مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتيجية د. إسماعيل الناير في حوار مع العودة

الجيش انتقل من الدفاع إلى الهجوم الاستراتيجي
تحرير الجنينة بوابة السيادة.. وقطع إمداد المليشيا ينهي الحرب
المسيّرات غيرت قواعد المعركة
3 سيناريوهات لحسم دارفور.. والجنينة الهدف الاستراتيجي القادم
البروباغندا لا تعكس الواقع.. والحرب تُحسم بالتراكم العملياتي
كردفان مفتاح دارفور.. وتأمين خطوط الإمداد يخنق استمرارية المليشيا
موسم الأمطار قد يبطئ التقدم.. لكن الاستنزاف يرجح كفة الجيش
المنظمات الإنسانية عاجزة بدون ممرات آمنة
—-
“في وقتٍ تتجه فيه الأنظار إلى ميادين القتال في دارفور وكردفان، لم يعد المشهد العسكري مجرد اشتباكات متفرقة، بل تحول إلى استراتيجية محكمة تقودها القوات المسلحة لفرض المبادرة الميدانية. عن هذا التحول النوعي من الدفاع إلى الهجوم الاستراتيجي، وعن دلالات استخدام الطيران المسيّر وقطع خطوط الإمداد، أجرت ‘العودة’ حواراً عميقاً مع الخبير الاستراتيجي ومدير مركز ‘إنماء’ للدراسات الاستراتيجية، د. إسماعيل الناير.
في هذا الحوار الحصري، يُفكك الناير تعقيدات جبهات الغرب، ويشرح لماذا تُعد مدينة الجنينة ‘البوابة الاستراتيجية’ لحسم الصراع، بعيداً عن صخب البروباغندا الإعلامية. كما يضع الناير بين أيدينا خارطة طريق من خمس ركائز أساسية، يراها كفيلة بنقل السودان من مرحلة الحرب إلى الاستقرار المستدام.”
—-
حوار – عماد النظيف
– كيف تقيمون طبيعة العمليات العسكرية التي يخوضها الجيش حالياً في ولايات دارفور وكردفان وهل يمكن وصفها بأنها انتقلت من مرحلة الدفاع إلى الهجوم الاستراتيجي؟
يسود في ولايات دارفور وكردفان نمط عمليات عسكرية يختلف بصورة واضحة عن المراحل السابقة، إذ باتت القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها تركز على المبادرة الميدانية، وتوسيع نطاق الضغط على خطوط إمداد مليشيا الدعم السريع، وتنفيذ عمليات متزامنة تهدف إلى استنزاف قدرات المليشيا وتقليص حرية حركتها، بدلاً من الاكتفاء بحماية المدن والمواقع الحيوية. كما أن تنامي استخدام الاستطلاع الجوي والطائرات المسيّرة والعمليات النوعية يعكس سعياً لإعادة تشكيل البيئة العملياتية بما يمنح القوات المسلحة زمام المبادرة.
وبناء على ذلك، هناك مؤشرات على انتقال تدريجي من نمط دفاعي فرضته ظروف المرحلة الأولى إلى نهج أكثر ميلاً للهجوم. ويمكن توصيفه بأنه هجوم استراتيجي إذا استمر بنفس الوتيرة وحقق نتائج تراكمية تغير ميزان القوى، من خلال تفكيك البنية القتالية للمليشيا وقطع خطوط إمدادها بصورة مستدامة واستعادة السيطرة على مناطق واسعة، وإن كانت بدايته على مستوى المكاسب التكتيكية.
– لاحظنا في الأسابيع الأخيرة تزايداً في استخدام الطيران المسير والعمليات النوعية، إلى أي مدى أثر هذا التغيير في التكتيكات على التوازن الميداني في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع؟
في الأسابيع الأخيرة برز تحول واضح في نمط العمليات، تمثل في التوسع في استخدام الطيران المسيّر والضربات الدقيقة والعمليات النوعية. هذا النهج أتاح استهداف مراكز القيادة والسيطرة ومستودعات الإمداد وخطوط الحركة للمليشيا مع تقليل كلفة الاشتباك المباشر، ما أسهم في زيادة الضغط العملياتي وإرباك قدرتها على المناورة وإعادة التموضع.
وعلى المستوى الميداني، أسهم هذا التطور في إعادة تشكيل ميزان المبادرة، إذ أصبحت قوات المليشيا تواجه تحدياً متزايداً في الحفاظ على خطوط إمدادها وتأمين تجمعاتها. ورغم أن هذا التحول لا يعني حسم المعركة بصورة نهائية، فإن تأثيره التراكمي يفرض معادلة عملياتية جديدة تمنح القوات المسلحة أفضلية في إدارة المعركة، وتمهد لتهيئة الظروف أمام عمليات برية أكثر فاعلية خلال المراحل المقبلة التي ستكون نهايتها النصر المؤزر للقوات المسلحة ومن خلفها الشعب السوداني.
– هناك أنباء عن تنسيق عملياتي بين محاور النيل الأزرق وكردفان ودارفور، هل نحن أمام استراتيجية حرب محاور متزامنة أم هي عمليات مستقلة تمليها ظروف كل منطقة؟
أي تحرك متزامن للقوات المسلحة في محاور النيل الأزرق وكردفان ودارفور يُقرأ عسكرياً باعتباره مؤشراً على سعي القيادة إلى تحقيق تكامل عملياتي يربط بين الجبهات المختلفة، سواء عبر تنسيق زمني أو بتبادل الضغط العسكري. الهدف هو إرهاق الخصم وإجباره على توزيع قواته واحتياطياته على مساحات واسعة، بما يقلل قدرته على تركيز القوة في محور واحد ويحد من مرونته في المناورة.
مع ذلك، فإن توصيف المشهد بأنه حرب محاور متزامنة يظل رهيناً بوجود قيادة عمليات موحدة وخطة استراتيجية تربط بين هذه الجبهات بأهداف مرحلية واضحة. أما إذا كانت التحركات تستجيب لخصوصية كل إقليم، فإنها تندرج ضمن عمليات مستقلة تتقاطع في الغاية العامة لكنها تختلف في الوسائل والإيقاع. وفي كلتا الحالتين، نجاح القوات المسلحة لا يقاس باتساع رقعة العمليات فقط، بل بقدرتها على المحافظة على زمام المبادرة واستثمار الضغط المتعدد المحاور لإرباك الخصم وحرمانه من فرصة إعادة تنظيم قواته.
– تمثل ولايات كردفان عمقاً استراتيجياً وموارد حيوية، كيف يؤثر تقدم الجيش في تأمين خطوط الإمداد على فرص استمرارية الطرف الآخر في هذه الجبهة؟
تقدم الجيش في كردفان يضرب العمق الاستراتيجي للمليشيا، لأن الإقليم يشكل مورداً بشرياً ولوجستياً واقتصادياً لها. السيطرة على محاور كردفان تعني قطع شريان الإمداد الرئيسي بين دارفور ووسط السودان، وتقليص قدرة المليشيا على المناورة والتعويض. كلما أحكمت القوات المسلحة قبضتها على طرق الإمداد، تراجعت قدرة الطرف الآخر على الاستمرار بنفس الزخم، خاصة مع تزايد الاستنزاف وتشديد الحصار الجوي والبري. هذا يجعل معركة كردفان مفتاحاً لتغيير المعادلة في دارفور أيضاً.
– ما هي أكبر التحديات العسكرية التي تواجه القوات المسلحة في حسم محاور دارفور وكردفان مقارنة بالعمليات في مناطق أخرى مثل الخرطوم؟
التحديات في دارفور وكردفان تختلف جذرياً عن الخرطوم.
أولاً: اتساع المسرح الجغرافي وصعوبة التضاريس والمسافات الشاسعة، ما يصعّب الإمداد والمناورة.
ثانياً: الطبيعة الحدودية المفتوحة، خاصة في دارفور، ما يتيح للمليشيا فرص تهريب السلاح والانسحاب التكتيكي.
ثالثاً: البعد الاجتماعي والقبلي الذي تحاول المليشيا استغلاله، رغم أن جرائمها فككت كثيراً من هذا الغطاء.
رابعاً: ضعف البنية التحتية مقارنة بالخرطوم، ما يؤثر على سرعة تحرك القوات النظامية.
لذلك حسم هذه المحاور يحتاج وقتاً وتكتيكات استنزاف وتطويق، وليس معارك خاطفة كما في المدن.
– كيف تصفون المشهد العسكري والأمني الحالي تحديداً في مدينة الجنينة وهل لا تزال خطوط التماس ثابتة أم أن هناك تحركات تكتيكية جديدة على الأرض؟
تكتسب الجنينة أهميتها الاستراتيجية من موقعها الجيوسياسي بوصفها إحدى أهم البوابات الحدودية في غرب السودان، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع المصالح الاقتصادية وحركة التجارة العابرة. الطرف الذي يفرض سيطرة فعالة على المدينة ومحاورها يتحكم في خطوط الإمداد ومسارات العبور، ما ينعكس مباشرة على ميزان القوة الميداني.
لذلك فإن أي تغير في خارطة السيطرة العسكرية يترك أثراً فورياً على النشاط التجاري. وتمكن القوات المسلحة من استعادة السيطرة الكاملة على الجنينة وتأمين محيطها الحدودي سيمثل تحولاً استراتيجياً يتجاوز المكسب العسكري إلى إعادة فرض سيادة الدولة على أحد أهم المنافذ الغربية، وقطع خطوط الإسناد غير المشروعة، وتهيئة الظروف لاستئناف النشاط الاقتصادي.
– في ظل توقف العديد من المؤسسات، ما هو تقييمكم لحالة الخدمات الضرورية كالمياه والكهرباء والخدمات الصحية في الجنينة؟
تقييم واقع الخدمات في الجنينة لا ينفصل عن ممارسات مليشيا الدعم السريع التي استهدفت البنية التحتية ومؤسسات الدولة مباشرة في كل مدينة دخلتها. فكلما طال أمد سيطرة المليشيا تلاشت قدرة المؤسسات على أداء وظائفها، وأصبحت خدمات المياه والكهرباء والرعاية الصحية تعمل بقدرات محدودة أو بصورة متقطعة.
من منظور استراتيجي، استعادة الأمن هي المدخل الحقيقي لإعادة تشغيل الخدمات العامة. أي تقدم ميداني للقوات المسلحة وتحرير الجنينة سيفتح المجال أمام عودة المؤسسات الحكومية وإعادة تأهيل الشبكات والمرافق. فالمعركة في الجنينة لم تعد معركة للسيطرة على الأرض فحسب، بل معركة لاستعادة مؤسسات الدولة وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة عبر توفير الخدمات الأساسية.
– إلى أي مدى تنجح المنظمات الإنسانية في الوصول للمناطق المتأثرة داخل الجنينة ومحيطها، وهل هناك عوائق لوجستية لا تزال تعرقل عملها؟
لا تزال قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول محدودة، بسبب تداخل عوامل أمنية ولوجستية: استمرار عدم الاستقرار، غياب الضمانات الأمنية، تضرر البنية التحتية للنقل والاتصالات، وتعقيدات الإجراءات الإدارية. اتساع رقعة النزوح وتغير خريطة السيطرة يفرضان تحديات إضافية.
من منظور استراتيجي، نجاح أي استجابة إنسانية لا يرتبط فقط بتوافر الموارد، بل بوجود ممرات إنسانية آمنة ومستدامة. وفي ظل استمرار العوائق، تبقى الفجوة بين الاحتياجات وحجم الاستجابة قائمة. وتحسين الوضع يتطلب معالجة المعوقات بصورة متزامنة، وهذا لا يتأتى إلا بعودة سيادة الدولة ورجوع المؤسسات الحكومية التي تمثل الركيزة الأولى للاستقرار.
– كيف أثر الصراع على العلاقات بين المكونات الاجتماعية في الجنينة، وهل هناك مؤشرات على مبادرات محلية لتجاوز آثار هذه المرحلة؟
كان اجتياح الجنينة من قبل المليشيا نقطة تحول كبرى في تاريخ التعايش بين القبائل والمكونات الاجتماعية في غرب دارفور. ارتكبت المليشيا فظائع وجرائم صنفت كإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، ما أدى لانعدام الثقة والنزوح الواسع. أخطر ما تفرزه الحروب ليس الدمار المادي فقط، بل تفكيك النسيج الاجتماعي.
لكن العلاقات التاريخية الممتدة في دارفور أعمق من أن تُختزل في ظروف الحرب. وبعد تحرير المدينة لا بد من إطلاق مبادرات محلية للمصالحة، لكن نجاحها مرهون بتوافر بيئة أمنية مستقرة، وعودة مؤسسات الدولة، وضمان العدالة وجبر الضرر، وتوفير الظروف لعودة النازحين. فالمصالحة الحقيقية عملية استراتيجية طويلة الأمد تستند إلى الأمن وسيادة القانون والتنمية المتوازنة.

– ما هي السيناريوهات العسكرية الأكثر ترجيحاً للمشهد في دارفور وكردفان، ومدينة الجنينة خاصة، خلال الأشهر القادمة؟
إذا استمر التقدم العسكري الحالي، فالمشهد مرشح لثلاثة سيناريوهات.
الأول: استمرار الضغط التدريجي وتعدد المحاور، مع تركيز القوات المسلحة على قطع خطوط الإمداد وتدمير قوات المليشيا بالضربات الجوية والهجمات النوعية. وتؤكد التقارير هذا التقدم في دارفور، مثل كُلبس وجبل مون والتحركات باتجاه محيط الجنينة.
الثاني: إدارة عدة معارك حول مدينة الجنينة باعتبارها الهدف العسكري الأهم، وقد تسبقها مرحلة عزل عملياتي واستنزاف وقطع طرق الحركة، ثم دخول القوات المسلحة وتحريرها بالكامل.
الثالث: استمرار حرب الاستنزاف دون حسم سريع، مع دخول موسم الأمطار وصعوبة الإمداد، ما قد يبطئ وتيرة التقدم وتتحول العمليات إلى تبادل للضغط مع زيادة الانشقاقات داخل المليشيا وتراجع إمدادها من الحدود.
الأشهر القادمة ستحدد ما إذا كانت العمليات ستؤدي إلى تغيير جذري في ميزان السيطرة غرب السودان، أم إلى مرحلة طويلة من الاستنزاف المتبادل.
– كخبير عسكري، ما هي الرسالة التي يمكن توجيهها للرأي العام لفهم ما يدور خلف الكواليس العسكرية بعيداً عن البروباغندا الإعلامية؟
فهم ما يجري خلف الكواليس العسكرية يتطلب إدراك أن الحروب لا تُقاس بما يظهر في البيانات أو المقاطع المتداولة، بل بمنطق التراكم العملياتي والقدرة على تحقيق الأهداف الاستراتيجية على المدى المتوسط والبعيد. المشهد الميداني أكثر تعقيداً من الصورة الإعلامية؛ فالتحركات وإعادة التموضع والاستنزاف وقطع خطوط الإمداد والخداع العسكري تُدار بعيداً عن الأضواء.
لذلك، الرسالة الأهم للرأي العام هي ضرورة التعامل مع المعلومات العسكرية بعقلية نقدية، والتمييز بين الخبر الموثق والدعاية. في حرب المليشيا تُستخدم الحرب الإعلامية كأداة للتأثير في الروح المعنوية وصناعة الانطباعات. التقدير الاستراتيجي السليم يقوم على تحليل شامل للمعطيات، وليس على ردود الفعل الآنية، وهو ما يمنح الرأي العام فهماً أكثر اتزاناً وموضوعية.
– ستنتهي العمليات العسكرية، فما هي ركائز الانتقال إلى الاستقرار المستدام في السودان، ولا سيما في دارفور وكردفان؟
الانتقال إلى الاستقرار المستدام لن يتحقق تلقائياً، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة من خمس ركائز.
أولاً: تثبيت الأمن، وجمع السلاح غير النظامي، وتأمين المدن والطرق والمعابر، مع إعادة بناء مؤسسات الشرطة والعدالة.
ثانياً: إطلاق استجابة إنسانية واسعة تضمن عودة النازحين واللاجئين، وإعادة تشغيل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء.
ثالثاً: تحقيق مصالحة مجتمعية حقيقية تعالج آثار الحرب، وتعتمد على الحوار وجبر الضرر والعدالة الانتقالية.
رابعاً: إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية عبر إصلاح البنية التحتية وتحفيز الاستثمار وإعادة تنشيط الزراعة والتجارة والأسواق الحدودية.
خامساً: عملية سياسية شاملة تُنتج مؤسسات دولة تتمتع بالشرعية والقدرة على إدارة التنوع، لأن الانتصار العسكري لا يتحول إلى سلام دائم إلا إذا صاحبه مشروع سياسي جامع ومؤسسات فاعلة.



