسيس أول صحيفة يصدرها السودانيون، وهي “حضارة السودان” عام 1919م، اثنان من رجالات الأبيض هما السيد حسن أبو والسيد خليل عكاشة، إلى جانب السيد علي الميرغني والسيد عبد الرحمن المهدي وغيرهم من رواد ذلك العصر.

ولم يقتصر حضور الأبيض المبكر على الصحافة والتجارة، بل امتد إلى النشاط الثقافي والاجتماعي. ويورد يوسف ميخائيل في مذكراته الشهيرة عن الأبيض واقعة طريفة تعكس حيوية المجتمع الأبيضي وقدرته على التفاعل مع أحداث عصره، إذ يذكر أن بعض الصبية نظموا عرضا تمثيليا حيا انقسموا فيه إلى فريقين، أحدهما يمثل رايات المهدي والآخر رايات الحكومة التركية. وهي واقعة تبدو اليوم أقرب إلى واحد من أوائل أشكال التمثيل والعرض الحي التي وثقت في الأبيض، وتدل على أن المدينة كانت، منذ وقت مبكر، فضاء نابضا بالحركة الثقافية والتفاعل الاجتماعي. (مذكرات يوسف ميخائيل ص ٣٨).

 

واستمر هذا الحضور في المجال الاقتصادي والتجاري، فكان لأبناء الأبيض إسهام بارز في تأسيس وامتلاك أسهم في عدد من المؤسسات والشركات الوطنية الكبرى، من بينها شركة الحبوب الزيتية، وشركة الصمغ العربي، وشركات التأمين، وشركة الشاي السودانية، وشركة كردفان للنقل. كما يذكر للسيد إبراهيم العتاق أنه مارس أعمال القمسيون والشحن التجاري في الأبيض قبل أن تعرفها الخرطوم على نطاق واسع.

ذلك هو جيل الآباء الذين نظروا إلى المستقبل بعين واثقة، وحفروا الصخر بطموحات كبيرة سبقت زمانها، فتركوا للأجيال اللاحقة إرثا من المبادرة والعمل والريادة.

ولعل أعظم ما يميز الأبيض أنها لم تكن مدينة مغلقة على نفسها. كانت دائما تستقبل الناس أكثر مما تسألهم من أين جاءوا. ولذلك أحبها كثيرون لم يولدوا فيها، واشتاق إليها كثيرون لم تكن تربطهم بها سوى سنوات قليلة من العمر.

لهذا فإن الحديث عن الأبيض لا ينبغي أن يختزل في الإسفلت والمباني، ولا عن المياه والكهرباء وبقية الخدمات، رغم أهميتها للحياة الكريمة، وإنما عن القيم التي أنتجتها، وعن الروح التي بثتها في أهلها، وعن النموذج الاجتماعي الذي ظل قائما رغم الحروب والأزمات وتقلبات الزمان.

قد تتغير الأسواق، وتتبدل الأحياء، وترحل أجيال وتأتي أجيال، لكن شيئا من روح الأبيض يبقى عصيا على التبدل؛ تلك الروح التي تجعل أبناءها، أينما رحلوا، يحملون قيم المدينة وذكرياتها. فالأبيض ليست فقط مكانا جغرافيا، فهي أثر يبقى في النفوس، وحنين يتجدد كلما ذكرت، ودرس في التعايش والكرم والصبر على الشدائد.

ولعل أجمل ما يختصر روح الأبيض أنها كانت، وما تزال، مدينة تفتح أبوابها للناس قبل أن تسألهم من أين أتوا.

لأنني عشت وتربيت وتعلمت في الأبيض الحبيبة، ورأيت أهلها في الرخاء والشدة، حتى اشتهب الرأس وأدركني المشيب، فما زلت أعتقد أن أعظم ما تملكه الأبيض ليس أسواقها ولا مبانيها، وإنما إنسانها.

“قالوا الحيّ قدُر ما يغيب مصيرو يلاقي

و حال الدنيا تفرِّق و برضو تأتي تلاقي

و بلبس يوم لِقاك توب الفرح عراقي”

و هكذا تظل الابيض مهما باعدت بينها و اهلها الايام، موعدا و محطة تزود بالحنين و عودة الروح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى